أعلام

الأخضري .. متصوف جمع بين العلوم الدينية والعقلية

ينتمي لمدينة بسكرة الجزائرية، له كتب في البيان والمنطق

يعدّ العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الصغير بن محمد بن عامر الأخضري واحد من المتصوفين القلائل الذين جمعوا بين العلوم العقلية والنقلية، فهو الزاهد المتصوف عالم في الحساب والفلك والمنطق فضلاً عن كونه عالماً في الفرائض والحديث والفقه، وهكذا صنع التميز لنفسه بين علماء عصره ومتصوفة زمانه.

مولده ونشأته:-

ينحدر عبد الرحمن الأخضري من إحدى قرى بسكرة جنوب شرق الجزائر؛ تدعى «بنطيوس»، وقد اختلف في تحديد مولده، فرغم مكانته العلمية وإنتاجه الغزير إلا أن المصادر أغفلت الاهتمام ببعض تفاصيل حياته كاهتمامها بمؤلفاته، وترجح الدراسات المتأخرة أن مولده كان سنة 920هـ/ 1514م.

ونشأ عبد الرحمن الأخضري في بيت علم، فهو سليل أسرة علمية أنجبت العديد من العلماء وكان اهتمامها بالعلم والتعليم أحد مميزاتها التي عرفت بها في المنطقة، فكان جده محمد بن عامر عالماً ومتصوفاً يحظى بمكانة لدى سكان القرية، له كتاب في الفتاوى، وشيّد زاوية ظلت تعنى بتدريس أهل قريته، ثم والده محمد الصغير بن محمد بن عامر الذي ألف حاشية لكتاب «سيدي خليل» و«شرح ألفية بن مالك» وله منظومة في التصوف، تحدث فيها عن المدعين الولاية والكرامة ووصفهم بالدجاجلة، وهو الآخر جلس للتدريس في زواية والده.

عبد الرحمن الأخضري

شيوخ الأخضري:-

تتلمذ عبد الرحمن الأخضري بداية على يد والده الذي عني بتعليمه، ثم أخيه الأكبر أحمد في قريته بنطيوس، ثم غادرها كعادة المهتمين بالعلم الشغوفين بالاستزادة فيه، والتحق بحلقات شيوخ الصوفية من أمثال: عبد الرحمن بن لقرون، والشيخ عبد الهادي الفطناسي ببسكرة، ومحمد بن علي الخروبي دفين مدينة الجزائر، وبعدها انتقل إلى قسنطينة ومنها إلى تونس أين درس بجامع الزيتونة، ليعود في الأخير إلى مسقط رأسه بعد اكمال مساره العلمي.

ولم يكن تركيز عبد الرحمن الأخضري منصبا على تعلّم علوم الدينية فحسب، بل اهتم أيضا بالحساب والفلك والمنطق، فقد ظهرت منذ صباه ميوله العلمية دفعته نحو العلوم العقلية التي تتطلب قوة العقل وسلامة الذوق وطول النفس والقدرة على الصبر، خاصة وأن الاهتمام بهذه العلوم كان قليلا في عصره.

عصره:-

عاش عبد الرحمن الأخضري في عصر اتسم بالضعف والانحطاط، فكانت دول المغرب منهكة من الحروب المتوالية فيما بينها، ثم تعرضت للغزو الصليبي الإسباني وسقطت عدة مدن منها يد الاسبان، وكان هذا سببا في قدوم العثمانيين وانضواء الجزائر تحت حكمهم.

كان لهذا الوضع المهتز سياسيا وأمنيا أن يؤثر على الحياة العلمية والثقافية بالبلاد فلحقها التدهور والتردي، ورغم أن بوادر التراجع العلمي كان أسبق من هذه الحال بفترة إلا أنه تعمق أكثر في ظل هذا الضعف، وحتى بعد استقرار الحكم العثماني في الجزائر، إذ لم يكن هؤلاء مهتمين بخدمة العلم، وكان أقصى اجتهاد للعلماء وطلاب العلم كتابة الشروحات والحواشي على مؤلفات أسلافهم، والعناية بكتابة الأذكار والأوراد والمواعظ، وبالمقابل انتشر دعاة التصوف والدروشة فعمّت البدع والخرافات في البلاد، وهي الصفة طبعت العصر واستمرت خلال العهد العثماني كله.

في هذا العصر المتردي عاش عبد الرحمن الأخضري ، وسعى جاهدا لتحريك هذا الركود العلمي والفكري فأعاد للأذهان سنة أسلافه من العلماء الأفذاذ من أمثال: الثعالبي، والسنوسي، والغربيني، وغيرهم، فانكب على التدريس والتأليف وحرص دائما على توجيه طلابه إلى الاهتمام بالعلوم العقلية كاهتمامهم بعلوم الدين، فعلّمهم الفلك، والمنطق، والحساب، والبلاغة، واللغة، والنحو، إلى جانب علوم التوحيد، والفقه، والفرائض، والتصوف.

الأخضري والصوفية:-

إن منهج التصوف عند عبد الرحمن الأخضري كان مختلفا عن علماء ومتصوفة عصره، فلم يكن من الغلاة المدعين الكرامات والخوارق، بل كان متمسكا بالكتاب والسنة، غير ميال للروحانية والغموض بل عقله كان علميا ورياضيا أكثر منه متصوفا، ولهذا وقف بحزم وصرامة منتقدا الأفعال والأقوال البدعية والشركية التي انتشرت في عصره خاصة لدى أتباع الصوفية، فكان يعترض على حلقات الذكر التي تتم بالرقص والغناء، وينبه الناس من الوقوع في ذلك ويحارب البدع بأشكالها وينهى عنها، وما تزال منظومته القدسية شاهدة على رفضه لكل البدع والضلالات المنتشرة في مجتمعه.

لكن بعد وفاته نسبت إليه طريقة وأقيمت على قبره قبة وجعلت له زاوية يزورها المريدون من مختلف الأقطار فزارها العياشي والدرعي وهما من أقطاب التصوف في المغرب الأقصى، وزارها في القرن 12هـ/ 18م الحسين الورثيلاني وأقام عند ضريحه ثلاثة أيام يريد الانخراط فيها وأخذ بركة الشيخ منها. وكان ولاة قسنطينة العثمانيين يعفون الزواية وعائلة الأخضري وأحفاده من الضرائب.

منهج الأخضري في التعليم:-

أوقف عبد الرحمن الأخضري حياته للتعليم والتربية، وقضى جزءاً كبيراً من عمره في التدريس، وادخر له
جهدا لنشره، وطور لذلك منهجا خاصة به.

جعل عبد الرحمن الأخضري من زاوية جده محمد بن عامر مدرسة لتلقين العلوم واعتكف على التدريس
بها. فكان يؤلف الكتب المدرسية -أي المواد المراد تعليمها- بنفسه؛ حيث عمد إلى تنظيم المواد العلمية
بحسب رغبة طلابه، وتلخيص المتون نثرا، وانجاز الشروح لها، وهكذا تكون المادة جاهزة للتلقين، والأمر
نفسه ينطبق على مؤلفاته فكان يقوم بتدريسها وشرحها بنفسه أمام طلبته. وبهذا يعتبر الأخضري من
المعلمين البيداغوجيين في زمنه.

وقد قصده بهدف التعليم طلاب من كل الجهات: وادي ريغ، وقسنطينة ونواحيها، وتفلفال، وبلاد الزاب
وغيرها، ومن تلاميذه الشيخ أبو فارس عبد العزيز بن أحمد بن مسلم الفارسي الذي شرح كتابه «السراج في
علم الفلك».

وفاة الأخضري:

اختلف المؤرخون في تحديد زمن وفاة عبد الرحمن الأخضري فبعض الدراسات ترجح أنه توفي سنة 953هـ/ 1546م، وبذلك يكون قد عاش 33 سنة وهو ما أثار حيرة المؤرخين إذ كيف له أن ينتج ذلك القدر من
المؤلفات في سن صغيرة ومدة قصيرة، أما آخرون فقد رجحوا سنة 1581م تاريخا لوفاته وبالتالي يكون قد
عاش 67 سنة وهذا أقرب للمنطق.

وكانت وفاة الأخضري في منطقة كجال بسطيف، بينما كان يقضي فصل الصيف هناك على عادة أهل
الصحراء الذين كانوا يتنقلون صيفا شمالا نحو التل هروبا من الحرارة الشديدة، ونقل جثمانه إلى مسقط
رأسه في بنطيوس وهناك بنيت على قبره قبة صارت مزارا للعلماء والرحالة من كافة بلاد المغرب.

مؤلفاته:-

ترك عبد الرحمن الأخضري العديد من المؤلفات القيمة يحصيها البعض بـ 20 مؤلفا، والبعض الآخر يقول
بأنها بلغت 30، منها ما هو معروف ومنها ما هو مفقود، وقد تنوعت مؤلفاته وشملت مختلف العلوم والفنون.

وقد لقيت معظم كتبه عناية خاصة من علماء المسلمين، واعتمدت في التدريس في كثير من الزوايا
والمساجد والمعاهد العلمية العريقة، كالأزهر، والزيتونة، والقرويين، بالإضافة إلى المدارس بتلمسان،
والجزائر، وبجاية، وقنسطينة، وبسكرة، وغيرها في البلدان الإسلامية في آسيا.

عبد الرحمن الأخضري

ولعل أشهر مؤلفاته التي ذاع صيتها بين طلاب العلم والمتصوفة هي منظومته «القدسية» تتكون من 345
بيت، وتعالج موضوع التصوف والوعظ والإرشاد الديني والأخلاقي، فتناولت آداب السلوك -أي سلوك أهل
التصوف والمهتمين بشؤون الدين عامة- كما ركزت على فضح المتصوفة الزائفين والمشعودين وأهل البدع والدجالين، وكانت تدرّس في أهم الزوايا والمساجد، واستمرت شهرتها حتى وقت متأخر بين العلماء، ولها
عدة شروح من أهمها شرح الشيخ الحسين الورثيلاني المسمى « الكواكب العرفانية والشوارق الإنسية في
شرح ألفاظ القدسية».

وتليها من حيث الأهمية منظومة «الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون» وجاءت في 249 بيتا. وهي
منظومة في البلاغة، شرحها بنفسه،  تتكون من 249 بيتا، وظهرت لها عدة شروح فيما بعد منها: أحمد
الدمنهوري «حلية اللّب المصون»، ومحمد بن حبيب الله الشنقيطي «إبراز الدّر المصون على الجوهر المكنون».

أما في العلوم العقلية فله منظومة «السلم المرونق» في المنطق، وتتكون من 282 بيت، وقد شرحها بنفسه
لطلبته، كما تكفل بشرحها الكثير من العلماء اللاحقين مثل: الشيخ سعيد قدورة، أحمد الدمنهوري، عبد اللطيف
بن المسبح المرداسي، وغيرهم، وقد طبعت عدة مرات وبعدة شروح وحواشي.

مؤلفاته في الحساب وعلم الفلك

وفي الحساب له منظومة «رسالة في علم الحساب» تتكون من 117 بيتا، وأسلوبها مبسط وواضح ولهذا
حظيت باهتمام المعاهد التعليمية، وطبعت في عدة طبعات منها طبعة القاهرة 1369ه/ 1949م، ضمن
كتاب «مجموع مهمات المتون». وأيضا منظومة «الدرة البيضاء في الحساب والفرائض» وهي منظومة
مطولة من 500 بيت، طبعت عدة مرات أولها طبعة القاهرة سنة 1309ه/ 1891م، وطبعة مشروحة سنة
1325ه/ 1907م، وقام الشيخ محمد الصادق الشطي بشرح قسم الفقه منها وطبع سنة 1355ه/ 1936م،
بهدف تدريسه في جامع الزيتونة.

أما في علم الفلك؛ فله منظومتان: «السراج في علم الفلك»: وهي أولى منظوماته نظمها في سن 17 سنة،
وجاءت في 296 بيتا، شرحها تلميذه عبد العزيز بن أحمد بن مسلم الفارسي، وسحنون بن عثمان
الونشريسي وسماه: «مفيد المحتاج في شرح المنظومة المسماة بالسراج»، طبعت في مصر سنة 1314ه،
وبالثعالبية سنة 1910. ومنظومة «أزهار المطالب في علم الأسطرلاب» وتقع في 322 بيتا، وهي لا تزال
مخطوطة في انتظار تحقيقها من طرف المختصين.

وفي النثر نذكر «مختصر في فقه العبادات» وهو على مذهب الإمام مالك بن أنس، وطبع عدة مرات منها
طبعة الجزائر، وطبعة مصر التي شرحها عبد اللطيف بن المسبح المرداسي القسنطيني (ت 980ه/ 1572م)،
وطبعة صححها وراجعها الشيخ حبيب الله الشنقيطي المالكي.

هذا وقد تكفل الدكتور عبد الرحمن تبرمسين بجمع قصائد ونظم العلامة الأخضري وطبعت عن دار القلم
بعنوان: « ديوان عبد الرحمن الأخضري ».

وفاة عبد الرحمن الأخضري

أهم المراجع:-

• تاريخ الجزائر الثقافي ج1، ص500.
• بوزياني الدراجي، عبد الرحمن الأخضري العالم الصوفي الذي تفوق في عصره، ص10 وما بعدها.
• العقد الجوهري في التعريف بالقطب الشيخ سيدي عبد الرحمن الأخضري ، القاضي أحمد بن داود الأخضري، تحقيق لحسن بن علجية، دار الكتب العلمية، ص13.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى