آثار

الأقصر .. أعظم متاحف العالم القديم

يعتبر الكرنك كتاب مصر المفتوح الذي يتضمن بصمة كل من الفراعنة الذين تعاقبوا على حكم البلاد

تمهيد:-

 لا بد من أنك رأيت أو حتى سمعت عن مدينة الأقصر ، هذا المتحف الضخم الواقع في طيبة مصر والمنفتح بكل ما فيه من جمال وعبق تاريخي على العالم دون أي جدران أو حدود، فهي عاصمة الفراعنة عندما كانوا في قمة مجدهم خلال القرن السادس عشر قبل الميلاد.

تقع هذه المدينة التاريخية الجنوبية العظيمة بين الضفتين الشرقية الغربية لنهر النيل اللتان ينتقل السكان المحليون والسياح بينهما عبر العبَّارات أو القوارب المحلية التقليدية.

تتفرد مدينة الأقصر عن كل المدن التاريخية في العالم كونها أقدمها وأكثرها عظَمة لأنها وعلى عكس الكثير من المدن؛ تمكنت من الحفاظ على آثارها بشكل ممتاز لآلاف السنين، هي ليست فقط آثار قديمة، بل إنما أيضاً تعد من أعظم المعالم والآثار على وجه المعمورة التي لا يمكن لأحد أن يشيح وجهه عن جمالها.

تتوزع هذه المواقع الأثرية بين ضفتي النيل، حيث تجد على الضفة الشرقية كل من معبدي الأقصر والكرنك، بينما تجد مقبرة النبلاء الفرعونية، وادي الملوك المهيب وبالطبع وادي الملكات، على جانبه الغربي.

المعبدان الأكبر في الأقصر هما “الأقصر والكرنك” ينفتحان بطريقى مباشرة إلى شارع أبي الهول، الذي جرى ترميمه خلال السنوات القليلة الماضية.

الأقصر تشكل تحفة معمارية متكاملة
المدينة تشكل تحفة معمارية متكاملة

معبد الأقصر:-

يقع معبد الأقصر في قلب طيبة الأقصر وتحديداً على الضفة الشرقية لنهر النيل العظيم، فقد تم بناء هذا المعبد بأمر من الفرعون أمنحوتب الثالث الذي حكم في (1352 إلى 1390) قبل ميلاد المسيح، وتبعاً لأوامره؛ فقد تم تزيين الجدران الداخلية عبر نقشها ووضع أفضل المنحوتات المصرية، وفي الحقيقة بقيت كل هذه المنحوتات مدفونة مع جزء كبير من المعبد حتى سنة 1885 م.

كان المعبد ولفترة طويلة من حياته القديمة محاطاً بمدينة واسعة مكونة من منازل من الطوب واللِبن ينتشر بينها العديد من المحال التجارية والورشات العاملة في البناء والتي تلاشت،غير أن بقايا أنقاضها تقع تحت المدينة الحديثة.

في سنة 1885 م؛ تم البدء بأعمال التنقيب التي أعادت بقايا القرية وحطامها إلى الحياة من جديد، وتتبعت الحملة التنقيبية التفاصيل القديمة للمدينة حتى ظهر المعبد الذي نعرفه اليوم.

أمام بوابة المعبد بالتحديد؛ تتربع بداية شارع أبو الهول الذي يواصل طريقه ممتداً إلى معبد الكرنك الضخم – وهو يقع على بعد 23 كم منه شمالاً-، يتميز هذا المعبد بكونه مكشوفاً مفتوحاً أمام الزوار حتى وإن كان مغلق في وجه الزوار، فهو مفتوح يمكن التأمل فيه فقط وذلك عبر القيام بجولة صغيرة في أسفل كورنيش النيل، كما يمكنك رؤيته خلال جولات وسط مدينة الأقصر

في عام 1885 م تم بدء أعمال التنقيب في الأقصر
في عام 1885 م تم بدء أعمال التنقيب في الموقع

معبد الكرنك:-

يتربع معبد الكرنك على الضفة الشرقية لنهر النيل، ويعتبر مجمعا ساحرا واستثنائيا يتضمن مجموعة من المعابد الصغيرة “المزارات” بالإضافة إلى أعمدة والمسلات التي تكون ثالوث طيبة الأقصر وتمجد الفرعون الأعظم.

يمتد مجمع الكرنك هذا على مساحة 2 كيلو متر مربع ويمكن أن نتخيل مساحته على أنها تتسع لعشرة كاتدرائيات معاً في مكان جغرافي واحد. ويعود تاريخ بنائه إلى أكثر من 4000 عام من اليوم أي إلى تلك السنوات التي كان الرومان يسيطرون فيها على بلاد النيل.

ويمكن أن نعتبر الكرنك كتاب مصر المفتوح الذي يتضمن بصمة كل من الفراعنة والحكام الذين تعاقبوا في حكم بلاد النيل وكان الكرنك بما به من معابد وخاصة تضمنه لمعبد الآلهة آمون راع “الآلهة الحامي” والذي يحاط بمجموعة من المعابد المخصصة لزوجته “موت” ولابنهما “خونسو”.

ولكن العوامل الكيميائية للمنطقة والتي ارتبطت بزيادة الري في المناطق الزراعية والذي تسبب في الإرتفاع الكبير لمنسوب المياه الجوفية خلال القرون القليلة الماضية أدى إلى نشوء مشاكل تتعلق بالحفاظ على حجارة وأساسات هذه المعابد والآثار الموجودة منذ تاريخ مصر ونشأتها الأولى، وأدت إلى تآكلها وتسريع تتلفها، هذه الحجارة التي بقيت صامدة لمئات القرون أدت العوامل الكيميائية الحديثة إلى تحطيمها شيء فشيء.

صمود الأقصر على مدار الأزمان
صمود على مدار الأزمان

في الواقع هذا النوع من الخسارة في الآثار المصرية يجلب فقدان رهيباً للسجل التاريخي المصري والعالمي بأكمله لان العديد من الاسطح الحجرية تتضمن عليها نقوشاً باللغة الهيروغليفية التي تختص بها اضرحة الفراعنة وآثارهم معرضة للتهديد والزوال بفعل التغير في خاصيات الموقع وتوازنه، بالإضافة إلى أن هكذا خسارة ستقوم بعرقلة فهم الباحثين لهذه الحضارة الغنية وفك الكثير من الكتابات التي ما زالت مجهولة المعنى.

مقابر النبلاء “الملوك”:

تعتبر هذه المقابر واحدة من أشهر وأكثر مراكز جذب السياح حول العالم، فهي تقع على الضفة الغربية لنهر النيل العظيم. وتحديداً بين معبد الرامسيوم الجنائزي ومعبد حتشبسوت.

نجد اهتمام النبلاء الفراعنة بالحياة بعد الموت والعالم الآخر، ولتحسين حياتهم الأخرى؛ قاموا بتزيين مقابرهم بمجموعة من الممرات المشفرة بإرشادات تساعدهم على تلبية احتياجات حياتهم الأخرى، حيث أضافوا تشكيلات من الزخارف والرسومات المذهلة داخل المعابد والمقابر تحكي بأدق التفاصيل عن حياتهم اليومية السابقة.

وعلى الرغم من الوصول إلى العديد من الاكتشافات الجديدة خلال السنوات القليلة الماضية على سفح التل هذه؛ إلا أن هذه المعابد بقيت حتى يومنا هذا قيد الدراسة والبحث، فتجدها مقسمة إلى العديد من المجموعات المفتوحة للجمهور والمغلقة للأبحاث.

من المواقع المفتوحة للجمهور؛ نجد مقابر أورشيت، نفرونبت، دتموسي، نفر سخرو ومقابر مينا بالإضافة إلى العديد غيرها.

معبد حتشبسوت – دير البحر:-

لا يوجد أي معبد في العالم يفوق جمال وروعة معبد حتشبسوت، حيث ينتصب الهيكل الفريد الذي يقوم
عليه بشكل متدرج المستويات بمواجهة التدرجات النهرية القريبة منه فهو يقع على كتف نهر النيل مباشرة
ليطل بمشهد خيالي لا يتكرر.

هذا الموقع تم اعتماده كدير للرهبنة خلال السنوات الأولى من الألفية، ولكنه احتاج إلى إلى العناية
والترميم وذلك بعد أن لحق به ضرر بالغ.

في تاريخ مصر الفرعونية؛ كانت حتشبسوت هي أول فرعون أنثى تحكم البلاد، حيث خلفت والدها بعد
وفاته لتصل إلى سلطة مصر خلال عصرها الحديث.

لم يكن كون حتشبسوت أنثى هو السبب الرئيسي في شهرتها التي وصلتنا إلى اليوم، بل كان الفضل في ذلك
إلى فترة حكمها الناجحة التي كانت مليئة بالسلام والازدهار مع التوسع في التجارة المربحة، وهو ما خلد
ذكراها ضمن منحوتات معبدها، ويظهر بشكل جلي تأثيرها حتى ضمن المعابد التي توجد في مجموعة
معابد الكرنك.

في الواقع؛ غيب النسيان اسم حتشبسوت من التاريخ المصري الفرعوني حتى القرن التاسع عشر بعد
الميلاد المسيح، وذلك بسبب تهالك الآثار التي تدل عليها، خصوصاً مع بناء معبد تحتمس الثالث فوقها
ضمن منطقة الدير البحري.

 ولكن ومع قدوم البعثات التنقيبية إلى مصر مع بداية القرن التاسع عشر؛ عادت حتشبسوت لتشتهر من
جديد وذلك مع ظهور التماثيل والآثار التي نسيها الزمن.

في البداية؛ لم يكن هناك أحد يفهم الكتابة الهيروغليفية إلى أن عثر زاهي الحواس عالم الآثار المصرية على
مومياء مدفونة في قبر ضمن وادي الملوك الذي يجاور متحف القاهرة وأثبت هويتها. فكانت المومياء تظهر
أنها لامرأة ماتت في الخمسينات من عمرها وكانت من الفراعنة الحاكمين.

فترة حكم ناجحة ومسالمة تحت إدارة حتشبسوت في الأقصر
فترة حكم ناجحة ومسالمة تحت إدارة حتشبسوت

وادي الملوك:-

وادي الملوك الذي يتجه إليه السياح من كل صوب يقع على الضفة الغربية لنهر النيل ولا يبعد كثيراً عن
الأقصر، يعتبر اليوم أكثر المواقع التي يجري فيها التنقيب عن الآثار، لأن المقابر الفرعونية تمثل جزءاً مهماً
من معتقدات المصريين عن الحياة الأخرة وتتضمن العديد من استعداداتهم لها. كل ذلك كان نابعاً من
اعتقاد إيماني بأنهم قد أخذوا عهداً من الالهة على متابعة حياتهم بعد الموت.

ومن أشهر هذه الممارسات السائدة في العهد الفرعوني القديم؛ هو التحنيط الذي يهدف إلى الحفاظ على
جسد المتوفى ليتم تسهيل مهمته حينما يستيقظ لمتابعة الحياة الأبدية، وترفق مع المتوفى كل الممتلكات
القيمة التي قد يحتاجها في حياته الأخرى. حتى أنهم كانوا يوفرون له مختلف أنواع الطعام والشراب، بل
وقد تجاوز بعض الفراعنة ذلك إذ أمروا بدفن بعض من أصحابهم برفقتهم في نفس موضع الدفن.

ضمن هذه المنطقة الضخمة؛ كان يوجد العديد من الهياكل الرائعة والمعابد أبرزها آثار رمسيس الثاني
وتوت عنخ آمون، كما تجد فيها أضرحة للملكات. والكهنة بالإضافة إلى نخب شهيرة كان لها قيمتها في تلك القرون.

يعتبر وادي الملوك المدفن الرسمي الرئيسي الذي دفنت فيه أجساد معظم الفراعنة خلال عهد المملكة
الحديثة لها، وحتى هذه اللحظة ما زال التنقيب فيه مستمراً ومازالت كنوز وادي الملوك تدهش العلماء
والزوار والمرتادين. وينبغي أن نذكر أنه في الفترات التي تكون فيها الحرارة عالية لا تحتمل؛ تتدفق أفواج
السياح لتمتع ناظريها بجمال الحضارة الفرعونية ورؤية المدافن محتملة الطقس المزعج.

يوجد العديد من الهياكل الرائعة والمعابد أبرزها آثار رمسيس الثاني وتوت عنخ آمون

وادي الملكات:-

ستجد وادي الملكات في مدينة الأقصر على الضفة الغربية من نهر النيل، وكان الهدف من انشاء الوادي
هذا بغرض الحفاظ على ما فيه بعيداً عن أيدي اللصوص وعمليات النهب، فتجد المقبرة بأكملها مزينة
بزخارف تمتد تحت الأرض.

مصر القديمة تركت إرثاً حضارياً كبيراً مثل الأقصر
مصر القديمة تركت إرثاً حضارياً كبيراً

هذه المقابر لم تخصص فقط للملكات، بل تم فيها دفن الأميرات، الأمراء وشريحة واسعة من أبناء العائلة المالكة.

أشهر هذه المقابر هي التي تم دفن فيها أبناء الملك رمسيس الثالث، وهي معبد نفرتاري وهيكل هابو، يتميز
الأخير بروعة جدرانه وزينتها فهو صرح مهيب مازالت معظم جدرانه بحالة ممتازة وملونة بالطلاء الأصلي
الذي لونت به لأول مرة المنحوتات والرسوم.

بينما يقال إن مقبرة نفرتاري تعتبر أشهر وأجمل مناطق السياحة في مصر وإفريقيا، ففيه ترى مشاهد تصور
نفرتاري وهي تسير تبعاً لإرشادات الآلهة.

وبعد مسافة كيلومتر من وادي الملكات؛ يوجد آثار لمدينة العمال والتي تعتبر واحدة من أقدم المدن التي
عاش فيها كل من العمال و النحاتين الذين قاموا بصنع وبناء المقابر وأيضاً دفن هؤلاء العمال في هذه
المدينة. وستجد أن بعض قبورهم هي أعمال فنية مذهلة تستحق رؤيتها.

وصف مدينة الأقصر:-

تحَّدث الجغرافي والأديب ياقوت الحموي (القرن الثالث عشر الميلادي) عن مدينة الأقصر ، قائلاً : “الاقصُرُ،
كأنه جمع قَصر، جمع قلَّة: اسم مدينة على شاطئ شرقي النيل بالصعيد الأعلى فوق قوص، وهي أزلية
قديمة ذات قصور، ولذلك سميت الأقصُر، ويضاف إليها كورة”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

المصادر:-

/www.ierek.com

معجم البلدان، ياقوت الحموي.

Image by DEZALB from Pixabay 

Image by Astrid Schmid from Pixabay

Image by Nina Evensen from Pixabay

Image by Loretta Rossiter from Pixabay

الوسوم

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق