أعلامانفوجرافيكس

الأصمعي.. إمام اللغة والأخبار والنوادر والـمِلَح

قال عن نفسه: "أحفظ ستةَ عشرَ ألفِ أرجوزةٍ"

اسمه ونشأته:-

الأصمعي هو عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك بن علي بن أَصْمَع، أبو سعيد الباهلي البصري، راوية العرب، وأحد أئمة اللغة والشعر، وهو من أهل البصرة، وُلِدَ فيها سنة 123هـ، وقد قدم بغداد أيام هارون الرشيد.

نسب الأصمعي:-

برهَن السيرافي (المتوفَّى سنة 368 هجرية) نَسَب الاصمعي إلى باهلة، ، قائلاً: “هو عبد الملك بن قُريب ويكنَّى أبا سعيد، واسم قُريب عاصم، ويُكنَّى بأبي بكر بن عبد الملك بن أصمع بن مطهر بن رياح بن عمرو بن عبد الله الباهلي”، وقد أوضَحَ أن اسم والد الأصمعي هو عاصم، ولكنه اشتُهِرَ بلقبهِ وهو قُريب.

هو عبدُ الملك بن قُريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غَنم بن قتيبة بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان.

— ابن حزم (المتوفى سنة 456 هجرية) يذكر نسَب الأصمعي حتى قيس بن عيلان.

مكانة الأصمعي العلمية:-

كان صاحب لغة ونحو، وإماماً في الأخبار والنوادر والـمِلَح والغرائب، سمع شُعبة بن الحجَّاج، والحمادين (حماد بن سلَمة و حماد بن زيد) وابن عون، وأكثر عن أبي عمرو بن العلاء، وروى عنه يحيى بن مَعِين، وأبو حاتم السِّجِسْتَاني.

الأصمعي يوصف بأنه “حاد الذكاء، شديد الفطنة، قوي الملاحظة، عميق التبصُّر في عواقب الأمور، قنَّاصاً ماهراً للدرهم والدينار يُحسِن صيدهما”.

كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها ويتلقى أخبارها، ويُتْحِف بها الخلفاء، فيُكافأ عليها بالعطايا الوافرة، وكانت الخلفاء تجالسه وتحب منادمته.

وقد كان مِن أَرْوَى الناس للرجز، فزعموا أنه حفظ أربعة عشر ألف أرجوزة، فقيل له: “أفيها شيء هو بيت أو بيتان؟ فقال: فيها المئة والمئتان”.

وكان من أوثق الناس في اللغة، وأسرعهم جواباً، وأحضرهم ذِهناً، وكان لا يُفسِّر شعراً فيه هجاء، ولـمَّا صنَّف كتاباً في الخيل مجلداً واحداً، وصنَّف أبو عبيدة في ذلك خمسين مجلداً، امتحنهما الرشيد، فقرَّب لهما فرساً، فلم يعرف أبو عبيدة أعيان الأعضاء، وأما الأصمعي فجعل يُسمِّي كل عضو ويضع يده عليه، وينشد ما قالت العرب فيه. فقال له الرشيد: خذه. قال: فكنت إذا أردت أن أغضب أبا عبيدة ركبته إليه.

الخليفة العباسي هارون الرشيد
هارون الرشيد ونجله المأمون احتفيا بالعلم والعلماء

وقد كان الأصمعي من أهل البصرة، وقَدِم بغداد في أيام هارون الرشيد، وكان الخليفة العباسي الشهير قد استقدمه على دوابِّ البريد، نظراً لما بلغه من علمه وفضله واتساع درايته للغة، فضلاً عن روايته لأنساب العرب وأيامها وأخبارها وأشعارها وأرجازها.

وفي لقائه الأول به بعد تثبُّته من علم ومعرفة وحِفظ الأصمعي؛ سأله الرشيد عن المَثَل العَربي “أنصف القارّة من رماها”، فأجاب بما لا يزيدُ عليه، ثم سألهُ أن يَروي بعض أراجيز رُؤبةٌ ووالده العجاج، وهي من الصعوبة البالغة، فروى مُشْبعاً مُمْتلئاً، وانتقل الخليفة من الرِّجز إلى الشِّعر، فسأل الأصمعي عن أشعارٍ لعَدي بن الرقاع وما دار بصدد أبياتهما من نقاشٍ بين الفرزدق وجرير، فأوفى، ليطمئن الرَّشيدُ إلى صاحبه، فنفحهُ بجزيل العطاء، وأمره أن يكون قريباً من مجلسه”.

الأصمعي أهل ثقة عند أصحاب الحديث:-

وكان كذلك ثقة عند أصحاب الحديث، وكان شديد الاحتراز في تفسير الكتاب والسنة، فإذا سُئِلَ عن شيء منهما يقول: العرب تقول معنى هذا كذا، ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو.

جميع النصوص تدل على أن الأصمعي كان صاحب سنة نبوية، بعيداً عن الأهواء وأصحابها، هذا فضلاً عن تحرُّجه من تفسير القرآن الكريم.

ويقول البغدادي في السياق ذاته: ” أخبرنا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله، قال سمعتُ إبراهيم الحربي يقول: كان أهل البصرة أصحاب الأهواء، إلَّا أربعة فإنهم كانوا أصحاب سنة، أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي”.

صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي
صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي

كما قال ابن قتيبة عن الأصمعي: ” كانت الرواية والمعاني أغلب عليه، وكان شديد التوقِّي لتفسير القرآن الكريم، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم أنه كان يرفع إلَّا أحاديث يسيرة، وصدوقاً في غير ذلك من حديثه، صاحِبَ سُنَّة”.

وقال السيرافي: “كان الأصمعي صدوقاً في الحديث، وعنده القرآن عن أبي عمرو ونافع وغيرهما، ويتوقَّى نفسير شيء من القرآن والحديث عن طريق اللغة”.

نوادر الأصمعي:-

  • قال الأصمعي: سمعتُ أعرابياً وقد وَصَفَ رجُلاً، فقال: لقد صَغُرَ فلان في عيني لعِظَم الدنيا في عينه، وكأنما يرى بالسائل إذا رآهُ ملَك الموت إذا أتاه”.
  • وفي حادثة بخلٍ ثانية؛ قال الأصمعي عن المعتمر: مَدَحَ أعرابيٌ رجلاً، فلم يُعطِهِ شيئاً، فقال: إن فُلاناً يكاد يعدي بلؤمه مَن يسمى باسمه، ولرُّبَ قافيةٍ قد ضاعت في طلب رجلٍ كريم.
الأصمعي حاز شهرة واسعة كما حظي برعاية الرشيد
  • قال الأصمعي : قلتُ لكذَّاب: أصدقتَ قط؟ قال: لولا أني أخاف أن أصدق في هذا لقلتُ لا، فتعجَّب.
  • استقرض من الأصمعي خليلٌ له، فقال: “حُبَّاً وكرامةً، لكن سَكِّنَ برهنٍ يساوي ضعف ما تطلبه”، فقال للأصمعي: يا أبا سعيد، أما تثق بي؟، قال: بلى وإنَّ خليل الله كان واثقاً بربِّه، وقد قال له: “ولطِن ليطمئن قلبي”.
  • قال الأصمعِي: رأيتُ شيخاً بالبادية قد سقط حاجباه على عينيه، وله مائة وعشرون سنة وفيه بقية، فسألته، فقال: تركت الحسد فبقي الجسد، وأنشد:

أَلا أيُّهَا المَــوتُ الذَّيْ لَيسَ تَارِكــي ..  أَرِحْـنِــي فَقَدْ أَفْنَيْتَ كُلَّ خَليلِ

أَراكَ بَصيــراً بالذَّيـــنَ أُحِــبُّهُــمْ .. كــأنَّـــكَ تَنْحـــو نَحْـوَهُمْ بِدليلِ

الأصمعي .. مما سمعه عند الأعراب:-

  • قال أعرابي لولده: يا بني، لا تكُن رأساً ولا ذَنَباً، فإن كُنتَ رأساً فتهيأ للنطاح، وإن كُنتَ ذَنَباً فتهيَّأ للنكاح.
  • سمِع الأصمعي أعرابياً يقول: إذا أشكَلَ عليكَ أمران؛ فانظر أيُّهما أقرَبُ من هَواكَ فخالِفه، فإنَّ أكثرَ ما يكونُ الخطأ مع متابعة الهوى.
  • قال أيضاً: سَمعتُ أعرابياً يقول: مَن نتَجَ الخيرَ أنتَجَ له فِراخاً تطيرُ بأجنحةِ السرور، ومَن غَرَسَ الشَّر أنبتَ لهُ نباتاً مُراً مذاقه، وقضبانه الغيط، وثمرته النَدَم.
  • قال الأصمعي: ورأيتُ أعرابياً أمامهُ شاءٌ (شاة)، فقُلتُ: لِمَن هذه الشاء؟ قال: هيَ لله عندي.
  • الأصمعي قال: سمعتُ أعرابياً يقول: خرجَت علينا خيلٌ مستطيرة النقع، كأن هواديها أعلام، وآذانها أطرافُ أقلام، وفُرسانُها أسودُ آجام.
  • قال الأصمعي: رآني أعرابيُّ وأنا أطلب العِلم، فقال: يا أخا الحَضَر، عليكَ بلزومِ ما أنتَ عليه، فإنَّ العِلمَ زينٌ في المجلس، وصِلةٌ في الإخوان، وصاحبٌ في الغُربة، ودليلٌ على المروءة، ثم أنشأ يقول:

تعلَّم فليسَ المرءُ يُخلَـقُ عالِمَــاً .. وليــسَ أخو عِلْـمٍ كمَنْ هُـوَ جَــاهِـلُ

وإنَّ كبـيــرَ القـــومِ لا عِـلـمَ عندهُ .. صغيـــرٌ إذا التفَّت عليه المحــافِلُ

الأصمعي يستزيد من البادية:-

انتقل الأصمعي إلى البادية، وأخَذَ اللغة عن بعضِ الأعراب، ولم يقتصِر في لقاءاتهِ مع شيوخِ القبائل ووجهائها، بل سمِع من عامَّتها ومن نسَائها وحتى من فتيانها وأطفالها، وهنا نسوقُ مثاليّن:

فقد قال ابن عبد ربه الاندلسي في كتاب “العقد الفريد”: “قال الأصمعي: حججتُ فرأيتُ أعرابياً يطوفُ بالكعبة ويقول: يا خيرَ موفودٍ إليه سَعى الوفد، قد ضعُفت قوتي وذهبَت مِنتي، وأتيتُ إليكَ بذنوبٍ لا تغسِلها الأنهار، ولا تحملها البِحار، أستجيرُ برِضاك من سَخطك، وبعفوكَ من عقوبتك، ثم وضَع في حلقةِ الباب خدَّه، وقال: ضِرع خدَّي لك، وذلَّ مُقامي بين يديك، ثم أنشَدَ يقول:

عظـيـــــــمُ الذنّــب مـكـــــــروبُ … مِــــن الخيــراتِ مسلوبُ

وقـــد أصبَحــــتُ ذا فـقـــــــرٍ … وَمَــــــــا عندَكَ مَطلوبُ

وقال الأصمعي وهو يسعى لجمع أكبر قدر من مفردات اللغة في مظانها بعيداً عن الشوائب: “سمعتُ صِبيةً بحمى ضريّة يتراجزون فوقفتُ وصدُّوني عن حاجتي، وأقبلتُ أكتبُ ما أسمع، فأقبلَ شيخٌ فقال: أتكتبُ كلامَ هؤلاء الأقزام الأدناع”.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الشافعي: “ما عبَّر أحد بأحسن من عبارة الأصمعيّ”.
  • أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني اسمه في «تقريب التهذيب» وقال عنه: “صدوق”.
  • قال إسحاق الموصلي: “لم أرَ الأصمعي يدَّعي شيئاً من العلم فيكون أحد أعلم به منه”.
  • قال أبو أحمد العسكري: “لقد حرص المأمون على الأصمعي وهو بالبصرة أن يصير إليه، فلم يفعل، واحتجَّ بضعفه وكبره، فكان المأمون يجمع الـمُشْكِل من المسائل ويُسَيِّرها إليه؛ ليجيب عنها”.
  • قال عمر بن شَبَّةَ: “سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستةَ عشرَ ألفِ أرجوزةٍ”.
  • قال الـمُبَرِّد: “كان أبو زيد الأنصاري صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان الأصمعي بحراً في اللغة لا يُعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية”.
  • قيل لأبي نوَّاس: ” قد أُشخِصَ أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد، قال : أما أبو عبيدة؛ فإنهم إن أمكنوه من سفر، قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين، وأما الأصمعي؛ فبلبلٌ يطربهم بنغماته”.
  • قال السيرافي: “شهدتُ الأصمعي، وقد أنشد نحواً من مائتي بيت ما فيها بيت عرفناه”.

كتبه ومؤلفاته:-

للأصمعي الكثير من الكتب والمؤلفات؛ منها:

  1. الخيل.
  2. خلق الإنسان.
  3. الأجناس.
  4. المقصور والممدود.
  5. القلب والإبدال.
  6. الأمثال.
  7. الأضداد.
  8. ما اتَّفق لفظه واختلف معناه.
  9. غريب الحديث.
  10. نوادر العرب.
  11. الوحوش.
  12. فحولة الشعراء.
  13. النخل والكرم.
  14. الميسر والقداح.
  15. مياه العرب.
  16. جزيرة العرب.


الأصمعي .. نهاية مسيرة:-

توفي في البصرة سنة 216هــ، وقيل 215هـ، وقد عاش أكثر من 90 سنة، وفي جنازته؛ أنشدَ أبو العالية (الحسن بن مالك) بحضورِ أبي العيناء قائلاً:

لا دَرَّ دَرُّ خطـــوبِ الـــدَّهرِ إِذْ .. فَجَـــعَتْ بالأصمعيِّ لقدْ أبقَتْ لنا أسفا

عِـشْ ما بدا لك في الدُّنيــا فلستَ .. تــرى في الدَّهرِ منهُ ولا مِنْ عِلْمِهِ خلفا

وحول وفاة الأصمعي أيضاً؛ روى السيرافي قول أبي العيناء: ” توفي الأصمعي بالبصرة، وأنا حاضرٌ في سنة ثلاث عشرة ومئتين، وصلَّى عليه الفضل بن إسحاق”.

ويورد السيرافي رأياً آخر بالقول: “ويقال: مات الأصمعي في سنة سبع عشرة ومئتين أو سنة ست عشرة”.

وفي موضع ثالث؛ قال البغدادي: ” مات الأصمعي سنة ست عشرة ومئتين..”، وقال: “حدثنا محمد بن يحيى النديم، حدثنا أبو العيناء، قال: كُنَّا في جنازة الأصمعي سنة خمس عشرة ومئتين”.

وقد قال محمد بن أبي العتاهية للبغدادي: إن أباه جزع على الأصمعي حينما سمع بنبأ وفاته، فرثاه قائلاً:

لهفي لفَقد الأصمعيّ لقَد مضَى..  حميداً لهُ في كلِّ صَالحةٍ سهمُ

تقضَّت بشاشاتُ المَجالسِ بَعدهِ.. وودَّعنا إذ ودَّع الإنسُ والعلمُ

المصادر:

  • الأعلام (4/162).
  • تقريب التهذيب (1/668/رقم 3473).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/76).
  • طبقات النحويين واللغويين (169/رقم 91).
  • مراتب النحويين (48).
  • وفيات الأعيان (3/170/رقم 379).
  • الأصمعيات، تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون.
  • الأصمعي ناقد الشعر، ناصر الجباعي.
  • المستطرف في كل فن مستظرف، تأليف شهاب الدين الأبيشي.
  • قصص ونوادر البلاغيين والطفيليين والنحاة، رجب محمود بخيت.
  • قصص العرب، إبراهيم شمس الدين.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق: محمد سعيد العريان.
  • هارون الرشيد، الخليفة العالم والفارس المجاهد، محمد رجب البيومي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى