أعلامانفوجرافيكس

الأبله .. الشاعر البغدادي المجيد

توفي ببغداد وخلَّف ثمانية آلاف دينار، ولم يكن له وارث

الأبله – اسمه ونسبه:

محمد بن بَخْتِيَار بن عبد الله، أبو عبد الله المولَّه الأبله البغدادي، الشاعر المشهور، من شعراء بغداد في القرن الهجري السادس.

قيل له الأبله ؛ لأنه كان فيه طرف بله، وقيل: لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد. وأما المولَّه فلأنه كان يهيم صبابةً وعشقاً، وقد حُرِّفت الكلمة في بعض الكتب فقيل: المولّد.

مكانته الشعرية:

يعتبر الأبله أحد الشعراء المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرِّقَّة، وقد مدح الخلفاء والوزراء، وروى عنه: علي بن نصر الأديب، وأبو الحسن القَطِيْعِيّ المؤرخ.

له ديوان شعر، تميز شعره بعذوبة اللفظ ورقة الأسلوب وبراعة المعاني؛ لذا كان المغنون يأخذون كلماته ويتغنون بها.

من شعره ما أنشده لعماد الدين الكاتب سنة 555هـ:

زار من أحيا بزَوْرته.. والدُّجى في لون طُرَّتِهِ

قمرٌ يثني معانِقُهُ.. بانةً في ثِنْي بُرْدَتِهِ

بتُّ أستجلي المدامَ على.. غِرَّةِ الواشي وغُرَّتِه

يا لها من زَوْرَةٍ قَصُرَتْ.. فأماتتْ طُولَ جَفْوَتِهِ

آه من خصرٍ له وعلى.. رَشْفَةٍ مِنْ بَرْدِ ريقتِه

يا له في الحسنِ مِنْ صنمٍ.. كلُّنا مِنْ جاهليَّتِه

قال شوقي ضيف معقِّباً على هذه الأبيات: “الكلمات مُحكمة، وتكاد تطير عن الشفاه طيراناً؛ لخفتها، والدقة واضحة في تشبيهاته وطبقاته، وأيضاً في مراعاته للنظائر في الكلمات كما في البيتين الأخيرين، وقد جعل محبوبته صنماً يريد أنها معبودة؛ لفتنتها وسحر جمالها، وكأنها أعادت الناس إلى زمن الجاهلية، فكلهم عابد لها مسحور، والكلمات والأبيات مُعدَّة حقاً للغناء، إذ كان أستاذاً في زمنه من أساتذة الأغاني؛ ولذلك كان يتخاطف المغنون والمغنيات غزلياته”.

ومن أبياته التي تتردد على ألسن جميع الناس قوله:

لا يَعرِفُ الشَّوقَ إِلَّا مَنْ يُكابِدُهُ.. وَلا الصَّبابَةَ إِلَّا مَنْ يُعانِيها

ومن أشعار الأبله الغزلية الرقيقة قوله في إحدى القصائد:

دَعْنِي أُكابِدُ لَوْعَتي وأُعَاني.. أَيْنَ الطَّليقُ مِنَ الأسيرِ العاني

آلَيْتُ لَا أدْعُ الملام يغرُّني.. مِنْ بعدِ مَا أَخذَ الغرامُ عناني

أولا تروضُ العاذلاتُ وَقَدْ أرى.. روضاتِ حُسْنٍ فِي خدودٍ حِسان

يَا برقُ إنْ تجف العقيق فطالما.. أغنته عَنْك سحائب الأجفان

هَيْهَات أَن أنسى رباك ووقفة.. فِيهَا أُغيرُ بِهَا على الغيران

وله شعر في رجلٍ كفل يتيماً:

يا ذا الَّذي كَفَلَ اليتيـ.. ـمَ وقَصْدُه كِفْلُ اليتيمِ

إِنْ كُنْتَ تَطْمَعُ في النَّعيـ.. ــــمِ فَقَدْ حَصَلْتَ على الجحيمِ

ومن شعره المتسم بالحكمة والتفكُّر والتأمُّل:

ألا تبا لدنيا نرتجيها.. لقد خابت وخاب المجتديها

متى انتبهت وقد رقدت خداعا.. فلم تحمل بيقظتها نبيها

سل الأيام ما فعلت بكسرى.. وقيصر والصور وساكنيها

أما امتدعتهم للموت طرّا.. فلم تدع الحليم ولا السفيها

دنت نحو الدني بسهم خطب.. فأصمته ووادهت الوجيها

أما لو بيعت الدنيا بفلس.. أنفت لعال أن يشتريها

لقد وأدت بنيها واستباحت.. حمى الباني لها والمبتنيها

يقينا قلت ما فيها كأني.. حكيت مقالها عنها بفيها

ومما هالنا شمس أهالت.. عليها الترب أيدي دافنيها

قضت فتجلت الحور ابتهاجا.. وزينت الجنان لتجتليها

ولا والله لم تكتب عليها.. سوى الحسنى أنامل كاتبيها

أحالت حالها غير الليالي.. وآيتست الأواسي عائديها

فيا أرض افخري ما شئت عجبا.. بها وتخايلي عجبا وتيها

فقد سكنتك أعرف ذات خدر.. بإسداء العوارف فاعرفيها

فلو قدرت تسير بنات نعش.. بنعش كن بعض الحامليها

لقد أودى العفاف غداة أودت.. وصار اليأس آية معتفيها

سقى جدثا أقامت فيه خود.. مة مثل جود يدي أبيها

شيطان يُعلِّمُه الشعر:

حُكِيَ أن الشاعر الأبله كان له قرين ينظم له الشعر، فمدح مرةً ابن الدَّوَامِي في قصيدة، فلما أنهاها قال له ابن الدَّوَامِي: يا حجة العرب، هذه القصيدة لك؟ فقال: نعم. فصاح صائح من داخل البستان: يكذب، ما هي له. فخاف ابن الدَّوَامِي وغلمانه، وقاموا إلى الباب وهو مغلق، فطافوا البستان، فلم يروا أحداً، فعادوا وجلسوا، فقال له ابن الدَّوَامِي: أنشدنا أخرى، وأنشده، فقال له: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب، ما هي له. فقاموا وفتَّشوا، فلم يروا أحداً، فقال: أنشدنا أخرى، فأنشده ثالثة، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب، ما هي له، فقال له الأبله: فخبِّرْه ما هي لي، فلِمَن هي؟ فقال: لي. قال: ومن أنت؟ قال: شيطانك الذي أُعلِّمك قول الشعر، فقال له: صدقت، والله يحفظك عليَّ، ولا يُفرِّق بيني وبينك.

وقد قال أبو الدر الرومي الشاعر: “مرض الأبله فعدته، فقال: ما بقيت أقدر أنظم، قلت: فما سببه؟ قال: مات تابعي”.

استدل البعض على صحة هذه الحكاية بقول الأبله :

إنِّي وكلُّ شاعرٍ مِنَ البَشَرْ.. شيطانُهُ أُنثى وشيطاني ذكرْ

أقوال العلماء فيه:

قال الذهبي: “شاب ظريف، وشاعر مُفْلِقٌ، بزِيِّ الجند”، وقال أيضاً: “كان شاباً ظريفاً، مُتَهَجِّداً، رائق النظم، وديوانه مشهور”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

وقال عماد الدين الكاتب عن الشاعر الأبله : “شاب ظريف، يتزيى بزيِّ الجند، رقيق أسلوب الشعر، حلو الصناعة، رائق البراعة، عذب اللفظ، أرق من النسيم. وكل ما ينظمه، ولو أنه يسير، يسير، والمغنون يغنون برائقات أبياته مؤثرين لها عن أصوات أغاني القدماء، فهم يتهافتون على نظمه المطرب، تهافت الطير الحوَّم على عذب المشرب”.

وقال سِبْط ابن الجوزي عن الشاعر الأبله : “كان خبيثَ اللِّسان، هَجَّاءً، هجا أباه وأمه وأخاه”.

وفاة الشاعر الأبله :

توفي الشاعر الأبله في بغداد، في شهر جمادى الآخرة، سنة 579هـ، وقيل سنة 580هـ، ولم يبلغ الستين، ودُفِنَ في باب أبرز محاذي التاجية، وخلَّف ثمانية آلاف دينار، ولم يكن له وارث.

بغداد عام 1932 وهي المدينة التي توفي أبو إسحاق الزجاج فيها
بغداد عام 1932 – مكتبة الكونغرس

اقرأ أيضاً كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:

  • الأعلام (6/50).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (5/386).
  • سير أعلام النبلاء (21/132/رقم 66).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/437).
  • العبر في خبر من غبر (3/78).
  • مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (21/298).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (6/95).
  • الوافي بالوفيات (2/176).
  • وفيات الأعيان (4/463/رقم 679).

https://www.almrsal.com/post/623626

Image by pastorblakewagner0 from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى