أعلامانفوجرافيكس

الأخطل الكبير .. الشاعر المبدع

كان معجباً بأدبه، تيَّاهاً، كثير العناية بشعره، يُنظِّم القصيدة ويسقط ثلثيها ثم يظهر مختارها

من هو الأخطل الكبير ؟

الأخطل الكبير هو غياث بن غوث بن الصَّلْت، أبو مالك التغلبي النصراني، من أشهر شعراء العصر الأموي، وُلِدَ سنة 19هـ، أَطْلَق عليه لقب الأخطل كعب بن جُعَيْل، حيث قال له: “إنك لأخطل يا غلام”، وقد سُمِّيَ الأخطل؛ لطول أُذنيه ورخاوتهما. وقيل: إنما سُمِّيَ به؛ لخَطَل لسانه؛ أي: طوله. وقيل: إنما سُمِّيَ به لفُحش كلامه.

وجاء في لسان العرب: “إنَّما سُمِّيَ بذلك لطول لسانه، وقيل: هو من الخطل في القول..”.

قال الجوهري: وكان الأخطل يُلقَّب بدَوْبَل، وهو حمار صغير لا يكبر.

وفي رواية أخرى؛ جاء في كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني عن ابن السكيت، أن عتبة بن الوغل التغلبي حمل حِمالة، فأتى قومه يطلب عونهم، فجعل الأخطل يتكلَّم وهو غلامٌ حينذاك، فقال عُتبة: من هذا الغلُام الأخطل؟، كما ورد في “الأغاني” أيضاً عن أبي عبيدة أنَّ غياث بن غوث هجا رجُلاً من قومه، فقال له: يا غُلام إنَّك لأخطلٌ، فلُقِّبَ به.

نشأته:-

نشأ الشاعر غياث بن غوث التغلبي على المسيحية، في أطراف الحيرة بالعراق، وكانت إقامته حيناً في دمشق مقر الخلفاء من بني أمية، حيث اتصل بالأمويين فكان شاعرهم، وتهاجى مع جرير والفرزدق، وأقام حيناً أخرى في الجزيرة؛ حيث يقيم بنو تغلب قومه، وخاصة في الفترة التي احتدمت فيها المعارك بين تغلب وقيس، حيث وقف فى صفوف قومه يناضل عنهم.

صراعات دائمة كانت تندلع بين القبائل العربية
صراعات دائمة كانت تندلع بين القبائل العربية

الأخطل الكبير والأخطل الصغير:- الأخطل لقب أُطلِق على شاعرين؛ هما:

  1. الأخطل الكبير ( غياث بن غوث التغلبي ): وهو صاحب ترجمتنا، توفي سنة 92هـ-710م.
  2. الأخطل الصغير ( بشارة عبد الله الخوري ): شاعر لبناني، توفي سنة 1968م.

شعر الأخطل الكبير:-

كان غياث بن غوث التغلبي شاعر مصقول الألفاظ، حسن الديباجة، في شعره إبداع، جمع شعره في ديوان باسم ( ديوان الأخطل )، ويعتبر شاعر زمانه، فقد كان الشاعر الأخطل مقدَّماً عند بني أمية، وحصَّل أموالاً جزيلة منهم، وأكثر من مدح ملوكهم، مدح معاوية ويزيد ومن بعدهم، وكان عبد الملك بن مروان يُجْزِل العطاء له، ويُفضِّله في الشعر على غيره، وعصر عبد الملك يعدُّ العصر الذهبي للأخطل، فقد نزل منه منزلة الشاعر الرسمى للدولة، وآثره على جميع معاصريه من الشعراء، وأمر مَنْ يُعْلِن بين الناس أنه شاعر بنى أمية وشاعر أمير المؤمنين.

وفي ديوان الأخطل الكبير مدائح مختلفة ليزيد وأخيه عبد الله ولابنه خالد، ونلمس فى قصائده ضرباً من الدعوة السياسية لبني أمية، إذ لا ينسى أن ينوِّه بانتصار معاوية فى صفِّين وأن الله اختار بيتهم للخلافة، على شاكلة قوله:

تَمَّـت جُـدودُهُـــمُ وَاللَهُ فَضَّـلَهُـم .. وَجَـدُّ قَـومٍ سِـواهُم خامِـلٌ نَكِـدُ

وَيَومَ صِفّيـنَ وَالأَبصــارُ خاشِعَــةٌ .. أَمَـدَّهُم إِذ دَعَـوا مِن رَبِّهِم مَـدَدُ

وَأَنتُــــمُ أَهــــلُ بَيتٍ لا يُــوازِنُهُـــم .. بَيـتٌ إِذا عُدَّتِ الأَحسابُ وَالعَدَدُ

وكان معجباً بأدبه، تيَّاهاً، كثير العناية بشعره، يُنظِّم القصيدة ويسقط ثلثيها ثم يظهر مختارها، وكان يُشبَّه من شعراء الجاهلية بالنابغة الذُّبياني.

المثلث الأموي:-

المثلث الأموي لقب أُطلِق على ثلاثة من شعراء العصر الأموي الذين اتفق النُّقَّاد على أنهم أشعر أهل عصرهم؛ وهم: جرير، والفرزدق، والأخطل.

اعتبر البعض أشعرهم جرير ثم الفرزدق ثم الأخطل، في حين رأي فريق آخر أن أشعرهم الأخطل.

نوادر الأخطل التغلبي:-

دخل غياث بن غوث التغلبي على هشام بن عبد الملك، فأنشده قصيدتَه التي يقول فيها:

وَالنَّـاسُ هَمُّهُــمُ الحَـيَــاةُ، وَلاَ أَرَى .. طُــوْلَ الحَيَاةِ يَزِيْدُ غَيْرَ خَبَالِ

وَإِذَا افْتَقَرْتَ إِلَـى الذَّخَــائِرِ لَـمْ تَجِـدْ .. ذُخْــراً يَكُوْنُ كَصَالِحِ الأَعْمَالِ

فقال له هشام: يهنيك الإِسلام. فقال: مازلتُ مسلماً؛ يعني في دينه.

ودخل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين قد امتدحتك، فقال: إن كنت تُشبّهني بالحية والأسد فلا حاجة لى بشعرك! وإن كنت قلت مثل ما قالت أخت بنى الشريد؛ يعنى الخنساء، فهات، فقال الأخطل الكبير:

فمَــا بَلَـغَـتْ كَــفُّ امْـرِئٍ مُتَنــاوِلٍ .. بهـــا المَجْدَ إلا حيث ما نِلتَ أَطْولُ

ومَــا بَلَــغَ المُهْدُون نَحْـوَكَ مِدْحَــةً .. وإنْ أَطْنَبُـوا إلا ومـا فـيكَ أَفضَــلُ

ولما قتلت بنو تغلب عمير بن الحُبَاب السُّلَمي أنشد الأخطل التغلبي عبد الملك بن مروان، والجحَّاف السُّلَمي عنده، فى شعر له:

أَلا سائِلِ الجَحّافَ هَل هُوَ ثائِرٌ..

بِقَتلى أُصيبَت مِن سُلَيمٍ وَعامِرِ

الشعراء كانوا يستنهضون همم أفراد القبيلة التي ينتمون إليها
الشعراء كانوا يستنهضون همم أفراد القبيلة التي ينتمون إليها

فخرج الجحَّاف من فوره ذلك مغضباً حتى أغار على ماء لبنى تغلب، وقتل منهم ثلاثةً وعشرين رجلاً، وقال:

أبا مـالك هـل لمتنـي مذ حضضتنـي .. علـى القتل، أم هل لامني لك لائم

متـى تدعنـي أخــرى أجـبــك بمثلهـا .. وأنت امـرؤ بالحـق ليـس بعالم

فخرج الأخطل الكبير حتى أتى عبد الملك بن مروان، وقد قال:

لَقَد أَوقَعَ الجَحّـــافُ بِالبِشــرِ وَقعَــةٌ .. إِلى اللَهِ مِنها المُشتَكى وَالمُعَوَّلُ

فَــإِلّا تُغَـيِّـرهــا قُــرَيــشٌ بِمُلكِــهــا .. يَكُـــن عَن قُرَيشٍ مُستَمازٌ وَمَزحَلُ

فقال له عبد الملك: إلى أين يا ابن اللَّخناء؟! قال: إلى النار يا أمير المؤمنين! قال: أما والله لو غيرها قلت لضربت عنقك.

وقيل: إن الأخطل قَيَّدَهُ الأُسْقُفُّ، وأهانَهُ، فليم في صبره له، فقال: إنه الدين، إنه الدين.

أبيات من الحكمة والزهد في الحياة لشاعر الأموي الأخطل
أبيات من الحكمة والزهد في الحياة لشاعر الأموي الأخطل

ما قيل فيه:-

  • قال حمَّاد الراوية: “كان يُقدَّم على الفرزدق وجرير”.
  • قيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: “كفاك بي إذا افتخرْتُ، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدَحَ”.
  • قال مسلمة بن عبد الملك: “ثلاثة لا أسأل عنهم، أنا أعلم العرب بهم: الأخطل والفرزدق وجرير، فأما الأخطل فيجيء سابقاً أبداً، وأما الفرزدق فيجيء مرة سابقاً ومرة ثانياً، وأما جرير فيجيء سابقاً مرة وثانياً مرة وسكّيتاً مرة”.
  • كان أبو عمرو بن العلاء يقول: ” لو أدرَكَ الأخطل يوماً واحداً من الجاهلية ما فضَّلتُ عليه أحداً”.
  • قال عنه جرير : ابن النصرانية أرمانا للفرائص (مفردها فريصة، وهي لحمة عند منقبض القلب)، وأمدحُنا للملوك وأوصفنا للخمر والحمر (النساء البيض)، ثمَّ قال: ما هُجينا بقولٍ أشدُّ علينا من قول الأخطل:

قــومٌ إذا استنبَحَ الأضيـــافُ كَلْبُهُـــمُ ..

قالــــوا لأُمِّهــــم : بـــولي على النَّـــارِ

الشَّاعر العاشِق للخمر:-

  • أورد الأصفهاني في كتابه “الأغاني”، روايات تؤكد على أن الأخطل كان عاشِقاً للخمر يشتاقها ولا يتحرَّج منها حتى في حضرة الخليفة الأموي.

فقد دخل يوماً على عبد الملك بن مروان فاستنشده الأخير، فقال: قد يَبِسَ حلقي، فَمُرْ من يسقيني، فقال: إسقوه ماءً، فقال: شرابُ الحِمار، وهو عندنا كثير، فقال: فاسقوه لبناً، قال: عنْ اللَّبن فُطِمْتُ!، قال: فاسقوه عَسَلاً، قال: شرابُ المريض!، قال: فتُريد ماذا؟، قال : خمراً يا أمير المؤمنين، قال: أوعهدتَني أسقي الخمر؟ لا أمَّ لك!، لولا حُرمتكَ عندنا لفعلتُ بِكَ وفَعَلت.

فَخَرَجَ فلَقِيَ فرَّاشاً لعبد الملك، فقال الأخطل: ويلك: إنّ أمير المؤمنين استنشدني، وقد صَحِلَ صوتي فاسقِني شربة خَمر، فسقاه، فقال: أعدِلهُ بآخر. فسقاه آخر فقال: تركتُهُما يعتركان في بطني، اسقِني ثالثاً، فقال: تركتني أمشي على واحِدة. أعدِل ميلي برابعٍ، فسقاه رابعاً، فدَخَلَ على عبد الملك ينشِد:

خفَّ القطينُ فراحوا مِنــكَ وابتكروا ..

وأزعَجَتهُم نــوى في صـــرفها غَيــَرُ

فقال عبد الملك: خُذ بيده يا غُلام فأخْرِجه، ثمَّ القِ عليه من الخِلع ما يغمره، وأحسِن جائزته، وقال: إن لكلٍ قومٍ شاعراً، وإن شاعرَ بني أميَّة الأخطل.

  • وفي يومِ من الأيَّام؛ قال له عبد الملك: لِمَ لا تُسلِم يا أخطل؟، قال “إن أحلَلْتَ لي الخمرَ، ووضعتَ عنّي الصَّوم أسلمت”، فقال له عبد الملك: “إن أسلمتَ وقصَّرتَ في شيء من الإسلام؛ ضربتُ الذي في عنقك”، فقال الأخطل:

ولســتُ بصــائـمٍ رمضــانَ يومــاً .. ولسـتُ بآكـــلٍ لحــم الأضــاحي

ولســتُ بقائــمٍ كالعيَــرِ يدعــــو .. قبيــل الصبحِ حيَّ على الفـــــلاحِ

ولكنـــي سأشربـُـهـــا شمــــولاً .. وأسجُـــــدُ عِندَ منبلـــجِ الصباحِ

وفاته:-

توفي الشاعر الأخطل الكبير في منطقة الجزيرة الفراتية سنة 92هـ ( 710 م).


المصادر:

  • الأعلام (5/123).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (2/258).
  • سير أعلام النبلاء (4/589/رقم 225).
  • الشعر والشعراء (1/473/رقم 87).
  • طبقات فحول الشعراء (2/298/رقم 390).
  • معجم الشعراء العرب (516).
  • مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (11/224).
  • ديوان الأخطل، شرح وتصنيف مهدي محمد ناصر.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى