أعلام

الأعلم الشنتمري .. الإمام النَحوي والأديب الأندلسي

شرح ديوان الشعراء الستة، وهو من أحسن المجموعات الشِّعرية التي ظهرت في الأندلس

بِشُروحاته الوضّاءة أزاح الغبار عن كل مُبهَم، ومهّد السبيل لكل مُتعلِّم، وبِعلمه الفيّاض كان للشاردين نِعم المُلهِم، فأبقى عليه التاريخ ليكون عَلَمًا من أعلامه، إنه الأعلم الشنتمري الإمام النحوي والأديب والمُعلِّم.

من هو الأعلم الشنتمري؟

الأعلم الشنتمري هو أبو الحجاج هو يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري الأندلسي (410 – 476 هـ = 1019 – 1084 م)، وُلد بشنْتَمَرية الغرب، وهي مدينة تقع في غرب الأندلس على البحر بين شِلْب وإشبيلية في المنطقة الجنوبية من البرتغال، لُقب بالأعلم لأنه كان مشقوق الشفة العليا.

الأعلم الشنتمري – مكانته العلمية:-

 رحل الأعلم الشنتمري من شنتمرية إلى قُرطبة سنة 433ھ، وأقام فيها مدة لِينهل من فيوض علم أكابر علمائها، ثم ذهب إلى إشبيليّة، وفيها ألّف الكثير من كتبه، ومنها كتاب النكت، وأقام في كَنَف المعتضد باللّه أبي عمرو عبّاد بن محمد اللخمي، وكان مؤدِّب المعتمد ولد المعتضد.

كان الأعلم عالمًا متوقد الذهن، واسع الحفظ، عَلَمًا من أعلام النُّحاة في عصره من رجال الصّلة، والمسّهب، والسّمط، وموسوعة متحركة للأشعار ومعانيها، كما كان شاعرًا مُجودًا، وخطيبًا بليغًا، نقل عن شيوخه الأعلام أمهات الكتب في علم النحو واللغة والأدب؛ لذا كانت تُشدّ إليه الرحال في طلب العلم، فقد بلغ بعلمه حدّ الإتقان والتّمكن.

شيوخ الأعلم الشنتمري: –

تتلمذ الأعلم الشنتمري على يد مجموعة من الشيوخ وعلماء النحو والأدب من بين أبرزهم:

● أبو بكر مسلم بن أحمد الأديب، من أهل قرطبة، كان رجلاً جيد الدِّين، حَسَن العقل، واسع الخُلُق، مع نبله وبراعته وتقدُّمه في علم العربية واللغة، راوية للشِّعر وكُتُب الأدب (توفي سنة 433 هـ).
● أبو سهل يونس بن أحمد الحرّاني: نابغة اللسان العربي، وموسوعة الشعر الجاهلي، وهو من أهل قرطبة، حافظاً للغة (توفي سنة 442 هـ)
● ابن الأفليلي: أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا أحد أعلام اللغة والأدب بقرطبة، يُنسَب إلى إفليل وهي قرية بالشَّام، أصله منها، وزير أندلسي، صاحب كتاب “شرح معاني المتنبي” وقد استحسنه ابن حزم.
● ابن أفلج: الأديب أبو بكر مسلم بن أحمد بن أفلج النحوي القرطبي.
● ابن سراج: أبو مروان عبد الله بن سراج.

تلامذته:-

اشتغل الأعلم الشنتمري بالتدريس دهرًا طويلًا، وتتلمذ على يديه العديد من النوابغ ومنهم:

● أبو علي الحسين بن محمد الغسّاني الجياني القرطبي الأندلسي، مُحدِّث، كان يتصدَّر للتدريس في جامعة قرطبة (توفي سنة 498 هـ).
● أبو بكر محمد بن سليمان الكَلاعيّ(ابن القصيرة) كاتب الدولة التمونية.
● محمد بن أبي العافية النحوي الإشبيلي.
● أبو عامر محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلمة.
● علي بن عبد الرحمن التنوخي (ابن الأخضر).
● أبو محمد عبد المجيد بن عبدون.
● عبد المجيد بن عبد الله بن عبد ربه الفهري.
● سليمان بن محمد بن عبد الله المالقيّ(ابن الطراوة).

مُؤلّفات الأعلم الشنتمري :-

● شرح ديوان الشعراء الستة، وهو من أحسن المجموعات الشِّعرية التي ظهرت في الأندلس وفيه شرح دواوين الشعراء : امرئ القيس، وابن حجر، والنابغة الذبياني، وعلقمة بن عبده الفحل، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شداد، ويشتمل هذا المجموع على نوعين من الأشعار لكلِّ شاعر من هؤلاء الشعراء الكبار، حيث كان يبدأ في كل ديوان برواية الأصمعي، حتى إذا استواها نصَّ على انتهائها، ثمَّ ذَكَرَ قصائد صحَّت روايتها عند غير الأصمعي من البصريين، أو عند رواة الكوفة من قبيل المفضَّل الضَّبِّي والمفضَّل بن سَلَمَة والشِّيباني.
● تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب، وهو شرح شواهد سيبويه.
● شرح ديوان الحماسة لأبي تمام.
● شرح الجمل لأبي القاسم الزجاجي، وشرح أبيات الجمل.
● النكت في تفسير كتاب سيبويه: وفيه شرح عيون الكتاب، وبيّن ما غمض من مسائله.
● المسألة الزنبوريّة: وفيه إجابة الأعلم عن سؤال وجهه إليه نفرٌ من الأدباء حول المسألة الزنبورية التي دارت بين سيبويه والكسائي والفراء، والقضاء في تلك المسألة من وجهة نظره.
● المسألة الرشيديّة: وتدور هذه المسألة حول اشتقاق اسم الله عزّ وجل.
● المقالات الثلاث في الصرف والنحو: ويتضمن هذا الكتاب ثلاث مقالات، بكل منها فصول في الاسم والفعل والحرف.
● فهرسة الأعلم الشنتمري.
● رسالة في الردّ على ابن سراج: وفيها رد الأعلم على ابن سراج حينما استَنْقصه في الرسالة الرشيدية.
● المخترع في النحو.
● معرفة حروف المعجم.
● الفرق بين المسهب والمسهب.

مقتطفات من معلقة "لخولة أطلال ببرقة ثهمد" نظمها الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد
الأعلم الشنتمري درس وحقق وشرح قصائد طرفة بن العبد

مذهبه النَحَويّ-:

شهدت الحركة النحوية في القرن الخامس الهجري وجود ثلاث مذاهب نحوية وهي: المذهب البصري وهو أسبق تلك المذاهب وأقواها على الإطلاق، والمذهب الكوفيّ وهو أوسطها، والمذهب البغدادي والذي بلغ من الركاكة ما جعله أضعف المذاهب النحوية، وقد كان الأعلم الشنتمري بصري المذهب قلبًا وقالبًا بإجماع آراء العلماء، وهذا ما استخلصه الباحثون من كُتُبه وخاصة آرائه في كتابه النكت، والذي كان فيه دائم الانتصار و التحيُّز لآراء سيبويه النحوية، فقد اعتمد مباحث كتاب سيبويه مذهبًا يسلكه.

اقرأ ايضا كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

وجدير بالذكر أن الأعلم لم يكن مجرد ناقل للآراء، فقد كانت له آراؤه الخاصة وانفراداته وترجيحاته المعتمدة على التفكير العقلي، وتطبيق مبادئ القياس، كما تفرّد بأسلوب عرضه المميز للمادة التي يتناولها، الذي لم يكن بالأسلوب المعقد أو المُبهم، لكنه اعتمد المنهج العلمي القائم على السؤال والإجابة والتحليل والتعليل، فيتثنّى له بذلك تقديم تلك المادة سائغة للباحث.

مختارات من شروحاته:-

من شرح الأعلم الشنتمري لمعلّقة طرفة بن العبد:

وإن يلتق الحيّ الجميــع تلاقنـــي.. إلــى ذروة المجد الكريم المصمّد

نداماي بيض كالنّجـــوم، و قينة.. تــروح علينا بين برد و مجسد

يقول الأعلم: “إذا التقى الحيّ الجميع، بعد افتراقهم، وجدتني في موضع الشرف منهم وعلوّ المنزلة، و قوله: «إلى ذروة المجد» أيّ إلى ذروة البيت، و ذروة كلّ شيء أعلاه، و المصمّد الذي يصمد إليه الناس لشرفه و يلجئون إليه في حوائجهم، و الصمد القصد”

و قوله: «نداماي بيض كالنجوم» : الندامى الأصحاب المشاربون، و قوله: «بيض كالنجوم»، أي هم أعلام مشاهير، و يحتمل أن يريد الحسني اللون، و القينة المغنّية، و كلّ أمة قينة، و البرد ثوب وشي، والمجسد الثوب المصبوغ بالزعفران المشبع، و الجساد الزعفران، «بين برد و مجسد» أي تروح إلينا و عليها برد و مجسد.

ومن شرحه لديوان علقمة الفحل:-

و مـا أنت أم ما ذكــرها ربعيّــة..

يخطّ لهــا من ثرمداء قـلــيب

يقول الأعلم الشنتمري: قوله: «و ما أنت أم ما ذكرها؟» يعاتب نفسه و ينكر عليها تتبّعه هذه المرأة و قد بَعدت عن دياره و حلّت في غير قبيلته، و قوله «ربعيّة» يعني أنّها من قبيلة بني ربيعة بن مالك، وهم غير قبيلته و عشيرته، و قوله: «يخطّ لها من ثرمداء قليب»، أي هي نازلة في هذا الموضع مقيمة فيه، و كنى عن إقامتها بحفر القليب، لأنّ من أقام بموضع فلا بدّ له من ماء يقيم عليه.

وفاته:-

تُوفي الأعلم الشنتمري بإشبيلية بعدما كُفّ بصره في آخر حياته عام 476 هـ الموافق 1084 م.

الأعلم الشنتمري توفي في مدينة إشبيلية التي ازدهرت في العهد الإسلامي

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

  • الزركلي، الأعلام.
  • أبو الحجاج يوسف بن سليمان، النكت في تفسير كتاب سيبويه.
  • نعيمة جليل، الجهود النحوية عند الأعلم الشنتمري، جامعة أبو بكر بلقايد، 2015
  • عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي.
  • درية الخطيب ولطفي الصقال تحقيقهما لديوان طرفة بن العبد، شرح الأعلم الشنتمري.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى