أعلامانفوجرافيكس

الأعشى الشاعر الفحل .. صناجة العرب

كان كثير الوفود على الملوك، غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعرا منه

اسمه ونشأته:-

ميمون بن قيس بن جندل بن شَرَاحِيْل بن عوف بن سعد، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس، ويقال له: أعشى بكر بن وائل، و الأعشى الكبير، وهو شاعر جاهلي، وُلِدَ في قرية منفوحة باليمامة قرب مدينة الرياض سنة 570م.

عاش عمراً طويلاً، ولُقِّب بالأعشى؛ لضعف بصره، وعُمِيَ في أواخر عمره.

وكان أبوه قيس يدعى “قتيل الجوع”؛ وذلك أنه كان في جبل، فدخل غاراً، فوقعت صخرة من ذلك الجبل، فسدَّت فم الغار، فمات فيه جوعاً.

اشتهر العرب ببلاغتهم
اشتهر العرب ببلاغتهم – تعبيرية – الصورة تعود إلى العام 1898 م – مكتبة الكونغرس

ديانته:-

وأدرك الإسلام ولم يسلم، ويقال: إنه كان نصرانياً، وهو أول من سأل بشعره، ووفد إلى مكة يريد النبي صلى الله عليه وسلم، ومدحه بقصيدته التي أولها:

أَلَم تَغتَمِض عَينـاكَ لَيلَةَ أَرمَــدا ..

وَعـادَكَ ما عـادَ السَليـمَ المُسَهَّـدا

يقول فيها:

أَجِدَّكَ لَم تَسمَــع وَصــاةَ مُحَمَّــدٍ .. نَبِــيِّ الإِلَهِ حينَ أَوصى وَأَشهَدا

إِذا أَنتَ لَم تَرحَل بِزادٍ مِنَ التُقى .. وَلاقَيتَ بَعدَ المَوتِ مَن قَد تَزَوَّدا

نَدِمتَ عَلـــى أَن لا تَكــونَ كَمِثلِـــهِ .. وَأَنَّـــكَ لَم تُرصِد لِما كانَ أَرصَدا

وَلا تَعبُــدِ الأَوثــانَ وَاللَهِ فَاِعبُـــدا .. وَصَــلَّ عَلى حينِ العَشِيّاتِ وَالضُحى

وَلا تَحمَــدِ الشَيطـــانَ وَاللَهَ فَاِحمَــدا .. وَلا السائِلَ المَحرومَ لا تَترُكَنَّهُ

فلقيه أبو سفيان بن حرب، فانطلق به أبو سفيان إلى منزله، وجمع إليه أصحابه، وقال: يا معشر قريش، هذا أعشى قيس، وقد علمتم شعره، ولئن وصل إلى محمد ليضربن عليكم العرب قاطبة بشعره، فجمعوا له مائة ناقة حمراء، فانصرف، فلمَّا صار بناحية اليمامة ألقاه بعيره فقتله.

الأعشى ميمون بن قيس

مكانته الشعرية:-

من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته:

مــا بُكـــاءُ الكَبيــرِ بِالأَطــــلالِ .. وَسُــــؤالي فَهَل تَرُدُّ سُؤالي

دِمنَـــةٌ قَفـــرَةٌ تَعاوَرَهـــا الصَيـ .. ـفُ بِريحَينِ مِن صَبــاً وَشَمالِ

لاتَ هَنّــا ذِكـــرى جُبَيــرَةَ أَو مَــن .. جــــاءَ مِنها بِطائِفِ الأَهــوالِ

حَلَّ أَهلي بَطـــنَ الغَــميسِ فَبـــادَو .. لــي وَحَلَّت عُلوِيَّةً بِالسِخالِ

تَرتَعي السَّـفحَ فَالكَثيبَ فَذا قا .. رٍ فَرَوضَ القَطا فَذاتَ الرِئالِ

كان كثير الوفود على الملوك من العرب والفرس، غزير الشعر، يسلك فيه كل مسلك، وليس أحد ممن عرف قبله أكثر شعرا منه.

وكان يغنِّي بشعره، فسُمِي (صنَّاجة العرب)؛ لأنه أول من ذكر الصّنج في شعره؛ حيث شبَّه العود بالصّنج، فقال:

ومُستجيبٍ لصـوتِ الصَّنْج تَسَمعُهُ ..

إذا تُرَجِّـــع فيه القينــةُ الفُضلُ

وقالَ في الصَّنَّاجة الضَّارِبةِ على الصَنْج وقد ميَّزَها عن المُغنِّية:

وَمُــسْمِعَـتَــــانِ وصَنَّـــاجَـــــةٌ ..

تُقَــلِّـبُ بِالكَـــفِّ أَوْتَــارَهَــا

وقال الأعشى في الصَّدوح أو الصادِحة، أي المُغنِيَة:

وَصَــدُوْحٍ إذا يُهَيِّــجُـهَـــا الشَّـــرْ.. بُ

تَرَقَّـــتْ في مِــزْهَـــرٍ مَـنْدُوفِ

كان يفد على الملوك ولا سيما ملوك فارس؛ ولذلك كثرت الألفاظ الفارسية في شعره؛ كقوله:

فـــــلأَشْـــرَبَنَّ ثَمـــانِيــاً وثَمــانِيـــاً .. وَثَمـــانَ عَشْرَةَ واثنَتيْنِ وأَرْبَعَــا

مِن قَهْـــوَة باتَتْ بفــــارِسَ صَفْـــوَةً .. تَــدَعُ الفَتَى مَلِكاً يَمِيلُ مُصَرَّعَا

بالجُـــلَّســــانِ وطَيـــــبٍ أَرْدَانُـــهُ .. بالـــــوَن يَضْـرِبُ لي يَكُرُّ الإِصْبَعَـا

كانت القيان يُغنين بلغاتٍ غير عربية أحياناً، وقد ذَكَرَ الأصفهاني في كتابه “الأغاني” أن الأعشى كان يزور أساقفة نجران ويمدحهم، ويمدح العاقب والسيد وهما ملكا نجران آنذاك، ويقيم عندهما ما يشاء ويسمعونه الغناء الرُّومي، وفي ذلك يقول الأعشى:

وكعبـــــةُ نَجْــــرانَ حتــــمٌ عليـــــــ .. ك حتى تُناخي بأبوابهـا

نَــــزور يزيـــدَ وعبــدَ المسـيــــحِ .. وَقيســــاً هُم خيـــرُ أربابهـا

وشاهدُنـا اُلْجـلُّ والياسَمِـ .. ينَ والمسْمِعـاتُ بَقصَّابِهــا

وبَرْبَطُنَــــا دائــــــــمٌ مُـعْمَــــــلٌ .. فـــــأيُّ الثلاثــةِ أُزْرِي بهــا ؟

وقال الأعشى في الجِن:

وما كُنـتُ ذا خوفٍ ولكِــــن حسبتي .. إذا مسحل يُسْدِي لي القول أفرقُ

شريكان فيما بيننـا مِنْ هَــوَادةٍ .. صِفيَّـانِ أنسي وجِـنٌّ موفَّقُ

يقـولُ فلا أعيـا بقولٍ يَقُولُـهُ .. كَــفـــــانـي لاعَيٌّ ولا هو أخرَقُ

جُمِعَ بعض شعره في ديوان سمي «الصبح المنير في شعر أبي بصير»، وترجم المستشرق الألماني جاير بعض شعره إلى الألمانية.

الأعشى صاحب البصمة الشعرية التاريخية:-

تناول محقق ديوان الأعشى الشعري، محمود الرضواني، كثيراً من الجوانب الشعرية، فضلاً عن السِّمات الشخصية لشاعرنا الكبير، إلى جانب البيئة التي نما وترعرع فيها.

فقد ولِدَ الأعشى في قرية منفوحة المحاذية لليمامة التي اشتهرت قديماً بخصبها وطيب أجوائها، وكثرة نباتاتها، وهو ما دفع العرب حينذاك إلى إقامة أحد أكبر الأسواق وذلك في حجر اليمامة، لتكون مشابهة لسوق عكاظ، حيث توافد إليها العرب لتكون ملجأ للشراء والبيع، ناهيك عن كونها ساحة للتباري بالشعر والخطابة، ونَصب المساجلات الأدبية والتي تتضمن جدالات حول صحيح اللغة وزائفها، لتمسي بمثابة سوق تجارية أدبية، تبدأ في اليوم العاشر من محرم وتنتهي بنهاية الشهر ذاته.

الأعشى
اليمامة التابعة لنجد كانت تشتهر بخصبها

لذا، فقد عاش الأعشى في كنف هذه البيئة، لتكون قريته منفوحة موضعاً لمولده وحياته ووفاته، ويقال: إن بيته كان يقع في قلب “خِضرمة منفوخة” التي كانت من أكثر الأراضي خصباً، تنهل من معين ماء عين حِجر الشهيرة.

يعتبر الأعشى أحد أمراء الشعر الجاهلي، بل إنه تربع على قمته، لتنتهي إليه رياسته في عصره، وذلك نظراً لأنه كان آخر الفحول الجاهليين وفاةً.

قال عنه بعض القدماء : ” هو أكثرهم عروضا، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، وأكثرهم مدحاً وهِجاء وفخراً ووصفاً”.

غــراءٌ فرعـــاءُ مصقــولٌ عوارضـهـا .. تمشـي الهويني كما يمشي الوجى الوجِلُ

كــــأن مشيتهـــا من بيت جارتهـــا .. مَـــرَّ السَّحابة لا ريثٌ ولا عجَلُ

الأعشى.

وبحسب محقق ديوانه، محمود الرضواني، فقد كان كل من خلف وأبي الخطاب الأخفش، يقدمَّان الأعشى على جميع الجاهليين، حتى أن أبا عمرو بن علاء يقول عنه: ” مثله مثل البازي، يضرب كبير الطير وصغيره”. وقد ترك شعر الأعشى بصمة وتأثيراً واسعي النِّطاق على أهل عصره والعصور الأدبية التالية.

وفاة الأعشى:-

توفي في قرية منفوحة باليمامة قرب مدينة الرياض سنة 7هـ-629م، وفيها داره، وبها قبره.

ويقول الأعشى قبل وفاته: إن الثلاثة الحُمر قد استنفذت ماله: الخمْر واللحم والتطيُّب بالزَّعفران، وما زال مولعاً بها:

إن الأحـامِرة الثلاثـــةُ أهلكَـــت .. مَالــــي وكنتُ بها قديماً مُولَعـا

الخمرَ واللحمَ السمينَ وأَطَّـليَ .. بالزَّعفران، فلن أزال مُولَّـعا

المصادر:-

  • الأعلام (7/341).
  • ديوان الأعشى الكبير، تحقيق محمود الرضواني.
  • الغزل في العصر الجاهلي، أحمد الغوفي.
  • الشعر والشعراء (1/250/رقم 21).
  • معجم الشعراء (401).
  • القيان والغناء في العصر الجاهلي، ناصر الدين الأسد.
  • جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.
  • عيار الشعر، ابن طباطبا.
Image by apriltan18 from Pixabay 
Photo by Wolfgang Hasselmann on Unsplash

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى