معلومات تاريخية

ما طبيعة التعاملات المالية في جزيرة العرب قبل الإسلام ؟

كان أهل مكة يتعاطون بالصيرفة والربا وتبديل العملات

تمهيد:-

قبل أن نفصّل في طبيعة التعاملات المالية والنقود المتداولة في جزيرة العرب قبل الإسلام؛ لا بدّ لنا أن نتعرف على ماهية مفهوم الأموال لدى عرب شبه الجزيرة العربية في تلك الحقبة.

فقد كانت الإبل أكثر الأشياء التي يقال عنها مالاً عند العرب، لأنها كانت ملكيتهم الرئيسية ولكنها بالتأكيد ليست الوحيدة، بل يمكننا إضافة باقي الماشية والأنعام والدنانير والذهب والفضة والدراهم المضروبة والعقارات ومختلف الجواهر والبضائع والأخشاب وما يصنع منها ، كما كان يتم إدخال الرقيق ضمن أصناف المال في تلك الفترة.

الجمل كان في عداد التقييم المادي لدى العرب - التعاملات المالية في جزيرة العرب
الجمل كان في عداد التقييم المادي لدى العرب

اعتبر الذهب والفضة المقياس الأساسي لثراء الشخص في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ، ليس قبل أن تضرب النقود وحسب؛ بل بعد ضربها كذلك ، فالدنانير والدراهم كانت نادرة، وكان الناس يفضّلون التعامل بالذهب والفضة في ابتياع حاجياتهم وفي تعيين الأسعار والمهور.

أعمال الصرف في الجزيرة العربية:-

كانت أعمال الصرافة منتشرة في أرجاء الجزيرة العربية، حيث كانت تتم عمليات بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب أو أحد هذين المعدنين بالآخر، وكانت المعاملات بالفضة أكثر رواجاً لأنها متوافرة مع الناس أكثر من الذهب ، وهذا ما جعل كلمة الصرف ومعناها الفضة تصبح مرادفة للنقود، وقد اعتبر الفلس (جمعه الفلوس) والذي كان يصنع من معدن النحاس العملة الأصغر في تلك الأيام.

 كانت الصيرفة تجارة معروفة ويعمل بها الكثيرون، حيث يقوم الصيارفة (الذين اتصف معظمهم بالخداع والغش والاحتيال) بشراء الدراهم بالدنانير والعكس صحيح ، وذلك لأن أوزان الدراهم وجودة الفضة المصنوعة منها كانت مختلفة.

أما أهل مكة؛ فقد اشتهروا قبل الإسلام بالتجارة مع بلاد الشام والعراق واليمن والحبشة ، كما كانوا يتعاطون بالصيرفة والربا وتبديل العملات ، وهذا ما جعل البعض منهم يبرع في التمييز بين أنواع الدراهم والتعرف على الزائف منها.

كما أن يهود الجزيرة العربية كانوا من الصيارفة الذين يتعاطون بالربا وتبديل النقود وبيع الفضة والذهب ، ما جعل الأعراب يتعاملون معهم ويحفظون ودائعهم عندهم ، لكن البعض من هؤلاء الصيارفة اليهود كانوا يأكلون الأمانات ولا يقومون بردّها إلا بالقوة وتحت التهديد.

كيفية استثمار الأموال في الجزيرة العربية:

كان أهل مكة أكثر سكان الجزيرة العربية قبل الإسلام براعة في استثمار الأموال والنقود ، فقد كانوا يستثمرون رؤوس أموالهم في التجارة وفيما يمكن تسميته بالأعمال المصرفية كالربا أو المضاربة ، كما أنهم وظَّفوا أموالهم في المشاريع الصناعية أو الزراعية ، بحيث يتفقون على ربح ثابت أو نسبة من الأرباح دون تحمل أي خسائر.

وبالإضافة الى ذلك؛ فقد كان تجار مكة يتشاركون في القوافل التجارية، التي باتت مع الوقت كالشركة العامة التي يُساهم فيها من يريد من أصحاب رؤوس الأموال بالنسبة التي يرغب فيها أو تبعاً لقدراته المالية.

تجارة مزدهرة كانت لأهل الحجاز ونجد مع اليمن نظراً لتميز الأخيرة بوفرة إنتاجها

لم تقتصر التجارة واستثمار الأموال واستقراضها على أهل مكة فيما بينهم فحسب، بل امتدت إلى التعامل مع أهل اليمن، أو بعض الرجال في الحيرة الواقعة جنوبي وسط العراق، أو مع أهل الطائف وغيرها من المناطق.

الربا:

كانت المراباة إحدى أكثر وسائل استثمار الأموال والنقود شيوعاً في الجزيرة العربية قبل الإسلام ، فكان الدائن يؤخر دينه للمدين على أن يزيد عليه ، واتصف المرابون عموماً بالاستغلال وتقاضي الربا الفاحش ، فلم يكونوا يمهلوا أي شخص يتعثر في وفاء دينه إلا بعد أن يزيدوا في مقدار الربا بنسبة كبيرة.

على الرغم من أن اليهود كانوا أشهر المرابين في الحجاز؛ غير أنهم لم يكونوا الوحيدين في الجزيرة العربية، فقد اشتهرت الطائف ومكة ونجران وبعض مواطن المال الأخرى بالمراباة ، حتى جاء الإسلام وقام بتحريم الربا لأنه اعتبرها أحد أوجه الاستغلال وطريقة للحصول على منافع مادية كبيرة دون بذل أي جهد.

لم يقتصر الربا على الدنانير والدراهم أو الذهب والفضة، بل إنّ الربا في الطعام سبق ذلك النوع من الربا، وبالخصوص لدى سكان البادية أو أهل العمود الذين لا يملكون النقود او الذهب ، فكان اعتمادهم على المقايضة كبديل للنقود.

القراض (المضاربة):

وهو نوع شائع من أنواع استثمار الأموال في تلك الفترة ، وذلك بأن يقدم صاحب المال أموالاً لشخص آخر ليعمل به بالتجارة ، ويتم الاتفاق على تقاسم الأرباح وفق نسب معينة ، علماً أن معظم من كان يقدم الأموال قبل الإسلام وفق هذا الاستثمار كان يشترط أن يكون التقاسم على الربح دون تحمل الخسارة ، أي أن من تحصَّل على المال مجبر على إعادته كاملاً حتى في حال خسرت تجارته.

التسليف:

وهو أحد وسائل استثمار الأموال في الجزيرة العربية قبل الإسلام ، ويقصد به تسليف المزارع أو صاحب الماشية والإبل أموال في مقابل أن يقوم بردها لاحقاً حسب الاتفاق، وقد يكون المقابل محاصيل زراعية أو ماشية أو إبل أو أي شيء آخر ، وقد يكون هذا التسليف بمنفعة أو من غير منفعة وذلك حسب الاتفاق.

طبيعة الزراعة التي كانت متواجدة في يثرب – جواد علي

الإفلاس:

ويحصل إذا تبددت كل أموال التاجر سواء بسبب خسائر فادحة أو لتعرضها للسرقة والنهب، وهذا ما يفقده القدرة على رد ما بذمته الى الدائنين وأصحاب رأس المال.

وبعد إشهار التاجر إفلاسه؛ يتوجب عليه إرضاء الدائنين ووفاء ديونهم حسب ما يُتفق عليه ، وفي حال إفلاس شراكة ما؛ فيكون كل شريك مسؤول بحسب حصته من الشركة.

النقود المتداولة في الجزيرة العربية قبل الإسلام:

لم يكن للعرب في الجزيرة العربية قبل الإسلام نقد خاصٌ بهم ، فاعتمدوا على النقود العربية الجنوبية في معاملاتهم سواء تلك التي سُكّت من الذهب أو من الفضة أو من النحاس وغيرهم من المعادن ، كما أنهم تعاملوا بالنقود الرومانية واليونانية والمصرية والفارسية والحبشية.

عملة ساسانية تعود للقرن الثالث قبل الميلاد – الميتروبوليتان

 كان أهل اليمن أكثر من تعامل بالنقود الساسانية والحبشية ، وخصوصاً في الفترات التي احتلت فيها اليمن من الحبشة والساسانيين.

أظهرت الكتب التي وصلت الينا أن “أسعد بن كرب” من تُبَّع كان أول من ضرب الدنانير، بينما كان نمرود بن كنعان أول من ضرب الفلوس التي تعاملت بها الناس، وقد أظهرت الأبحاث كذلك أن أقدم النقود القتبانية والسبئية تعود الى ما يقارب 400 عام قبل الميلاد.

عملة إغريقية - التعاملات المالية في جزيرة العرب
عملة إغريقية تعود للقرن الثالث قبل الميلاد – الميتروبوليتان

كما أن الباحث في أخبار الجزيرة العربية سيجد أن أهل الحجاز قد تعاملوا بعدة أنواع من النقود ، كالساسانية واليونانية والرومانية، وتعاملوا بالدراهم (كالدراهم الفارسية البغلية) والدنانير (كدنانير هرقل التي جيء بها من بلاد الشام).

ولأنهم كانوا يتاجرون مع أهل اليمن والحبشة وبلاد الشام والعراق؛ كانت التعاملات المالية لأهل جزيرة العرب بالنقود الحبشية وسواها السائدة في جميع البلدان والأقاليم القريبة.

ذكر البلاذري في كتابه “فتوح البلدان” أن العرب كانوا يعتمدون في تبايعهم على الدنانير التي يعتبرونها تبراً أو عيناً ، بينما أطلقوا على الدراهم -المصنوعة من الفضة- اسم الورق.

دور اليهود في المال والتجارة:-

كان اليهود في الجزيرة العربية عموماً، وفي الحجاز خصوصاً قد بلغوا مبلغاً عظيماً في التجارة وجمع الثروات، متفوقين بذلك على أقرانهم العرب.

فقد عمل اليهود بتجارة البلح والشعير والقمح كما مارسوا تربية المواشي والاشتغال بالصيد، فيما كانت نساؤهم تشتغل بنسج الأقمشة.

وكانت التجارة من أهم معالم حياة يهود الحجاز، حتى صار لبعضهم شهرة ذاعت في الآفاق، من قبيل أبي رافع الخيبري الذي كان يرسل بضاعته بواسطة القوافل إلى الشام، ليستورد من الأخيرة مختلف صنوف الأقمشة.

ونظراً لما كان لدى اليهود من مال وثروة؛ فقد كان كثير من العرب والأعراب يرهنون عندهم بعض الأمتعة ليستدينوا منهم مقابلها ما يحتاجون إليه.

القرآن الكريم وضع حداً للتعامل بالربا حيث اعتبرها من الكبائر.. سورة الفاتحة من مصحف تم خطه وتزويقه في كشمير بنهاية القرن الثامن عشر الميلادي ويتواجد حالياً بمتحف الميتروبوليتان في نيويورك

وقد كان أخذ الربا شائعاً بين أوساط اليهود، حتى أن القرآن الكريم وجه لهم خطاباً فيه أعنف تأنيب، لقوله تعالى ” فبظلم من الذين هادوا؛ حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، واعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً”.

بيد أن التعامل بالربا آنذاك، لم يكن حِكراً على اليهود، حيث شمل العرب أيضا ولو ضمن نطاق أقل، حيث أعتبروه نوعاً من أنواع البيع، حيث كان للمتعامل بالربا في مدينة الطائف؛ شهرة فائقة عند جميع مدن الحجاز، كما كان التعامل بالربا سائداً بين نصارى نجران.

وقد عُرِفَ اليهود في بلاد العرب؛ بمزاولة صناعة الصياغة التي اشتهر بها بنو قينقاع، إذ لم يكن لديهم صناعة سواها، أما شهرتهم بالزارعة، فقد تركَّزت في خيبر ووادي القرى وتيماء والتي اشتملت على أرياف كثيرة.

وبذلك نكون قد عرضنا لحضراتكم التعاملات المالية والنقود المتداولة في جزيرة العرب قبل الإسلام، آملين أن نكون قد وفقنا في عرض المعلومات المفيدة التي تهمكم.

التعاملات المالية في جزيرة العرب
طبيعة العقلية العربية السائدة آنذاك

المصادر :-

 الجزء السابع من كتاب المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي.

تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، المؤلف: الدكتور إسرائيل ولفنسون، مطبعة الاعتماد، القاهرة – مصر 1927م.

www.hadethmisr.com

https://images.metmuseum.org/CRDImages/is/original/DP235922.jpg

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP109171.jpg

عمر

عمر هاشم، سوري الجنسية، خريج جامعة دمشق، كلية الحقوق، عام 2001، ويهوى العمل الصحافي ويمارسه منذ سنوات وذلك عبر العديد من المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى