أخبار العرب

عبيد بن الأبرص والشجاع

الجمحي وضع ابن الأبرص في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، واصفاً إياه بـ"قليل الشعر في أيدي الناس، على قِدَمِ ذكره وعظيم شهرته"

روُيَ أن الشَّاعر الجاهلي الكبير عَبيد بن الأبرص قال: خرجتُ في ركبٍ معي نطلب الحَج إلى بيت الله الحرام، فبينا نحنُ نسير إذ بشُجاعٍ (الحيَّة أو الذَّكر منها) قد أدْلى لسانَه، وهو يجودُ بنفسه من شدَّة العطش، فقُلتُ لأصحابي: ما منكم من بَطَل شجاع ينزلُ إلى هذا الشُّجاع فيسقيه شربةً من الماء؟، فقالوا: يا ابن الأبرص، تُشير علينا أن ننزل في موضع ليس فيه ماء ونسقي ماءنا لحيَّةٍ؟ ولا نعلم ما يكونُ منه!.

فقُلْتُ: والله لاَنزِلَ إليه غيري، فأخذتُ الإداوة بشمالي والسيفَ بيميني، وقُلت: إن كان من أمره شيءٌ عارضته بسيفي، ثم دنوتُ منه وأنا أقول:

يا أيُّهـا الشَّخص الذي نرهبه .. فليس منا من شجاع يقربـهُ

دونَك هذا المـاء منا نشربه .. ومـا بقي منه عليكَ نسكبهُ

نرجو بذاك موقفاً قد نطلبـه

ثم دنوتُ (عُبيد) منه فصَبَبْتُ الإداوة في فيه (فمه) حتى رَويَ، وصَبَبْتُ الباقي عليه، فانساب عنا، فلم نَرَ لهُ أثراً، ولم نعرِف له خَبَراً.

فقضينا حجَّنا، ثم رجعنا إلى ذلك الموضِع، فنمنا فيه، فانتبه أصحابي، فشدَّوا وركبوا وظَنُّوني معهم، فانتبهتُ في شيء من الليل، فلم أرَ لأصحابي خَبراً، ولا لبكري أثراً، وقد ألحق بهم بكري، فرفعتُ طرْفي إلى السَّماء، فقلت: اللهم كما خلفتني في هذا الموضِع؛ فكُنْ خليفتي على عيالي، فبينا أنا كذلك إذ بهاتفٍ من خلفي وهو يقول:

يا أيها الشَّخص المضلُ مركبه .. ما حولـه من ذي رشاد يعجِبُهُ

دونكَ هذا البكر منا تركبـه ..وبكرك الآخر أيضـاً تجنبـهُ

حتَّى إذا الليل تجلَّى غيهبُهُ .. وانحطَّت الجوزا ولاحَ كوكبُـهُ

فحلَّ عنه رَحْـلَهُ وسيَّبهُ .. فأنتَ محمود لنـا ومصحبهُ

قال عبيد: فالتفتُّ فإذا ببكرٍ إلى جَنْبِيَ وبَكْري معه، فجعلتُ رَحْل بكري على ذلك البكر، وركبتُه، حتى إذا صرتُ إلى دِيار قومي؛ جعلتُ رَحْل بكري على بكري، وضربتُ بيديّ على سنامِه، وأنشأتُ أقول:

يا صاحبِ البَكْر قد نجيَّت من كربٍ .. ومن فيافٍ المدلج الهادي

ناشدتُكَ الله إلَّا ما أبَنْتَ لنـا .. من الذي جادَ بالمعروف في الوادي

وأرجع حميداً فقد بلَّغْت مأمننـا .. بُوركْت منْ سنامٍ رائحٍ غادِي

فأجابه الهاتف وهو يقول:

أنا الشُّجـاعُ الذي ألفيْتَه رمضاً .. في رملةٍ دكدَاك وأعقادِ

فَجُدْتَ بالمــاء الذي ضَنَّ حامِـلُهُ .. جوداً عليَّ ولم تهمم بأنكادِ

هذا جزاؤك مِنّي لا أَمُنُّ بهِ .. فارجِعْ حميداً رعـاكَ الله من غادي

الخيرُ أبقى وإنْ طـالَ الزَّمـانُ به .. والشَّرُ أخبتُ ما أوعيتَ من زادِ

عبيد بن الأبرص في سطور:-

عبيد بن الأبرص بن عوف بن جُشَم بن عامر، أبو زياد الأسدي، شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، ويعتبر أحد أصحاب «المجمهرات»، والتي هي عبارة عن سبع قصائد تأتي في الطبقة الثانية بعد المعلقات.

ويقول شارح ديوان ابن الأبرص، شرف أحمد عدرة عن الشاعر الجاهلي الكبير: “كان فارساً شجاعاً، وسيداً من سادات قومه من بني أسد، وقد عاش شجونهم وشؤونهم، وكان شاعرهم دون منازع، والناطق باسمهم، والمُشيد بمآثرهم، ورسولهم إلى الملوك وسادات القوم، والهاجي لخصومهم”.

ويزيد، “تميز عبيد برجاحة العقل وحصافة الرأي، وبعد النظر، والخبرة والدراسة وتدبُّر الأمور ومعالجتها”.

ابن سلَّام الجمحي قام بوضع ابن الأبرص في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، واصفاً إياه بـ”قليل الشعر في أيدي الناس، على قِدَمِ ذكره وعظيم شهرته”.

عمَّر طويلاً حتى قتله النعمان بن المنذر سنة 25ق.هـ الموافق 600م، وقد وفد عليه في يوم بؤسه، في القصة الشهيرة.

المصدر:-

جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى