معلومات تاريخية

قصة الإخوة بربروس .. من القرصنة إلى السلطنة

خير الدين وضع حداً للأطماع الأوروبية في الجزائر ومحيطها

عائلة بربروس:

الإخوة بربروس هم أربعة أولاد لأحد فرسان السباهية العثمانيين واسمه يعقوب، من جزيرة ميدللي (لسبوس) شمال بحر إيجه، وهم على التوالي: إسحاق، عروج المشهور ببابا عروج، وخير الدين (ويسمى كذلك الخضر)، وأصغرهم إلياس، أما لقب بربروس؛ فقد أطلق في البداية على عروج ذو اللحية الشقراء ومن ثم أصبحوا يعرفون
بالإخوة بربروس.
كان إسحاق ريس يعمل في التجارة البحرية بين مصر والشام والأناضول، وعمل معه أخوه عروج، وهناك لفت أنظار الأمير قرقود شقيق السلطان سليم الأول عندما كان واليا على أنطاكية فقد كان كثير الاهتمام بالبحارة ويعنى بشؤونهم، فقرب إليه عروج ومنحه عناية كبيرة.

أمير البحار -غلام زرافة
التجارة البحرية كانت مدخلاً لتوطيد ركائز علاقة أسرة بربروسا والخلافة العثمانية

الأسر في رودس:.

وفي إحدى أسفاره؛ وقع عروج أسيرا في يد قراصنة جزيرة رودس، ومكث هناك مدة طويلة، لكنه تمكن أخيرا من الفرار، وعاد لخدمة الأمير قرقود، وبعدها عمل لمدة قصيرة في خدمة السلطان المملوكي قانصوه الغوري الذي أعجب به وجعله على رأس أسطول صغير في البحر الأحمر.
لكن إقامته في مصر لم تكن طويلة فعاد لخدمة الأمير قرقود، الذي وجهه للجهاد في غرب البحر المتوسط على خطى كمال ريس، انطلق عروج بعد هذه النصيحة نحو اليونان أغار على سواحلها وغنم منها الكثير وعاد إلى ميدللي بعد غياب دام 11 سنة ولقي إخوته هناك.

خوذة عسكرية عثمانية تعود للقرن السادس عشر
خوذة عسكرية عثمانية تعود للقرن السادس عشر – متحف الميتروبوليتان

بعد جلوس السلطان سليم الأول عام 1512 م، وإعدامه لأخيه قرقود؛ أسِف عروج لهذا الحادث الجلل ولفقدانه أكبر داعم له، وحينها فكر في الابتعاد عن المنطقة والتوجه حيث نصحه أميره، فشد الرحال صوب غرب المتوسط وهناك تغير مسار حياته بالكامل.

بداية المغامرة في جزيرة جربة:

وصل عروج إلى جزيرة جربة عام 1512 م، وجعلها قاعدة ينطلق منها في غزواته البحرية ومخزنا لغنائمه التي يكسبها من القرصنة.

خريطة تظهر فيها جزيرة جربة - عام 1560 م تقريباً
خريطة تظهر فيها جزيرة جربة – عام 1560 م تقريباً

وبعد مدة لحق به أخوه خير الدين فتدعمت قوته أكثر، وتوسع نشاطه في المنطقة.
وفضلا على عملهم في الإغارة على السواحل والجزر والسفن الأوروبية؛ فقد سعى الإخوة بربروس لتحرير السواحل الافريقية من الاحتلال الإسباني، حيث عملوا جاهدين على إنقاذ مسلمي الأندلس وترحيلهم إلى مختلف المدن المغاربية، ومن ثم أصبح هذا هدفهم الرئيسي وأصبح شارلكان ملك إسبانيا ندهم الأكبر.

حصار بجاية:.

في عام 1514 م، حاول الأخوة بروبروس تحرير مدينة بجاية فقاموا بمحاصرتها، ولأن تحصينها كان قويا فشلا في ذلك بل أن عروج فقد ذراعه هناك، لكنهما تمكنا بعدها من فتح قلعة جيجل وجعلها قاعدة عسكرية إلى جانب القاعدة الرئيسية بجربة.
بعث الأخوين بربروس بمجموعة من الهدايا الثمينة للسلطان سليم الأول وهو بدوره أرسل لهما سفينتين كمكافأة على جهودهما، وبعد هذه المراسلات والهدايا أصبحت علاقة عروج وأخيه بالسلطنة العثمانية شبه رسمية، وأخذ وجه الصراع مع الاسبان يتغير ويأخذ طابع العداء بين الدولتين العثمانية وإسبانيا.

رسالة استنجاد من مدينة الجزائر:

لما اشتد الخطر الاسباني على مدينة الجزائر؛ فكر أعيانها بزعامة شيخ قبيلة الثعالبة وحاكم المدينة سالم التومي في الاستنجاد بالإخوة بربروس الذين أصبحوا على مقربة منهم، فأرسلوا لهم رسالة يطلبون نجدتهم،

وقد كان سكان المدينة ينتظرون بفارغ الصبر متى يصل الإخوة بربروس لإنقاذهم، كيف لا؟ وقد كانت الدولة العثمانية في ذلك الوقت تعتبر حامي حمى المسلمين في شتى أقطار العالم الإسلامي.

مدينة الجزائر في العام 1890 م
مدينة الجزائر في العام 1890 م

سارع الإخوة بربروس للظفر بالمدينة قبل سقوطها، ومن المرجح أن المدينة كانت ضمن خططهم في تحرير السواحل الإفريقية من الإسبان ذلك أنها تتوسط مدينتي بجاية ووهران، وإذا ما استكمل الإسبان احتلالها؛ حتما ستزداد قوتهم وسيهدد تواجد الإخوة بربروس في المنطقة.

فتح مدينة الجزائر:.

انطلق عروج على رأس أسطوله من جيجل، وتمكن من فتح مدينة الجزائر وشرشال ثم دلس وتنس، وهكذا دانت له المنطقة كلها، لكن سالم التومي الحاكم الفعلي للمدينة لم يرض بسيادة عروج وأظهر له العداء، فقاد حركة تمرد ضده، فما كان من عروج إلا محاربته للحفاظ على مكاسبه واستصدر فتوى بإعدامه من علماء مدينة الجزائر، وتمت مبايعة عروج أميرا للجهاد وسلطانا على الجزائر.
وعلى إثر هذه التطورات؛ قاد الإسبان بتدشين حملة مضادة على مدينة الجزائر عام 1516 م بتحريض من يحيى بن سالم التومي وحاكم تلمسان، وعند وصول الحملة ميناء الجزائر تصدى لها الأتراك ومعهم الأندلسيون وبعض القبائل وأهالي المدينة، وتمكنوا من هزم الاسبان وردهم أعقابهم.

ساحل وميناء مدينة الجزائر بنهاية القرن التاسع عشر
ساحل وميناء مدينة الجزائر بنهاية القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

وفي نفس السنة؛ عاود الاسبان شن حملة أخرى ولكن عروج ألحق بهم هزيمة نكراء، فكان لهذه الأحداث أن وطدت من سلطة عروج في مدينة الجزائر أكثر، والتي امتدت إلى مليانة والمدية.

وبعدها اتجهت أنظار عروج غربا نحو تلمسان التي كان سلطانها متواطأ مع الاسبان، فقاد حملة إليها عام 1518، لكنها انتهت بمقتله هناك على يد الإسبان، وهكذا انتهت حياة عروج بسقوطه شهيدا في أرض الجزائر.

خير الدين يخلف أخاه:

كانت وفاة عروج بمثابة كارثة على خير الدين وأسطوله وعلى تواجدهم في الجزائر عامة، فقد استخفَّ الإسبان بخير الدين واعتقدوا أنه مع وفاة أخيه سيتمكنون من قطع دابر العثمانيين في المنطقة، لكن خير الدين لم يستسلم للحزن والخوف وانطلق في إكمال مشوار أخيه، وهنا يقول في مذكراته: “لم يكن الوقت وقت إظهار الخور والضعف بل لم يكن لنا وقت للبكاء”.

رسم لخير الدين بربروسا
رسم لخير الدين بربروسا – متحف الميتروبوليتان

فكَّر خير الدين بربروس في طريقة يدعم فيها وجوده في الجزائر، فوجد أن السبيل الأمثل لذلك هو إعلان تبعيته للسلطان العثماني، فأقنع أعيان المدينة سنة 1519م بالتوقيع على عريضة أرسلها للسلطان سليم الأول يطلب فيها اعتماد الجزائر كولاية تابعة للدولة العثمانية، فأجابه السلطان بأن أرسله له في العام ذاته فرماناً يقضي بتعيين خير الدين، بيلربايا – وهو أرفع المناصب السياسية- على الجزائر ومعه الخلعة السلطانية والراية مع 2000 جندي انكشاري، ومنذ ذلك الحين بدأ الحكم العثماني بشكل رسمي في الجزائر.

البحرية التركية تحركت لمواجهة الأطماع الأوروبية
البحرية التركية تحركت لمواجهة الأطماع الأوروبية

خير الدين بربروس وشارلكان:

بعد أن أصبح حاكماً على الجزائر؛ صار خير الدين بربروس يثير مخاوف شارلكان، فقام هذا الأخير بالتحالف مع عدة ممالك أوروبية والبابا لإعداد حملة صليبية مشتركة ضد الجزائر،

فشكلت كل من: إسبانيا، البندقية البرتغال والبابا أسطولا من 600 سفينة أسندوا قيادته للأميرال المشهور أندري دوريا، التقى مع أسطول خير الدين بربروس في خليج بروزة ودارت بينهما معركة دامية كان الانتصار فيها من نصيب خير الدين بربروس.

العصور الوسطى شهدت منافسة محتدمة بين مختلف القوى الساعية للسيطرة على البحر المتوسط
البحر المتوسط كان ساحة للمواجهة بين القوى الكبرى لتوسيع نفوذها

خير الدين بربروس يصبح قبطانا على الأسطول العثماني:

أُعجب السلطان سليمان القانوني بانتصارات خير الدين بربروس، كيف لا؟ وهو الذي انتصر على ملك إسبانيا الذي كان يحكم نصف أوروبا، فاستدعاه إليه واستقبله استقبال الفاتحين وعينه قبطاناً على الأسطول العثماني.

ويصف خير الدين فرحته بهذا التعيين بقوله: “لقد كنت في غاية السعادة لتولي قيادة أكبر أسطول في العالم. ذلك الأسطول الذي يجعل أساطيل أوروبا مجتمعة عاجزة عن إلحاق الهزيمة به”.
خلف خير الدين بربروس ابنه حسن آغا نائبا له على الجزائر، وباشر مهمته الجديدة في البحرية العثمانية، وقد كان متقد الحماس دائم النشاط، حتى أنه فكر في تنظيم حملات إلى العالم،

واقترح ذلك على الصدر الأعظم إبراهيم باشا ولكن هذا الأخير الجديد رفض الفكرة، وقام بعدة إصلاحات في الأسطول كما حقق الكثير من الانتصارات وفتح الكثير من الجزر والقلاع في شرق المتوسط وبحر إيجه.

حسن بن خير الدين بربروس يوقع بالملك شارلكان:

بعد هزيمة بروزة؛ عزم شارلكان على رد الإعتبار لنفسه وجيشه، فقرر أن يقود بنفسه حملة على الجزائر، لكنه فكر في حيلة تسهل عليه المهمة، فعرض على حسن بن خير الدين بربروس التحالف معه وجعله ملكا على الجزائر.

 تظاهر حسن آغا بقبول العرض وأرسل لشارلكان يخبره بأنه لن يتصدى لحملته، وذلك بعد أن أعد له العدة واستنفر كل الأهالي لذلك.

خير الدين بربروسا
خير الدين بربروسا

 وما إن دخل شاركان المدينة؛ حتى أصيب بالذهول من قوة الدفاع والاستبسال في القتال.
وسرعان ما أدرك شارلكان استحالة تحقيق أي انتصار، فحاول التراجع ولم يتمكن إلا بعد عناء كبير، وبمساعدة قائده أندري دوريا استطاع النجاة بنفسه.

وفي هذا الصدد؛ يقول خير الدين في مذكراته إن شارلكان “خلع تاجه من رأسه ورماه في البحر من شدة الغيظ”، ولم يصل خير الدين بربروس إلا بعد أيام من المعركة.
وكان لهذه الهزيمة صدى كبير في أوروبا اهتزت بسببه مكانة شارلكان، حتى أن بعض المصادر تذكر أنه ترك عرش إسبانيا واعتزل في أحد الأديرة، أما حسن آغا؛ فقد لقِّب “بالغازي” بعد هذا الانتصار.

وفاته:.

بعد زوال أكبر خطر مهدد للوجود العثماني بالجزائر بتراجع قوة الإسبان وسياستهم في البحر المتوسط، تفرغ خير الدين بربروس لعمله في البحرية العثمانية كقبطان دريا إلى أن وافته المنية عام 1546م في مدينة إسطنبول التي دفن بها، بعد حياة حافلة بالمغامرات والانتصارات.

مسجد السلطان أحمد في مدينة إسطنبول - العام 1880 م
مسجد السلطان أحمد في مدينة إسطنبول – العام 1880 م

المصادر:.

• مذكرات خير الدين بربروس.
• تحفة الزائر، محمد بن عبد القادر الجزائري
• الدخول العثماني للجزائر، محمد دراج

https://www.dailysabah.com/portrait/2019/10/17/hayreddin-barbarossa-lion-of-the-mediterranean

https://www.badassoftheweek.com/barbarossa

https://www.ancient-origins.net/history-famous-people/hayreddin-barbarossa-causing-ruckus-notorious-pirate-redbeard-005191

https://images.metmuseum.org/CRDImages/dp/original/DP888711.jpg

الوسوم

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق