علماء وفلاسفة

الآبلي .. شيخ العلوم العقلية والنقلية في عصره

قال المقري عنه: "هو الإمام نسيج وحده ، ورحلة وقته في القيام على الفنون المعقولية، وإدراكها ".

من هو محمد بن أحمد الآبلي ؟

هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد العبدري التلمساني، عُرِف بالآبلي، الإمام العلامة العمدة المحصل الفقيه الفهامة ، الشيخ الفاضل.

ولد بمدينة تلمسان عام (681هـ – 1282م) ، وأصله أندلسي من مدينة آبلة Avilla في الشمال الغربي لمدينة مدريد.

يعتبر من أشهر علماء المغرب الأوسط ، وأحد أساتذة ابن خلدون ولسان الدين بن الخطيب.

الآبلي أستاذ ابن خلدون
مؤسس علم الاجتماع – ابن خلدون

نشأته:-

كان أبوه إبراهيم، وعمه أحمد قد هاجرا من قرية أبله، ببلاد الجوف شمال غرب مقاطعة مجريط (مدريد) بالأندلس إلى تلمسان، واشتغلا جنديين في جيش الأمير يغمراسن الزياني ، وعمل إبراهيم قائداً لحماية مرفأ هنين شمال تلمسان ، وتزوج من ابنة قاضي تلمسان أبي الحسن محمد بن غلبون، وأنجب ولده هذا محمد الذي اشتهر بلقب ” الآبلي ” .

فنشأ الطفل في كفالة جده القاضي، فحبب إليه العلم والعلماء، ورغبه فيه، فمال إلى انتحال العلم، مُعرضاً عن وظيفة الجندية التي كان عليها والده، فبرع في فنون الحكمة والتعاليم من إلهيات، ورياضيات، وطبيعيات ، واشتغل بالمعقولات فكان فيها أوحد زمانه، وعالم عصره، عكف الناس عليه وهو لا يزال في سن المراهقة.

نبوغه وطلبه للعلم:-

عوامل كثيرة جعلت علامتنا محمد بن أحمد الآبلي يختص في العلوم العقلية أكثر من غيرها. فانكب على الدراسة، وتحصيل العلم على علماء تلمسان الأجلاء الفضلاء، واظهر تفوقا في العلوم المنقولة ، والمعقولة، خاصة الفلسفة ، التوحيد، وما وراء الطبيعة، وعلم الحساب، فدرس المنطق وعلم الأصول على أبي موسى وعيسى بن الإمام ، وعلم الشريعة على جده ابن غلبون، ودرس علوم أخرى على أبي الحسن التنسي.

أظهر عالمنا مقدرة فائقة في فهم العلوم والمعارف التي درسها على هؤلاء الشيوخ، فقال تلميذه العلامة المقري: “هو الإمام نسيج وحده ، ورحلة وقته في القيام على الفنون المعقولية، وإدراكها “، ويذكره صاحب الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، أنه “الإمام المجمع على إمامته، أعلم خلق الله بفنون المعقول”.

مدينة تلمسان العريقة - الصورة تعود للعام 1860 م حيث ولد الآبلي
مدينة تلمسان العريقة – الصورة تعود للعام 1860 م

أخلاقُه:-

كان الآبلي على حد تعبير المقري من العلماء الذين يفرون من السلاطين وهم يطلبونهم، فقد فرّ الآبلي من السلطان يوسف المريني ثم من السلطان أبي حمو موسى العبد الوادي ذلك لأنهما رغبا في إستغلال مهاراته وكفاءته لمصلحة السلطة. وإذا كان قد لازم مجلس أبي الحسن المريني وابنه أبي عنان فلأنهما مكناه من القيام لما كان يرغب فيه، من تبليغ المعرفة لمن يرغب فيها.

لقد آمن الآبلي بأن للعَالِم رسالة هو مرغم على تأديتها تأدية كاملة لجيله، رسالة من شأنها إبقاء شعلة العلم قائمة ومضيئة. ولتنفيذ خطته انصب اهتمامه على التعليم، فالتعليم في نظره وفي نظر العديد من العلماء المسلمين السابقين عنه والآحقين به هو أنجع وسيلة لتأدية الرسالة المنوطة بالعلماء.

 تلاميذ الآبلي:-

يعد الآبلي من أكثر رجال عصره نبوغاً في التعاليم، وقد ساهم مساهمة كبيرة في تكوين جيل من العلماء الكبار في المغرب جعلوا جمهورا كبيرا من الفقهاء يذكرونه ، ويثنون عليه بأنه علامة زمانه، وموسوعة في شتى العلوم العقلية والنقلية، وهذا ما نجده في المصادر والتراجم التي تعرضت لهؤلاء العلماء والمفكرين الذين ساهموا بدور كبير في ازدهار الحركة الفكرية بتلمسان في العهد الزياني، فمن تلاميذه، العلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي ، وأخوه يحيى صاحب كتاب بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، وقد بلغت شهرته مبلغا عظيماً، حيث عني الباحثون بدراسة إنتاجه الفكري عناية كبری، وقد مكث في بلاط تلمسان إلى أن قُتِل بها في رمضان سنة 780هـ .

والجدير بالملاحظة أن الآبلي كان يمتاز من بين أساتذة يحيى بن خلدون بشخصية قوية، ويتمتع بتقدير عظيم من تلاميذه ، فكان يعتبر مثالا للعالم الكامل لما اختص به من تجربة غنية، وذكاء مفرط . ومن بين الذين تتلمذوا على يد علامتنا أيضا، وأخذوا عنه العلم والمعرفة هو الفقيه العالم محمد بن الصباغ المكناسي ، والعلامة الشريف التلمساني ، الذي تذكره جل المصادر المهتمة بدولة بني زيان ، وتنوه بعلمه في الكثير من المجالات الفكرية، والعلمية، وابن عباد محمد بن إبراهيم بن عبد المالك، عرف بالنفزي الرندي، وكان فقيها خطيباً، بليغاً.

رحلات الآبلي:-

رحل علامتنا في آخر المائة السابعة، فدخل مصر، والشام، والحجاز ، والعراق ، لا لشيء سوى الاستزادة من مختلف العلوم، والمعرفة ، ومجالسة العلماء، والفقهاء الأجلة، سواء في تلمسان، أو خارجها، إذ كان  كثير السفر والتنقل من مكان إلى آخر، هارباً من إصرار السلاطين على تعيينه في مهام لا يرون غيره يصلح لها، فتجده يتمنع، بإحيائه لحلقات الدرس، والتفاف الطلبة حوله، لا لغاية سوى العلم والمعرفة ، وحين تقوم بقراءة أي مرجع تاريخي، أو مصدر يشير إلى هذا العالم الكبير، الذي لم ينل حقه في الدراسات التاريخية ، تجد المعلومات ضئيلة، وشحيحة حول شخصه، ومشواره الفكري.

تنقل في بلاد الله الواسعة

وقد ساهمت رحلات شيخنا الآبلي، سواء بتلمسان وحواضرها، أو في بلاد الإسلام والمسلمين في تكوين شخصية فكرية كبيرة ، جعلته محل احترام وثقة لدى الكثير من طلاب العلم، والمعرفة في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ دولة بني زيان.

أقوال العلماء فيه :-

وُصف الآبلي مراراً بالرجل الفطن، كثير الإطلاع والحفظ، والبارع في حل الألغاز. وقد نال ثناءً كثيرا من قبل معاصريه والآحقين له من العلماء.

  • ويذكر عبد الرحمن الجيلالي أن يحيى بن خلدون قال في الثناء على الآبلي : ” إني لا أعرف بالمغرب وإفريقية فقيها كبيراً إلا وله عليه مشيخة “.
  • وقال عنه العلامة ابن مرزوق : ” شيخ المغرب في العلوم العقلية وإمام وقته”.
  • كما وصفه تلميذه عبد الرحمن بن خلدون في كتابه لباب المحصل في علوم الدين، بقوله : ” هو سيدنا ومولانا الإمام الكبير ، العالم العلامة فخر الدنيا والدین، حجة الإسلام والمسلمين، غیاث النفوس … رضي الله عن مقامه ، وأوزعني شكر نعامه، شيخ الجلالة وإمامها، ومبدأ المعارف وختامها .. أفاض علينا سيب علومه، وحلانا بمنثور دره ومنظومه”.
ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع
  • ويقول المستشرق الفرنسي جاك بيرك (توفي عام 1995 م): “إنَّه لوجه غريب هذا الآبلي، هذا المُعلِّم الرَّحَّالة الذي يُبدي بين أونةٍ وأُخرى من الشُّذُوذ الفكري تعمُّقاً في الحسابات الإقليدية وفي الفقه وفي المجاهدة الصُّوفية، وهو في الوقت ذاته؛ ينزِعُ نزعةً عقلية حُرَّةً في الثَّورة ضِدَّ الخُنوع الفكري الذي كان سائداً في المؤسَّسات العلمية في زمانه، حيثُ كانت تتراكم كُتُبُ الشُّرُوح والتَّفاسير والهوامش التي كانت كالغذاء المتعفِّن وسُبَّة لا تُغتَفَر ضِدَّ الفِكر”.

مؤلفاته:-

من المؤسف انه لم يصلنا من آثار هذا العالم النجيب مؤلف أو رسالة، ليس بفعل عامل الزمن وإنما لكون الآبلي لم يصنف في علم من العلوم التي كان يتقنها، لأن أسلوبه التبليغي لا يساعد على التقيد، فهو لا يملي الدرس، ويرفض أن يقاطع أثناء الأداء. كما قد يكون ذلك راجع إلى اقتناعه بنظرته المتمثلة في أنَّ فساد العلم كثرة التآليف والمختصرات، حيث كان يقول: “إنما أفسد العلم كثرةُ التواليف، وإنما أذهبه بنيان المدارس”.

وهكذا يمكن لذي بصر نافد أن يستشف بصمات الآبلي في مؤلفات بعض تلاميذه من العلماء الأجلاء، كعبد الرحمن بن خلدون.

وفاة الآبلي:-

توفي محمد بن أحمد الآبلي بعد عمر من طلب العلم ونشر المعرفة، في فاس سنة 757هـ- 1356م.

الإدريسي واصفاً فاس التي توفي فيها الآبلي
الإدريسي واصفاً فاس التي توفي فيها الآبلي

المصادر:-

  • ابن مريم: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان.
  • عبد الرحمن بن محمد الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج2.
  • هادي جلول: الشيخ الآبلي التلمساني، جامعة حسيبة.
  • عادل نويهض: أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر.
  • علي الوردي، منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته.

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى