نوادر العرب

الأسد في التراث العربي

يقول النويري: أمَّا أسماءُ الأسد؛ فقد بَسَطَ النَّاس فيها القول وزادوا، فمنهم من عدَّ له ألف اسمٍ، فما دون ذلك

تمهيد:-

حظي الأسد بمكانة مرموقة وحيز واسع في التراث العربي، باعتباره ذلك الكائن الذي يلخِّص مكامن القوة والعنفوان والشجاعة والهيبة، حتى أن الأدباء والشعراء استعاروا أسماء الأسد وصفاته في كتاباتهم الرامية إلى مديح وتمجيد أحدهم أو الثناء على شمائله.

وقد أفرد المؤرخ شهاب الدين النويري صفحات من كتابه الشهير “نهاية الأرب” وذلك للحديث عن أسماء الأسد وصفاته وبعض المواقف التي رواها الركبان أثناء مصادفتهم للأسد وهم يسلكون طريقهم من موضع إلى آخر، وقد استعرنا من الكتاب المذكور، بعض ما جاء النويري على ذكره في هذا الشأن.

أسماء الأسد:-

يقول النويري: أمَّا أسماءُ الأسد؛ فقد بَسَطَ النَّاس فيها القول وزادوا، فمنهم من عدَّ له ألف اسمٍ، فما دون ذلك، وقد اقتصرنا على أشهرها:

فمن أسمائه: الأسَد، والأنثى أسَدَةُ ولَبُؤة؛ والشِّبل والحَفصُ: جِروُه؛ والشِّبلةُ والحَفصةُ: الأنثى؛ وكُناه: أبو الأشبال، وأبو الحارث.

ومن أسمائه الأعلام: بَيهَس، وأُسامة، وهَرثَمة، وكَهمَس، ومن صِفاته: الصِّمّ، والصِّمّة، والمصَدَّر، والصَّمصامة، والهِزَبر، والقَسوَرة، والدَّلَهمَس، والضَّيغَم، والغَضَنفَر، والهُمام، والدَّوكَس، والدَّوسَك، والعَلَندَس، والعُنابِس، والسِّيد، والدِّرباس، والفُرافرِ، والقُصاقِص، والقُضاقِض، والرِّئبال، والضَّيثَم، والخُنابِس، وعَثَمثَم، والخُنابِش: اللَّبُؤة إذا استبانَ حملُها، وكذلك الآفِل؛ والهَرِس: الشديد المِراس.

أصناف الآسود:-

ويقول النويري ( توفي بالقاهرة عام 1333م) : وأمَّا أصناف الآساد وأجناسُها، فالذي يعرفها النَّاس منها صنفان: أحدُهما مستديرُ الجُثَّة، والآخرُ طويلُها، كثيرُ الشَّعر، وعدَّ أرِسطو من هذا النوَّعِ ضروباً كثيرة، حَكَى عن بعض من تكلَّم في طبائع الحيوان قَبله أنَّ في أرض الهِند سَبعاَ، سمَّاهُ باليونانية، في عِظَم الأسد وخِلقتهِ، ما خلا وجهَه فإنه شبيهُ بوجهِ الإنسان ولونهُ شديدُ الحُمرة، وذَنَبُهُ شبيهٌ بذَنَب العقرب، وفي طَرَفِه حُمَّة (الإبرة التي تضرب بها العقرب)، ولهُ صوتٌ يُشبهُ صوتَ الزَّمارة، وهو قويٌ، ويأكل النَّاس.

وذَكَرَ (النويري عن أرسطو) أن من السِباع ما يكونُ في عِظَم الثور وفي خلقته، له قرونٌ سود، طويلُها، في قدر الشِّبر، إلَّا أنَّه لا يحرِّك الفكَّ الأعلى كما يُحرِّكه الثور، ولرجليه أظلافٌ مشقوقة، وهو قصير الذَّنب بالنسبة إلى نوعه، ويحفِر الأرض بخرطومه، ويستفُ التُراب، وإذا جَرِحَ هَرَب، فإن طُلِبَ رَمَحَ برجليه، ورَمَى برجيعهِ على بُعد ( لا نعرف ما هو هذا الحيوان المقصود).

أمَّا عاداتها في وثباتِها وأفعالها وصبرها وسُرعة مشيها وأكلها؛ فإنَّ للأسد مِن بُعدِ الوَثبة، واللّصوقِ بالأرض، والإسراعِ في الحُضر إذا هَرَب، والصبرِ على الجوع، وقلَّة الحاجةِ إلى الماء؛ ما ليسَ لغيره من السِّباع، قالوا: وربَّما سَارَ في طلبِ القوتِ ثلاثين فرسَخاً، وهو لا يأكل فريسةَ غيرهِ من السِباع، وإذ شبِع من فريستها تَرَكَها، ولم يعُد إليها ولو جَهَده الجوع، وإذ أكلَ أكلةً يقيم يومين وليلتين بلا طعامٍ لكثرة امتلائه… وإذ فَقَدَ أكلَه صَعُبَ خُلُقُه، وإذ امتلأ بالطعام فهو وادعٌ.

الجرأة والإقدام:-

وأمَّا ما في الآساد من الجُرأة والجُبن، فيقول النويري: فجراءتُه معروفةٌ مشهورة، غير منكورة، فمنها أنَّهُ يُقبل على الجَمعِ الكثيرِ من غير فَزَعٍ ولا اكتراثٍ بأحد ولا مهابةٍ له، وقد شاهدتُ أنا ذلك عياناً، وهو أنَّني ركبتُ ليلة في شوَّال سنة اثنتين وسبعمائة من بيسان الغَور (فلسطين) إلى قراوَى في نحو خمسة عشر فارساً وجماعةٍ من الرجال بالقِسيِّ والتراكيش (مفردها تَركَش وهو مقر السِّهام)، وكانت ليلةً مُقمرة، فعارضَنا أسد، ثم بارانا وسايرنا على يُمنة طريقنا عن غير بُعد، بل أقربَ من رَشقَة حَجَر، لا أقول : مِن كفِّ قويّ فكان كذلك مقدارَ رُبع ليلة، فلمَّا أيِسَ من الظَّفَرِ بأحدٍ منَّا لتيقُّظنا قصَّر عنَّا، ثم تَرَكَنا إلى جهة أخرى,

قالوا: والأسدُ الأَسوَد أكثرُ جراءةً وجهالةً وكَلَباً على النَّاس؛ وقالوا: وإن إلجئ الأسدُ إلى الهرب أوأحسَّ بالصيادين توَّلى وهو يمشي مشياً رفيقاً، وهو مع ذلك مُتَلفِّتٌ يُظهِرُ عَدَم الاكتراث، فإن تمكَّن منه الخوفُ هَرَبَ عَجَلاً حتى يبلغ مكاناً يأمنُ فيه…

وصف الأسد في النثر:-

وصَفَ أبو زيد الطائي (أدرَكَ الإسلام ولم يعتنقه وبقيَ على نصرانيته) الأسد للصحابي الجليل عُثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قد لقيه قائلاً: أقبَلَ يَتضالع من بُعد، ولصدره نَحيط، ولبَلاعيمه غَطيط، ولطَرفه وَمِيض، ولأرساغِه نَقيض؛ كأنَّما يَخبِط هشيماً، أو يطأُ صَريماً، وإذا هامةٌ كالمِجنّ وخدُّ كالمِسَن، وعينان سَجراوان، كأنهما سراجان، وقَصَرةٌ رَبِله، ولِهزِمةٌ رَهِله، وساعدٌ مجدول، وعضدٌ مفتول، وكفٌ شَثْنةُ البراثن، ومخالبُ كالمَحاجن، وفمٌ أشدَق كالغارِ الأخرق، يفترّ عن معاولَ مصقولة، غيرِ مفلولة، فهَجْهَجنا بهِ ففَرفَر وبَرَبر، ثم زأر فَجَرجَر، ثم لَحَظَ فخلتُ البرقَ يتطاير من جفونِه، عن شِمالِه ويمينه، فأُرعِشَت الأيدي، واصطَكَّت الأرجُل، وجَحَظَت العُيون، وساءت الظُنون، ولَحِقت الظُّهورُ بالبُطون.

بعض الأعراب يصف الأسد:-

ووصَفَهُ بعض الأعراب، فقال: له عينان حمراوان مثلُ وَهَج الشَّرَر، كأنَّما نُقِرتا بالمناقير في عُرْض حَجَر؛ لونُه وَرْد، وزئيرهُ رعد؛ هامتهُ عظيمة، وجَبهتُه شَتيِمة؛ نابُه شديد، وشرُّه عتيد؛ إذا استقبلْتَه قُلتَ: أقرع، وإذا استدبرتَه قُلتَ: أفرع؛ لا يهابُ إذا اللَّيلُ عَسعَس، ولا يجبُن إذا الصبحُ تنفَّس، ثم أنشد:

عَبــوسٌ شَمــوسٌ مُصلـخِدٌ مُكابِـــــــرٌ .. جريءٌ علـى الأقـــران للقِرن قاهــــــرُ

براثنــــهُ شُثْـــنٌ وعينــاه في الدُّجـــى .. كــجمر الغَضَى في وجهِهِ الشَّرُّ طائرُ

يُدِلُّ بأنيــــابٍ حِــــــدادٍ كأنَّهـــــــــــــا .. إذا قَلَّــــص الأشـــداق عنـها خناجـــرُ

ومن التهويلات في وصف الأسد قول الشاعر:

إيَّاكَ لا تَستَوْش ليثــــــــــــاً مُخدَراً .. للهـــول في غَسَقِ الدُّجى دوَّاسا

مَرِسا كأمراس القَليـــــب جُدَولُــــــــه .. لا يستطيـــع لــه الأنـامُ مِراســـا

شَثنَ البـــراثنِ كالمَحاجنِ عُطِّفَـــتْ … أظفـــــــــــــارُه فتخالهــــــا أقواســــــــــا

لان الحديـــــــدُ لجِلدهِ فإهابُـــــــــــه .. يكفيــــه من دون الحديد لباسا

مصــطكَّة أرساغُه بعظامِـــــــــــــــه .. فكــأن بين فصولهــــــــا أجراســــا

وإذا نظرتَ إلى وميض جفونهِ .. أبصـــرْتَ بين شُفورِها مقباســـــــا

يقول الأستاذ بارو وهو يَصِفُ مشهداً لصَيْدِ الأُسُودِ كانَ يُزيِّنُ جُدْرَانَ قصْر الملك آشور بانيبال في نينوى: ” يُشَاهد الصيادون مبتدئينَ عند طُلوعِ النَّهَار وكلابِ الصَّيْدِ متوتِّرةٌ في مقاوِدَهَا.. وقَدْ غَدَتْ الأُسودُ هي الأخرى قَلِقَةً بعد أن حُبِسَت لأيَّامٍ في أقفاصٍ خشبيةٍ وهي مُتَلَهِّفَةٌ للحْظَةِ التي تُفتَحُ فيها باب القفَص، والملكُ متهيءٌ للقِتالِ مهما كانَ نوعُهُ سواءَ عليه أن يُقاتِلَ على ظَهْرِ جوادٍ أو من عَرَبَتِهِ أو على قَدَمَيْهِ، وتِلْكَ أعْظَمُ المَخَاطِر.

— فاضل عبد الواحد.

المصدر:-

  • نهاية الأرب لشهاب الدين النويري.
  • من سومر إلى التوراة، فاضل عبد الواحد علي.
Image by Alexas_Fotos from Pixabay 
Image by Wendy Corniquet from Pixabay 

Image by JL G from Pixabay

معاني بعض الكلمات الواردة أعلاه:-

  • يتضالع: يتمايل.
  • النحيط: الزمير.
  • الغطيط: تردد النفس صاعداً إلى الحلق حتى يسمعه مَن حوله.
  • النقيض: صوت المفاصل.
  • يراد بالصريم: ما جدَّ وقُطِع من الأشجار.
  • المجن: التِرس.
  • السجراوان: تثنية سجراء، وهي العين التي يُخالط بياضها حُمرة.
  • القَصَرة: أصل العُنُق.
  • اللهزمة: مضيغة في أصل الحنك.
  • الرَّهلة: المسترخية.
  • الششنة: الخشنة الغليظة.
  • المحاجن: جمع مِحجَن، وهي العَصا المعقفة الرأس كالصولجان.
  • الأشدق: الواسع الشدقين.
  • الأخرق: المراد به الواسع.
  • هجهج بالسبع: أي صاح به وزجره ليكف.
  • فرفر: صاح به.
  • بربر: أي صوَّت وصاح مع غضب,
  • جحظت العيوان: أي شخصت، تعبير مجازي.

— دون كيخوتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى