نوادر العرب

الأصمعي والعجوز

قال راوية العرب الأصمعي : “دُفعتُ يوماً في تلمُّسِ البادية إلى وادٍ خَلاء، لا أنيس به إلَّا بيت منفرد، وفي فنائه أعْنُز، وقد ظمئتُ، فيممته، وسلَّمتُ فإذا عجوزٌ قد بَرَزَتْ كأنَّها نعامةٌ تحتضنُ بيضَها، فقُلت: هل من ماء؟، فقالتْ: أوَ لبن؟.

قُلتُ: ما طلبتُ غير الماء، فإذا يسَّرَ الله اللبَنَ؛ فإني إليه فقير، فقامت إلى قعب (إناء)، فأفرغت ما فيه من ماء، ونظَّفت غَسْلَه، ثمَّ خفّت إلى الأعنُز، فجعلتْ تحلُب منهُنّ حتى كادَ يمتلئ القعب، وطفتْ رغوته كأنَّها غمامةٌ بيضاء، ثم ناولتني إيَّاه فشربتُ واطمأنَنتُ.

ثم قُلت (الأصمعي): إني أراكِ مُنفردةً في هذا الوادي المُوحِش، والحَّلة (البلدة) منكِ قريب، فلو انضمَمْتِ إلى النَّاس؟!، فقالت: يابْنَ أخي: إنّي لآنس بالوحدة، وأستريحُ إلى الوحشة، ويطمئنُ قَلبي إلى هذا الوادي الموحِش، فأتذكر مَن عَهِدتُ، فكأني أخاطب أعيانهم، وأتراءى أشباحهم، وتتخيَّل لي أنديةُ رجالهم، وملاعبُ ولدانهم، ومَنْدى أموالهم.

المنذر بن امرئ القيس اللخمي ثالث المناذرة الذين ملكوا الحيرة بالفترة (528-554)، نسب إلى أمه ماوية بنت جشم الحسناء، فقيل: المنذر بن ماء السماء

ثم قالت: لقد رأيتُ هذا الوادي بشِع اللدِيدين (واسع الجانبين) بأهلِ أدواحٍ وقباب، ونعَمٍ كالهِضاب، وخَيْلٍ كالذِّئاب، وفتيان كالرِّماح، يُبارونَ الرِّياح، ويمحونَ الصَّباح، فأحالَ عليهم الجلاء كنْساً بغرْفة، فأصبحَتْ الآثار طامِسة، والمحال دارِسة، وكذلك الدَّهرُ فيمن وثَقَ به، ارمِ بعينكَ في هذا الفضاء، فنظرتُ فإذا قبورٌ نحو أربعين أو خمسين.

فقالت: أترى تلك الأجداث (القُبور)؟، قُلتُ نعم، قالت” ما انطوَتْ إلَّا على أخٍ أو ابن أخٍ أو ابن عم، فأصبحوا قد احتوتْ عليهم الأرض، وأنا أترقَّبُ ما خالَهم، فانصرِفْ راشداً يرحَمُكَ الله، فولَّى الأصمعي هارباً!

سماع غريب اللغة والنوادر:-

وقد كان الأصمعي مواظباً على ارتياد البوادي والصحاري وذلك لسماع العربية وغريبها شفاهة من أفواه قاطني المواضع النائية، وكان يحفظ الروايات والنوادر والمِلح التي كان يسمعها، ثم يقوم بصياغتها بأسلوبه وببيانه الذي تميَّز به.

والأصمعي هو عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك بن علي بن أَصْمَع، أبو سعيد الباهلي البصري، راوية العرب، وأحد أئمة اللغة والشعر، وهو من أهل البصرة، وُلِدَ فيها سنة 123هـ، وقد قدم بغداد أيام هارون الرشيد فصار مجالساً له.

المصدر:-

محمد رجب البيومي، هارون الرشيد، الخليفة العالم والفارس المجاهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى