معلومات تاريخية

الأندلس .. قرون من الحروب المستعرة بين المسلمين والمسيحيين

بذل المسلمون جهوداً مضنية في سبيل تثبيت أقدامهم في الجزيرة الآيبيرية

الأندلس هو الاسم الذي أطلقه المسلمون على شبه الجزيرة الآيبيرية وذلك بعد فتحها من قِبلهم في القرن  الثامن ميلادي، وحتى سقوطها عام 1492 م، وعودتها للعالم المسيحي مرة أخرى.

وبعد فتحها؛ أقام المسلمون في الأندلس حضارة مزدهرة أرخت بظلالها على سائر الميادين العلمية والأدبية والعمرانية، وما يزال الناس يتغنون بها حتى اليوم.

ومنذ فتحها وضمها للعالم الاسلامي؛ شهدت الأندلس صراعاً دامياً مستعراً متواصلاً دام لنحو 8 قرون بين الدول والدويلات الاسلامية التي تعاقبت على حكمها من جهة، والمسيحيين من جهة ثانية.

ولم يتوان المسلمون بدءاً من الأمويين وملوك الطوائف، ومروراً بالمرابطين والموحدين، ووصولاً إلى المرينيين؛ في الدفاع عن الأندلس ومحاولة حمايتها من الأخطار المسيحية.

صورة للاندلس
المسلمون تركوا إرثاً حضارياً كبيراً في الأندلس

وقد نشبت في الأندلس معارك عديدة وكثيرة لا يتسع الوقت لسرد قصصها ونتائجها جميعا، لذا اخترنا انتقاء أهم المعارك وأكثرها شهرة، والتي كان لها دوراً كبيراً في تغيير موازين القوى في البلاد لصالح أي من الطرفين المتصارعين.

فتح الأندلس والعبور نحو أوروبا :

بدأت فكرة فتح الأندلس تراود المسلمين منذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان (577 – 656 م) ، حيث كان القائد العسكري عقبة بن نافع ( 622– 683 م) يطمح إلى اجتياز المضيق الفاصل بين القارتين الأوروبية والإفريقية ومن ثم فتح الأندلس، وتحقيقا لذلك؛ أرسل ابنه عبد الله لفتح جزر البليار وميورقة التي تقع شرقي الأندلس.

وقد بذل المسلمون بعد ذلك؛ جهداً مضنياً وحثيثاً من أجل تثبيت أقدامهم في شبه الجزيرة الآيبيرية، حيث امتدت حملاتهم لمدة ثمانية وستين سنة.

خطوات متقدمة:

وفي سنة 91 هجرية؛ طلب القائد العسكري موسى بن نصير من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ( 668 – 715 م ) منحه الإذن لفتح الأندلس.

وبعد أن حصل موسى بن نصير( 640 – 716 م) على إذن الخليفة؛ قام بتجهيز وإرسال سرية استطلاعية إلى الأندلس بقيادة القائد العسكري طريف بن مالك، حيث استطاعت السيطرة على جزيرة توجد شرق منطقة الجزيرة الخضراء.

صورة جبل طارق
جبل طارق.. أحد أهم المضائق المائية في العالم

وفي سنة 92 هـ / 711 م ؛ أكمل القائد العسكري طارق بن زياد (670-720 م) عملية الفتح، وذلك بعد أن اجتاز بجيشه المضيق المسمى اليوم باسمه.

معركة واد لكة في الأندلس :

تعد من أهم المعارك في تاريخ الأندلس نظرا لوقوعها زمن الفتح، فبعد أن بلغ الملك القوطي لذريق ( توفي 711 م ) نبأ غزو المسلمين للبلاد ودخولهم لها؛ قام بإرسال قوة عسكرية بقيادة ابن شقيقته بنشيو، والذي كان عُرضة للقتل وذلك بعد أن نال جيشه هزيمة ثقيلة أمام الفاتحين.

ولما لم يستسغ لذريق هذه الهزيمة؛ عزم على التصدي للمسلمين بنفسه، فجهز جيشاً ضخماً بلغ تعداده مئة ألف وتوجه به نحو الجنوب، وبعد أن بلغ المسلمين نبأ ذلك، أرسلوا يطلبون المدد من موسى بن نصير، الذي استجاب لهم وأمدهم بخمسة آلاف مقاتل ليصل عددهم الإجمالي أثني عشر ألفاً.

المواجهة:

وفي سنة 92 هـ / 711 ميلادية؛ إلتقى الجمعان في منطقة تسمى واد لكة، التي اندلعت فيها حرب طاحنة استمرت لثمانية أيام متواصلة بذل فيها المسلمون أثمن ما يملكون في سبيل تحقيق هدفهم المنشود.

صورة محارب
انتصارات واسعة للمسلمين في بدايات دخولهم للأندلس

وبعد حسم المعركة لصالحهم؛ وضع المسلمون بذلك أولى دعائم حكمهم  الذي سيستمر في الأندلس لأكثر من ثمانية قرون.

المرابطون والانتصار الساحق في معركة الزلاقة في الأندلس :

وقعت هذه المعركة بعد استنجاد ملوك الطوائف وعلى رأسهم المعتمد بن عباد ( 1040 – 1095 م ) بأمير المرابطين يوسف بن تاشفين، وذلك من أجل مساعدتهم على التصدي لهجمات المسيحيين على مناطق المسلمين بالأندلس.

وبعد تلقيه برسالة من المعتمد ومعرفته لحال وأوضاع المسلمين بالأندلس وما يتعرضون له من قتل وسبي؛ قام الخليفة المرابطي بتجهيز جيش عظيم تضمن أمهر فرسان المرابطين، وعبر به نحو الأندلس.

وفي يوم الجمعة 12 رجب 479 هـ / 23 أكتوبر 1086 م، اندلعت المعركة بين المسيحيين بقيادة ألفونسو السادس ( 1043– 1109 م )  وبين المسلمين بقيادة يوسف بن تاشفين ( 1009 -1106 م ) وملوك الطوائف.

صورة رجلين يتقاتلان
انتصار ساحق في معركة الزلاقة – تعبيرية

القائد في المقدمة :

وقد اختار المعتمد بن عباد خلال هذه المعركة أن يكون في المقدمة على رأس الفرقة الأولى ، التي اصطدمت بالجيش الصليبي وقاتلت بكل استبسال وشجاعة، حتى جُرح المعتمد وشارف المسلمون على الهزيمة.

وفي هذه الأثناء؛ انضمت الفرقة الثانية -التي يقودها داوود بن عائشة أمهر فرسان المرابطين- إلى المعركة، فحمي الوطيس والتقت السيوف وتكسرت الرماح.

ولما بلغ ابن تاشفين أن المسلمين في حال أقرب للهزيمة، تحرك بجيشه الرئيس الذي يضم حرسه الخاص فاقتحم قلب الجيش المسيحي، وأثخن القتل في جنوده حتى تحقق انتصار المسلمين وانهزام جيش ألفونسو.

معركة الأرك .. نصر آخر للمسلمين في الأندلس :

وقعت هذه المعركة في فترة حكم الدولة الموحدية التي كانت تحكم الغرب الإسلامي وتتخذ من مدينة مراكش عاصمة لها.

و بدأت بوادر هذه المعركة تظهر منذ سنة 1191 م / 585 هـ وذلك بعد هجوم ماك البرتغال على مدينة شلب بالأندلس، الأمر الذي اضطر الخليفة الموحدي يعقوب المنصور (1060– 1199 م) للعبور نحو الأندلس، والتصدي له وهزيمته في معركة صغيرة، تم على اثرها توقيع معاهد سلام امتدت لخمس سنوات.

ويعد انقضاء الهدنة قام ألفونسو الثامن (1155– 1214 م) بالهجوم على مناطق المسلمين في الأندلس، الأمر الذي قاد الخليفة الموحدي للعبور نحو الأندلس مرة أخرى سنة 1195 م / 591 هـ، بعد أن حشد جيشا ضخما .

خطة ذكية وأخرى مواجهة لها:

وعقب اندلاع المعركة بين الطرفين خلال السنة المذكورة؛ اعتمد القشتاليون على خطة ذكية، حيث اختاروا موقعاً مميزاً فوق ربوة شرعوا الهجوم انطلاقاً منه باتجاه قلب الجيش الموحدي، لكن المسلمين قاموا بصدهم غير مرة.

ولما ظن القشتاليون أنهم حسموا المعركة لصالحهم؛ قاموا بمواصلة تقدمهم، وأثناء ذلك التف قسم من جيش المسلمين على مقدمة نظيره المسيحي وفصلها عن بقية الجيش، وفي هذه اللحظة نزل السلطان الموحدي يعقوب المنصور بجيشه إلى أرض المعركة وقامها بحسمها لصالح المسلمين، وذلك بعد أن فر ألفونسو نحو حصن الأرك.

مطاردة وحصار:

وبعد فرار ألفونسو؛ قام المسلمون بمطاردته ومحاصرة الحصن ظنا منهم أن الملك المسيحي بداخله، غير أن هذا الأخير كان قد فر من باب خلفي نحو مدينة طليطلة.

ولم يقف المسلمون عند هذا الحد؛ إنما قاموا بمحاصر مدينة طليطلة، حتى خرجت والدة ألفونسو وزوجته وبناته وحريمه يستنجدن السلطان الموحدي بأن يترك المدينة وشأنها ويرحل، وهو ما فعله بعد أن أمَّن المسلمين على مناطقهم في الأندلس وكسر شوكة المسيحيين.

معركة العقاب .. بداية النكسة:

بعد هزيمة ألفونسو الثامن في معركة الأرك؛ قام بحلق لحيته وشعره واقسم على اعتزال النساء حتى تحقيق ثأره من المسلمين، فانتهز فرصة الهدنة التي وقعت بين الطرفين عقب معركة الأرك لتحصين القلاع الواقعة على الحدود مع مناطق المسلمين في الأندلس، كما قام بإزالة الخلافات مع خصومه المسيحيين الذين دعموه في مواجهة الموحدين.

صور قوات ألفونسو
قوات ألفونسو عاثت فساداً في أراضي جيان

ولما توفرت لألفونسو القوة اللازمة؛ قام بالإغارة على بلاد المسلمين في الأندلس، وعاث فساداً في أراضي جيان وبياسة وفي أجزاء من مرسية.

الرد من قبل الناصر:

وإزاء هذه التصرفات؛ وجد الخليفة الموحدي محمد بن يعقوب الملقب بالناصر ( توفي 1213 م) نفسه مجبراً في العبور نحو الأندلس بغية التصدي لملك قشتالة من جهة، وحماية المسلمين من بطشه وفساده من جهة ثانية.

وفي سنة 1211 م / 607 هـ ؛ وصل الخليفة الموحدي إلى إشبيلية وقام بإعداد جيشه وتنظيم قواته، ثم تحرك بعدها صوب قشتالة، حيث استولى على قلعة شلطبرة بعد حصار دام ثمانية أشهر، غير أنه عاد بجيشه إلى إشبيلية بعد حلول فصل الشتاء.

الحرب الصليبية و الأندلس :-

بعد سيطرة المسلمين على قلعة شلطبرة؛ ارسل ألفونسو الثامن إلى البابا في روما يناشده إعلان الحرب الصليبية واستنفار أوروبا لدعمه في حربه ضد الموحدين، وحث أهلها وجيوشها على السير إلى إسبانيا لقتال المسلمين.

ناقلة عربية

وعقب هذا؛ توافدت على طليطلة جموع النصارى بعد أن أطلق ألفونسو الثامن صيحته المشهورة ” كلنا صليبيون “، وبعد توقيع البابا عقوبة الحرمان الكنسي على كلِ ملك أو أمير يتأخر عن مساعدة ملك قشتالة.

وفي 17 من محرم عام 609 هـ / 1212 م ؛ تحركت جيوش المسيحيين تحت قيادة ألفونسو الثامن واخترقت حدود الأندلس، وضربت حصاراً حول قلعة رباح التي استسلم حماتها وسلموا الحصن لألفونسو بعد استبسال ومقاومة كبيرة لم تجدِ نفعا وذلك بسبب صغر حاميتها التي كانت تبلغ نحو سبعين فارس.

استمرار التقدم المسيحي:

وبعد هذه الحادثة، استمرت جيوش المسيحيين في التقدم، حيث سيطرت على عدة حصون أخرى من أهمها حصن الأرك، ولما بلغ هذا النبأ مسامع الخليفة الموحدي الناصر؛ استنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت إليه جيوش غفيرة من القبائل المغربية والمتطوعة وجُند الأندلس والموحدين، فقام بتشكيل جيش جرار بلغ تعداده حوالي 300 ألف مقاتل، بحسب ما تذكر المصادر التاريخية.

ولما استعد الطرفان للحرب؛ التقيا في أحد الوديان بين جبال سير مورينا وهضبة لينارس بالقرب من بلدة تولوسا وذلك يوم 15 صفر  609  الموافق لـ 17 يوليو 1212 م ، حيث نشبت المعركة.

حقق المسيحيون نصراً أوليا في المعركة بعد إبادتهم للجند المتطوعة والوصول لقلب الجيش الموحدي، غير أن هذا الأخير تمكن من صد الهجوم وبدأت بوادر النصر تلوح للمسلمين.

وبعد أن رأى ملك قشتالة ذلك؛ اندفع بقواته وقوات مملكة ليون والبرتغال التي كانت تمثل قبل الجيش المسيحي، وانبرى هو وملك أرغون وأطبقا على الجيش الموحدي من كل الجوانب، فاضطربت صفوف الجيش، ولاذ الجند بالفرار، الأمر الذي أدى إلى ارباك أوضاع الجيش والاستسلام للهزيمة القاسية.

الخلاصة:

شكلت هزيمة العقاب بداية تراجع الدولة الموحدية وتردي أوضاع الأندلس، حيث استرجع المسيحيون بعدها مجموعة من المناطق وتقوت حروب الاسترداد المسيحية في أواخر عهد الدولة الموحدية.

 ورغم جهود الدولة المرينية التي حكمت المغرب وأجزاء من الأندلس ( 1244– 1465 م)؛ في الدفاع عن الأندلس واسترداد المناطق التي سيطر عليها المسيحيون؛ إلا أن جهودها ذهبت أدراج الرياح وباءت بالفشل، لتسقط الأندلس كليا في يد المسيحيين، وليسدل بعدها الستار على قصة العرب والمسلمين فيها.

اقرأ ايضاً نساء الاندلس احتلت مكانة بارزة خلال عصر الطوائف

صورة للاندلس
قصر الحمراء في الأندلس ما زال شاهداً على رقي الحضارة العربية الإسلامية

المصادر:.

https://sotor.com/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3/

https://www.islamstory.com/ar/artical/20301/%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%89-%D8%A8%D9%86-%D9%86%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D8%AA%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3

https://archive.islamonline.net/?p=8934

http://www.andalusite.ma/?p=643https://www.hindawi.org/books/30703918/6/

https://pixabay.com/photos/medieval-soldiers-spears-armour-1125807/

https://pixabay.com/illustrations/merchant-pull-dealer-middle-ages-1398066/

https://pixabay.com/illustrations/medieval-knight-armor-helmet-1753740/

Image by Vlad Man from Pixabay 
Image by shrutimkrishnan from Pixabay 

https://pixabay.com/photos/sahara-morocco-tourism-traditional-1815085/

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى