أعلامانفوجرافيكس

الأخفش الأوسط .. أحد أبرز أعلام النحو

من أثمة العربية، وقد كان معتزلياً، وهو تلميذ أبي شمر وعلى مذهبه

اسمه ونشأته:

الأخفش الأوسط هو سعيد بن مَسْعَدَة، أبو الحسن الْمُجَاشعي النحوي البَلْخي؛ أحد نحاة البصرة، ومن أشهر أئمة اللغة والأدب.

يُرجّح بأنه وُلِدَ في العقد الثالث من القرن الثاني الهجري، إذ كان أسَنَّ من سيبويه والذي عاش بين عامي (148-180 هجري).

كان أَجْلَع؛ أي لا تنضم شفتاه على أسنانه، وكان ضعيف البصر؛ لذا أُطلِق عليه لقب الأخفش الأصغر، فلما ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش الأصغر، صار هذا الأخفش الأوسط.

مدينة البصرة بنهاية القرن التاسع عشر
البصرة بنهاية القرن التاسع عشر.

الأخفش الأوسط والأصغر والأكبر:

الأخفش هو ضعيف البصر الذي يبصر بالليل دون النهار؛ كالخفَّاش، وهو لقب أطلق على ثلاثة من النُّحاة؛ هم:

  1. الأخفش الأكبر: عبد الحميد بن عبد المجيد، توفي سنة 177هـ.
  2. الأخفش الأوسط: سعيد بن مَسْعَدَة، صاحب ترجمتنا، وقد توفي سنة 215هـ.
  3. الاخفش الأصغر: علي بن سليمان، توفي سنة 315هـ.

الأخفش الشامي والأخفش البصري:

أيضاً أُطلِق هذا اللقب على اثنين من أعلام النحاة؛ هما:

  1. الأخفش البصري: سعيد بن مَسْعَدَة، صاحب ترجمتنا، وقد توفي سنة 215هـ.
  2. الأخفش الشامي: هارون بن موسى، وقد توفي سنة 291هـ.

مكانته العلمية:

كان الأخفش الأوسط من أئمة العربية، وقد كان معتزلياً، وهو تلميذ أبي شمر وعلى مذهبه.

أخذ العروض عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأخذ النحو عن سِيْبَوَيْه، وكان أكبر منه، وهو أعلم من أخذ عن سِيْبَوَيْه، وكان أيضاً قد أخذ عمن أخذ عنه سِيْبَوَيْه؛ لأنه أسنُّ منه، وهو الطريق إلى كتاب سِيْبَوَيْه، فإنه لم يقرأ الكتاب على سِيْبَوَيْه أحد، ولم يقرأه سِيْبَوَيْه على أحد، وإنما قُرِىء على الأخفش بعد موت سِيْبَوَيْه، قال الْمُبَرِّد: “لم يقرأ أحد كتاب سِيْبَوَيْه على سِيْبَوَيْه، وانما قُرِىء بعده على الأخفش”.

الفراهيدي الزاهد
الخليل بن أحمد الفراهيدي

وكان الأخفش يستحسن كتاب سِيْبَوَيْه كل الاستحسان، فتوهم الجَرْميُّ والمازنيُّ أن الأخفش قد همَّ أن يدَّعي الكتاب لنفسه، فتشاورا في منع الأخفش من ادعائه، فقالا: نقرأه عليه، فإذا قرأناه عليه أظهرناه وأشعنا أنه لسِيْبَوَيْه فلا يمكن أن يدعيه، فأرغبا الأخفش وبذلا له شيئاً من المال على أن يقرآه عليه فأجاب، وشرعا في القراءة، وأخذا الكتاب عنه وأظهراه للناس، وكان الأخفش يقول: “ما وضع سِيْبَوَيْه في كتابه شيئاً إلا وعرضه عليَّ، وهو يرى أني أعلم منه، وكان أعلم به مني، وأنا اليوم أعلم به منه”.

قام الأخفش الأوسط بزيادة بحر من بحور الشعر في العروض، وهو بحر الخَبَب، وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي قد جعل البحور خمسة عشر فأصبحت ستة عشر.

نوادره:

  • لما ناظر سِيْبَوَيْه الكسائي ورجع وجَّه إليَّ فعرّفني خبره معه ومع البغداديين وودعني ومضى إلى الأهواز، فرددت؛ جلست في سميرية حتى وردت بغداد فوافيت مسجد الكسائي، فصليت خلفه الغداة، فلما انفتل من صلاته وقعد في محرابه وبين يديه الفرَّاء والأحمر وابن سعدان، سلَّمْت وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطَّأته في جميعها، فأراد أصحابه الوثوب عليَّ فمنعهم، ولم يقطعني ما رأيتهم عليه عما كنت فيه، فلما فرغت من المسائل قال لي الكسائي: بالله أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة؟ قلت: نعم، فقام إليَّ وعانقني وأجلسني إلى جنبه، ثم قال: لي أولاد أحبّ أن يتأدبوا بك ويتخرَّجوا على يديك وتكون معي غير مفارق لي، فأجبته إلى ذلك، فلما اتصلت الأيام بالاجتماع سألني أن أؤلف له كتاباً في معاني القرآن فألفته، فجعله إماماً له وعمل عليه كتاباً في المعاني، وعمل الفرَّاء كتابه في المعاني عليهما، وقرأ عليَّ كتاب سيبويه سراً، ووهب لي سبعين ديناراً.
  • وسأل الأخفش الأوسط المؤرِّخ سعيدَ بن مسعدة عن قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4]، ما العلة في سقوط الياء منه، وإنما تسقط عند الجزم؟ فقال: لا أجيبك ما لم تبت على باب داري مدة. قال: فبتُّ على باب داره مدة، ثم سألته، فقال: اعلم أن هذا مصروف على جهته، وكل ما كان مصروفاً على جهته فإن العرب تبخس حظه من الإعراب؛ نحو قوله: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28]، أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة من فاعلة إلى فعيل. قلت: وكيف صرفه؟ قال: الليل لا يسري، وإنما يُسْرَى فيه.

ما قيل في الأخفش الأوسط :-

  • وكان أبو العباس ثعلب يُفضِّل الأخفش ويقول ” كان أوسع الناس علماً، وله كتبٌ كثيرة في العروض والنحو والقوافي”.
  • وقال الْمُبَرِّد: “أحفظ من أخذ عن سيبويه الأخفش ثم الناشىء ثم قطرب، وكان الأخفش أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل”.
  • وقال أبو عثمان المازني: “كان الأخفش أعلم الناس بالكلام، وأحذقهم بالجدل”.
  • وقال أبو العباس أحمد بن يحيى عن الأخفش الأوسط : أوَّل من أملى غريب كل بيت من الشعر تحت الأخفش، وكان ببغداد، والطوسي مستمليه، قال: ولم أدركه، لأنه قبل عصرنا، وكان يقال له : “الأخفش الراوية”.
  • كما قال أبو العباس: “حدثني سعيد بن سلم قال: دخل الفرَّاء على سعيد بن سلم، فقال: قد جاءكم سيدُ أهل اللغة، وسيدُ أهلِّ العربية، فقال الفرَّاء: أما ما دام الأخفش يعيش فلا”.
  • أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني كان له رأيه الخاص في الأخفش الأوسط، إذ وصفه بالقول: “وكان الأخفش رجل سوء، قدرياً شمرياً”، وهم صِنف نُسِبوا إلى أبي شمر، أحد أئمة القدرية المرجئة.

والقدرية بحسب الأزهري، هم قوم يُنسبون إلى التكذيب بما قدَّر الله من الأشياء، وقال بعض متكلميهم: لا يلزمنا هذا اللقب، لأننا ننفي القدرة عن الله عز وجل، ومن أثبته فهو أولى به”.

موقفه مع الأعرابي:-

وقف أعرابي على مجلس الأخفش الأوسط ، فسمع كلامهم في النحو، فحار وعجِب وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع أخا العرب؟، قال : أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس في كلامنا، فأنشد الأخفش لبعض العرب:

ما لقيتُ مِن المستعربين ومِن.. تأسيس نحوِهم هذا الذي ابتدعوا

إن قُـــلتُ قـافيةً فيــما يــكون لها.. معنىً يُخالف ما قاسوا وما صنعوا

قالوا: لحنتَ وهذا الحرفُ منخفضٌ.. وذاك نصبٌ وهذا ليسَ يرتفعُ

وحَرَّشوا بين عبــد اللــــه واجتهدوا.. وبين زيدٍ فطالَ الضَّربُ والوَجَعُ

إنــي نشـــــأتُ بــــأرضٍ لا تُشَــبُّ بــها.. نارُ المجوس ولا تُبنى بها البيَعُ

ولا يطأ القِردُ والخنــزير ســــاحتها.. لكن بها العين والذَّيالُ والصَّدَعُ

ما كُــلُّ قولـي معروفٌ لـــكم فخُذوا.. ما تعرفون وما لا تعرفونَ دَعُوا

السمات الشخصية للأخفش الأوسط:-

اُشتُهِرَ الأخفش الأوسط بالتواضع وبالصدق، لكنه على النقيض من ذلك؛ كان يحمل صفةً أخرى غير محببة، ألا وهي البخل وحُبّ المال الشديد.

ومما يدل على تواضعه؛ أنه لم يكن يأنف من قَول: لا أدري رغم علمه ودرايته، فقد قال ثعلب : “قال الأخفش: لا أدري والله ما قولُ العرب: وضَعَ يديه بين مقمورتين، يعني بين شرين”.

لازم أبو عمر الزاهد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو

روى ابن جني عن الفارسي قوله: ” يكاد يُعرف صِدق أبي الحسن ضرورة؛ وذلك أنه كان مع الخليل في بلدٍ واحد، فلم يحكِ عنهُ حرفاً واحداً”، ما يدلُّ على صدقه وثقته وحفظه.

أما صفته المنبوذة والمتمثلة في حُبِّه الشديد للمال، فقد تجلَّت في إجابته للكسائي إلى تأديب أولاد الأخير، وتدريسه الكسائي الكتابَ مقابل مبلغٍ من المال، وإبهامه في كتبه.

ولما شُكِيَ إليه ذلك، وقد أعاب عليه الجاحظ التعقيد في مصنفاته، فقال الأخفش للجاحط: ” أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الموضع الذي تدعوني إليه ؛ قلَّت حاجتهم إليَّ فيها، وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنتُ إلى التكسب ذهبت”.

كتبه ومصنفات الأخفش:

  1. الأوسط: في النحو.
  2. تفسير معاني القرآن.
  3. المقاييس: في النحو.
  4. الاشتقاق.
  5. العروض.
  6. القوافي.
  7. معاني الشعر.
  8. الملوك.
  9. الأصوات.
  10. المسائل الكبير والمسائل الصغير.

وفاته:

قال محمد بن إسحاق النديم في “الفهرست”: مات الأخفشُ سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد الفرَّاء”.

أما البلخي؛ فقد قالَ في كتاب “فضائل خُراسان” عن الأخفش الأوسط : ” أصلهُ من خوارزم، ويقال: توُفِّي في سنة خمس عشرة ومائتين، ورَوَى الأخفش عن حمَّاد بن الزبرقان، وكان بصريَّاً”.

اقرأ ايضا كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:

  • أثر الأخفش في الكوفيين وتأثره بهم، محمد بن عمار درين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
  • الأعلام (3/101).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي.
  • سير أعلام النبلاء (10/206/رقم 48).
  • معجم الأدباء (3/1374/رقم 548).
  • وفيات الأعيان (2/380).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى