أعلام

عبد الرحمن الأوزاعي .. إمام أهل الشام

لم يكن بالشام أعلم منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وتصدر للفتيا وعمره وقتها 25 سنة

عبد الرحمن الأوزاعي –اسمه ونسبه:

عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، أبو عمرو الأوزاعي ، إمام أهل الشام في الفقه والزهد، وُلِدَ بِبَعْلَبَكَّ سنة 88هـ، وقيل: سنة 93هـ، ونشأ بالبقاع يتيماً في حِجْر أمه، ثم نقلته أمه إلى بيروت.

والأوزاعي نسبة إلى الأوزاع، وهي بطن من ذي الكَلَاع من اليمن، وقيل: بطن من هَمْدان، واسمه مَرْثَد بن زيد، وقيل: الأوزاع قرية بدمشق على طريق باب الْفَرَادِيس، ولم يكن أبو عمرو منهم، وإنما نزل فيهم فنُسِبَ إليهم.

ابن بطوطة يتحدث عن مدن لبنان

صفاته:

صفاته الجسمية: كان فوق الرَّبْعَةِ، خفيف اللحية، به سمرة، وكان يُخضِّب بالحناء.

صفات الإمام عبد الرحمن الأوزاعي الخُلُقية: كان من أكرم الناس وأسخاهم، وكان له في بيت المال على الخلفاء إِقْطَاعٌ، فصار إليه من بني أمية، وبني العباس نحو من سبعين ألف دينار، فلم يقتنِ منها شيئاً، ولا ترك يوم مات سوى سبعة دنانير، كان ينفقها في سبيل الله وفي الفقراء.

مكانته العلمية:

سمع الإمام عبد الرحمن الأوزاعي من يحيى بن أبي كثير، وانقطع إليه، فأرشده إلى الرحلة إلى البصرة؛ ليسمع من الحسن البصري وابن سيرين ، فسار إليها فوجد الحسن قد توفي من شهرين، ووجد ابن سيرين مريضاً، فجعل يتردد لعيادته، فقوي المرض به، ومات ولم يسمع منه الأوزاعي شيئاً، وجاء فنزل دمشق بمحلة الأوزاع خارج باب الفَرَاديس، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وعلوم الإسلام.

الأوزاعي وجد ابن سيرين مريضاً حينما قصده

أدرك خلقاً من التابعين وغيرهم، فسمع من: الزُّهْري، وعطاء بن أبي رَبَاح، وغيرهم. وروى عنه: سفيان الثَّوْري، و مالك بن أنس، وأخذ عنه: عبد الله بن المبارك، وجماعة كبيرة.

لم يكن بالشام أعلم منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وتصدر للفتيا سنة 113هـ، وعمره وقتها 25 سنة.

وقد حج مرة، فدخل مكة وسفيان الثَّوْري آخذ بزمام جمله، ومالك يسوق به، والثوري يقول: افسحوا للشيخ.

وقد تذاكر مالك والأوزاعي بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر، ومن العصر حتى صليا المغرب، فغمره الأوزاعي في المغازي، وغمره مالك في الفقه.

المسجد النبوي في المدينة المنورة موطن الإمام مالك بن أنس (الصورة في مطلع القرن العشرين)
المسجد النبوي في المدينة المنورة موطن الإمام مالك بن أنس (الصورة في مطلع القرن العشرين)

وكان الأوزاعي لا يَلْحَنُ في كلامه، وكانت كتبه ترد على المنصور، فينظر فيها ويتأملها، ويتعجب من فصاحتها وحلاوتها، فقال يوماً لأحظى كُتَّابه عنده وهو سليمان بن مجالد: ينبغي أن تجيب الأوزاعي عن كتبه. فقال: والله يا أمير المؤمنين، لا يقدر أحد من أهل الأرض على ذلك، وإنا لنستعين بكلامه فيما نُكاتِب به أهل الآفاق ممن لا يعرف كلام الأوزاعي.

نوادره:

قال الإمام عبد الرحمن الأوزاعي : “رأيت رب العزة في المنام فقال لي: يا عبد الرحمن، أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب، فقلت: يا رب أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة”.

مأثوراته:

  • قال الإمام الأوزاعي: “ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوماً فيوماً، وساعةً فساعةً، فلا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا تقطَّعَتْ نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم مع يوم؟!”.
  • وكان الأوزاعي كثير العبادة، حسن الصلاة، وكان يقول: “من أطال القيام في صلاة الليل هوَّن الله عليه طول القيام يوم القيامة”، وكأنه أخذ ذلك من قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 26].
الشيخ محمد بن يوسف بن بدر الدين الحسني (1267هـ -1354هـ)، العلّامة ذو العلم الوافر، والذكاء الباهر، والشهرة الواسعة، صاحب الأخلاق المحمدية
كان كثير التعبد، زاهداً، ورعاً
  • وقال الأوزاعي: “عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول; فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم”.
  • وقال: “اصبر على السُّنَّة، وقف حيث وقف القوم، وقل ما قالوا، وكُفَّ عما كَفُّوا، وَلْيَسَعْكَ ما وسعهم”.
  • وكان يقول: “لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب مؤمن، وإذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم باب الجدل وسدَّ عنهم باب العمل”.
  • وقال كذلك: “العلمُ ما جاءَ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلَّم، وما لم يجيء عنهم فليسَ بعِلم”.
  • وقال: ” اصبِر على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وَقَفَ القَوْم، وقُلْ ما قالوا، وكفَّ عمَّا كفُّوا، وليسعَكَ ما وسعهم”.
  • وقال الأوزاعي: ” كانت الخُلَفاء بالشَّام، فإذا كانت الحادثة؛ سألوا عُلَمَاءَ أهلِّ الشَّامِ وأهلَ المدينة، وكانت أحاديثُ العِراق لا تُجاوزُ جُدُرَ بيوتهم”.

أقوال العلماء فيه:

  • قال الإمام مالك بن أنس: “كان الأوزاعي إماماً يقتدى به”.
  • وقال الذهبي: “كان رأساً في العلم والعمل، جمَّ المناقب، ومع علمه كان بارعاً في الكتابة والترسُّل”.
  • وقال إسماعيل بن عيَّاش: “سمعتُ الناس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة”.
  • وقال ابن كثير: “تأدب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والوزراء أعقل منه، ولا أورع، ولا أعلم، ولا أفصح، ولا أوقر، ولا أحلم، ولا أكثر صمتاً منه، وما تكلم بكلمة إلا كان الْمُتَعَيَّنَ على من يجالسه أن يكتبها; من حُسْنِها، وكان يُعاني الرسائل والكتابة”.
  • قال أبو حاتم: ” الأوزاعي ثِقَة متَّبَع لِمَا سَمِع”.
  • سُئِلَ أمية بن زيد أين الأوزاعي من مكحول الشَّام؟، قال: ” هوَ عِندَنا أرفعُ من مكحول، إنَّهُ قد جَمَعَ العِبادةَ والعِلْم والقَوْل الحق”.

قد عِملَ أهلُ الشَّامِ بمذهبهِ حيناً، وانتَشَرَ بالأندلُس لرحلة الشَّاميين المُعتنقين مذهبه إلى الأندلس، ثمَّ حلَّ محَلَّ الأوزاعي مذهب الشَّافعي في الشَّام، ومذهبُ مالكٌ في الأندلس.

— أحمد أمين، “ضُحَى الإسلام”.

كتبه:

  1. السنن: كتاب في الفقه.
  2. المسائل: ذكر فيها المسائل التي سُئل عنها وما أجاب فيها.

وفاته:

مات في الحمَّام، أغلقت عليه امرأته باب الحمام ونسيتْهُ فمات، وكان ذلك بمدينة بيروت، سنة 157هـ، وخرج في جنازته المسلمون واليهود والنصارى والقِبْط، ورثاه بعضهم بقوله:

جـاد الحيا بالشَّـــام كُــل عشيــةٍ .. قبــراً تضمَّن لحده الأوزاعي

قبـــرٌ تضمَّــن فيـــه طــود شريعـــةٍ .. سُقيـا له من عالمٍ نفاع

عُرضَـت له الدُّنيـا فأعرض مقلعـاً .. عنهـا بزهدٍ أيَّما إقلاع

بيروت في عام 1890 م – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • الأعلام (3/320).
  • البداية والنهاية (13/443).
  • سير أعلام النبلاء (7/107/رقم 48).
  • العبر في خبر من غبر (1/174).
  • المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (8/196/رقم 848).
  • وفيات الأعيان (3/127/رقم 361).
Image by djedj from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى