أخبار العرب

الإبل في التراث العربي

مضر بن نزار أول ُمن حَدا، وأولُ من قال: "بصبصن إذ حُدين"، فذَهبَت مَثلاً

تمهيد:-

الإبل رفيق العَرَب في جزيرتهم منذ القدم، فالجمل هو الصَّديقُ الوفيُّ الذي تحمَّل معهم مشاقَ الحياةِ وبيئة بلادهم الصَحراوية الشَّاسِعة.

وقد تناول المؤرِّخ والنسَّابة أحمد بن يحيى البلاذري (توفي سنة 279 هجرية- 892 ميلادية)، بعض المواقف ذات الصلة بالإبل والمستمدة من التاريخ العربي القديم والذي يسبق البعثة النبوية بعهدٍ طويل.

وأُدرِجَت هذهِ المواقِف في كتابِ البلاذري الشَّهير “أنساب الأشراف”، وفيما يلي بعضها:

مُضر بن نزار:-

فقال قال البلاذري نقلاً عن عبَّاس بن هشام، عن أبيه، عن جدِّه، أن مضر بن نزار كانَ من أحسن النَّاسِ صوتاً، فسقَطَ عن بعيره، فانكَسَرَت يده، فجعل يقول: يا يداه! فأنِسَت الإبل لصوته وهي في المرعى.

الإبل والتراث العربي

فلمَّا صلُح مُضر وركِب، حدَا، فهو أول ُمن حَدا، وأولُ من قال: “بصبصن إذ حُدين”، فذَهبَت مَثلاً.

ومُضر بن نزار بن مَعْد بن عدنان بن أدد بن قيدار بن النبي إسماعيل عليه السلام، وفقا لما أورده غالبية النسَّابة العرب.

وقد اُستُعمِلَ الحَداء في شِعر النَّاس بعد مضر، وتزيَّدوا شيئاً بعد شيء، وقيل: إنه ضرب يدَ غُلام له بعصا، فجَعَلَ يقول: يا يداه، يا يداه، فاجتمعت الإبل.

إلياس بن مضر والإبل:-

بحسب البلاذري أيضاً؛ فقد ولد مضر؛ إلياس، وبه كان يُكنَّى.

وولد إلياس بن مضر: عمرو بن إلياس، وبه كان يُكنَّى، وهو “مدركة”، وعامر بن إلياس وهو “طابخة”، وعُمير بن إلياس وهوَ “قَمَعَة”، وأمهم خِندف، واسمها ليلى بنت حُلوان بن عِمران بن الحاف بن قضاعة.

وفي هذا السِياق؛ خرَجَ إلياس منتجعاً، ومعهُ أهله وماله، فدَخَلت بين إبله أرنب، فنفرت الإبل، فخَرَجَ عمرو بن إلياس في طلبها، فأدركها، فسمَّاه أبوه “مدركة”، وخرجت ليلى خلف ابنها مهرولةً، فقال الشَّيخ: مالِك إلى أين تخندفين؟ فسُمِيت “خندف”، وخَرَج عامر في طَلب الأرنب، فصادها وطبخها، فقال له أبوه: أنت طابخة، ورأى عُميراً قد انقمع في المظلَّة فهو يُخرج رأسه منها، فقال له: أنتَ قمعة.

القَحط ونحر الإبل:-

هنا يتقدَّم البلاذري في تأريخه، وصولاً إلى فترة ما قبل الإسلام بقليل في رواية يَظهَر فيها الجمل حاملاً للخبز إلى قريش التي عانت من عام قحط، ثم يتم نحر ذات الإبل التي جاءت بهذا الخبز.

المؤرخ جواد علي يتناول أهمية الجمل في الثقافة العربية
المؤرخ جواد علي يتناول أهمية الجمل في الثقافة العربية

ويقول البلاذري في هذا الصدد: ” حدثني عباس بن هشام بن الكلبي، عن أبيه ، عن جَدِّه، عن أبي صالح عن
ابن عباس، قال: أصابت قريشاً سَنة ذهبت بأموالهم وأقحطوا فيها، وبلغ هاشماً (بن عبد مناف) ذلك وهو
بالشَّأم، وكان متجره بغزَّة وناحيتها، فأمر بالكعك والخُبز، فاستكثر منهما، ثم حُمِلا في الغرائر على الإبل ،
حتى وافى مكَّة، فأمَرَ بهَشم ذلك الخُبز والكعك، ونُحِرَت الإبل التي حَملَت، فأشبع أهل مكة وقد كانوا
جهدوا”.

وفي هذا السياق، يقول الشاعر المخضرم عبد الله بن الزَبِعرَى والذي أدرَكَ الإسلام واعتنقه:

عمرو العُلى هشـم الثَّريد لقومــهِ.. ورجالُ مكَّة مسنتونَ عِجـــاف

وهو الذي سنَّ الرحيـلَ لقومَــه.. رِحـلَ الشِّتاء ورِحلة الأصيـاف

ومن المعلوم بأن هاشم بن عبد مناف، الجدُّ الثاني للرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسَّلام، هو أول من
دشَّن رحلتي قُريش (الصَّيف للشَّام، وفي الشِّتاء لليمن)، وإليه ينتسبُ الهاشميون، ويقدَّر المؤرخون وفاته
في عام 497 م.

وقال وهب بن عبد قصي حول الموقف المذكور:

تحمَّل هاشـــمٌ ما ضــاقَ عنا.. وأعيـــا أن يقوم به ابـــــن بيض

فأوسَـــع أهل مكَّــةَ من هَشيمٍ.. وشــاب الخــبزِ باللحــمِ الغريضِ

ابن بطوطة يصف مآثر الكرم والجود عند أهل مكة المكرمة بعد قرون من وفاة النبي الكريم

وقال النسَّابة ابن الكلبي: ابن بيض هو رجل من قوم عاد، كان يقال له: ثوب بن بيض، نَزَلَ به قوم فنحَرَ لهم
جزوراً سَدَّت طريقاً كانت تسلك إليه في واد، فقيل: سد ابنُ بيض السَّبيل، فذهبت مثلاً.

ويُقال : إنَّ ابن بيض هذا كان موسِراً مُكثِراً ، وكان قد صولِحَ على خرج، وجعلَ على نفسِهِ شيئاً لقوم
يعطيهم إياه لوقت، فكان يُخرِج ذلك الشيء، ويجعله في فَم شِعب كان يدخُل إليه منه، فإذا جاء من
يقبض ذلك، قالوا: سدّ ابن بيض السبيل؛ أي قضى ما عليه.

الإبل في الشعر:-

وقال أبو تمَّام يصف ناقة:

أتَيْـنَا القَـادِسِيَّةَ وهيَ تَـرْنُو.. إليَّ بِعَيْنِ شَيْطَـانٍ رَجِـيمِ

فَمَـا بَلَغَـتْ بِنـَا عُسْفَـانَ حتَّى.. رَنَتْ بِلَـحَاظِ لُقْمَـانَ الْحَـكِيمِ

وَبدَّلَـهـا السُّرَى بالجَـهْـلِ حِـلْمَاً.. وَقَـدْ أدِيمَـهَا قَدَّ الأديِـمِ

أذَابَ سَنَـامَهـا قَطْـعُ الفَيـافِي.. ومزَّقَ جِلْـدَهَـا نَـضْحُ العَصِـيمِ

بَدَتْ كالْبَـدرِ وافـى ليْـلَ سَعْدٍ.. وآبَـتْ مثْلَ عُرْجُـونٍ قَدِيـمِ

المصادر: –

أنساب الأشراف للبلاذري.

أمالي المرتضى، غرر الفوائد ودرر القلائد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى