أعلام

ابن هشام الأنصاري .. اللغوي النحوي الشاعر الفقيه

وَمَنْ لَا يذل النَّفسَ فِي طلبِ الْعُلَا يَسِيراً يَعش دهراً طَويلاً أَخا ذلِّ

اسمه ونشأته:-

ابن هشام هو أبو محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري.

ولد ابن هشام الأنصاري بالقاهرة يوم السبت الموافق الخامس من شهر ذي القعدة في العام الثامن من القرن الثامن سنة (708) هجرية.

نشأ ابن هشام في القاهرة، وكان يحكمها وقتذاك الناصر محمد بن قلاوون، وكانت طبيعة الحكم في القاهرة في تلك الفترة، هي الصراعات والتكالب على السلطة، ولقد استطاع الناصر القضاء على خصومه، والفوز والانفراد بالسلطة، محاولاً توطيد العدالة والأمن والاستقرار، حتى أصبحت القاهرة في عهده محط الأنظار، يأتي إليها الطلبة من كل حدب وصوب، ليرتشفوا منها مناهل العلم والأدب بعد أن تركت بغداد حمل اللواء وتخلت عن مسؤوليتها أمام العالمين الإسلامي والعربي، وذلك بسبب غزو المغول لها سنة 656 هـ، أضف إلى ذلك تشجيع الحكام في هذا العصر على طلب العلم والثقافة واهتمامهم بالعلم والعلماء.

أصبحت القاهرة مقصداً للعلماء والأدباء

ولقد نشأ ابن هشام في هذا العصر فطفق يرتشف العلم من الرواد الأوائل الذين أخذ عنهم، فالبيئة إذاً عامل مهم في تقويم الشخص وتوجيهه ودراسته، ولقد ساعدت البيئة ابن هشام: فنهل العلم من موارده العذبة، ونجح وبرع أيَّما براعة.

مكانة ابن هشام الأنصاري العلمية:-

لزم الشهاب عبد اللطيف بن الـمُرَحِّل، وتلا على ابن السراج، وسمع على أبي حيان ديوان زهير بن أبي سلمى، ولم يلازمه ولم يقرأ عليه، وحضر دروس التاج التِّبْرِيزيِّ، وقرأ على التاج الفاكهاني «شرح الإشارة» له إلا الورقة الأخيرة، وتفقه للشافعي، ثم تحنبل، فحفظ مختصر الخِرْقِي في دون أربعة أشهر؛ وذلك قبل موته بخمس سنين، وأتقن العربية ففاق الأقران بل الشيوخ، وحدث عن ابن جماعة بالشاطبية، وتخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم.

كان ابن هشام متعمقاً في كلا المذهبين (الشافعي والحنبلي)، وامتاز بالتواضع والبر والشفقة ودماثة الخلق ورقة القلب فضلًا عن دينه، وعفته، وحسن سيرته، واستقامته، وكان إلى ذلك صبوراً في طلب العلم مداوِماً عليه حتى آخر حياته، وله شعر منه هذه الأبيات:

وَمَنْ يصطبـرْ للعلـمِ يظفـرْ بنيلِـهِ .. وَمَـنْ يخْطبِ الْحَسْنَاءَ يصبرْ على الْبَذْلِ

وَمَنْ لَا يذل النَّفسَ فِي طلبِ الْعُلَا .. يَسِيراً يَعش دهراً طَويلاً أَخا ذلِّ

وهكذا كان ابن هشام متنوع المشارب يُعد بحق أمة في علمه وفضله، لذا فقد عُين مدرساً لعلم التفسير بالقبة المنصورية في القاهرة، ثم مدرساً للفقه الحنبلي بالمدرسة الحنبلية بالقاهرة نفسها، ولقد تعلَّم عليه أعداد غفيرة من الطلبة من هنا وهناك.

ابن بطوطة يصف القاهرة

شيوخه:-

لقد وفرت تلك البيئة التي نشأ فيها ابن هشام شيوخاً أفاضل، ومن هؤلاء الشيوخ:

  1. عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري تاج الدين الفاكهاني النحوي، كان ماهراً بالعربية والفنون، قرأ عليه ابن هشام كتابه (الإشارة) في النحو إلا الورقة الأخيرة، وكانت وفاته عام (731هـ).
  2. محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموي الشافعي بدر الدين أبو عبد الله، أخذ عنه ابن هشام علم الحديث، ثم حدث عنه بالشاطبية، وكانت وفاته عام (733هـ).
  3. عبد اللطيف بن عبد العزيز بن يوسف، الحراني الأصل، الشافعي النحوي، شهاب الدين أبو الفرج المعروف بابن المرحَّل، وكان بارعاً في النحو واللغة والمعاني والبيان والقراءات، وكانت وفاته عام 744 هـ بالقاهرة، وأخذ عنه ابن هشام ولازمه وكان يحبه ويمدحه ويفضله على أبي حيان.
  4. علي بن عبد الله بن أبي الحسن تاج الدين التبريزي، كان عالماً كبيراً مشهوراً في الفقه والعربية والمعقول والحساب، أخذ عنه ابن هشام علم الجرح والتعديل، وتوفي سنة 746هـ بالقاهرة.
  5. محمد بن محمد بن محمد بن نمير شمس الدين بن السراج الكاتب المجود المقرئ، أخذ عنه ابن هشام علم القراءات، فلما بلغ غايته فيه بدأ يتلو على أستاذه، ليتقن صناعة هذا العلم الذي سيكون بعدئذ من مكونات شخصية ابن هشام المهمة، ولقد توفي ابن السراج سنة 747 هـ.
  6. أبو حيان النحوي، الذي سمع منه ابن هشام ديوان زهير بن أبي سلمى، وشرح له كتابه: “اللمحة البدرية في علم اللغة العربية”، وكانت وفاة أبي حيان سنة 745هـ.

ابن هشام الأنصاري – تلاميذه:-

لقد برع ابن هشام وذاع صيته، وجاءه القاصي والداني من طلبة العلم المحبين له، ليأخذوا عنه وينهلوا من معينه الذي لا ينضب، ومن أشهر هؤلاء التلاميذ:

  1. جلال بن أحمد بن يوسف المعروف بالتباني، أخذ العربية عن ابن هشام وغيره وتوفي سنة 793هـ.
  2. محمد بن نصر الله بدر الدين الدمشقي النحوي، لزم ابن هشام وأخذ عنه العربية ومهر فيها، توفي سنة 794هـ.
  3. إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن يحيى بن أحمد اللخمي الشافعي أيضاً، أخذ العربية عن ابن هشام، وتوفي سنة 796هـ.
  4. إبراهيم بن محمد بن عثمان بن إسحاق الدجوي المصري النحوي، أخذ عن ابن هشام وغيره ومهر في العربية، وتوفي سنة 830هـ.
  5. عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرح بن عبد الله الشرف أبو محمد المقدسي الصالحي الحنبلي، توفي سنة 834هـ، أجاز له ابن هشام … إلخ تلامذته الكثيرين.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال عنه ابن خلدون: “ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالمٌ بالعربية، يقال له ابن هشام، أنحى من سيبويه“.
  • يقول عنه ابن حجر في الدرر الكامنة: “لقد اشتهر في حياته، وأقبل الناس عليه، وتصدر لنفع الطالبين، وانفرد بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة والاستدراكات العجيبة والتحقيق البالغ والاطلاع المفرط، والاقتدار على التصرف في الكلام، والملكة التي كان يتمكن بها من التعبير عن مقصوده بما يريد مسهباً موجزاً، مع التواضع واليسر والشفقة ودماثة الخلق ورقة القلب، إنها لعمري سمات العلماء الذين بارك الله في أعمالهم ومآثرهم”.
شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني الإمام الحافظ المؤرخ الكبير، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، وحفظ القرآن في التاسعة من عمره، وأجاد بسائط الفقه والنحو...
شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني الإمام الحافظ المؤرخ الكبير، ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، وحفظ القرآن في التاسعة من عمره، وأجاد بسائط الفقه والنحو…

ابن هشام الأنصاري – المؤلفات:-

ومؤلفات ابن هشام عديدة، وتنقسم إلى قسمين:

الأول: مؤلفات موجودة:

والثاني: مؤلفات مفقودة.

ويتفرع القسم الموجود إلى فرعين

الأول: مؤلفات متحقق من نسبتها لاين هشام.

والثاني: مؤلفات مشكوك في نسبتها له.

ويتفرع القسم المتحقق من نسبته إلى: كتب، ومسائل، ورسائل صغيرة.

فأما الكتب فهي:

  1. الإعراب عن قواعد الإعراب.
  2. الألغاز النحوية.
  3. أوضح المسالك.
  4. تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد.
  5. الجامع الصغير.
  6. حواش على الألفية.
  7. شذور الذهب وشرحه.
  8. شرح جمل الزجاجي.
  9. شرح قصيدة بانت سعاد.
  10. شرح اللمحة البدرية في علم العربية.
  11. قطر الندى وبل الصدى وشرحه.
  12. مغني اللبيب.
  13. موقد الأذهاب وموقظ الوسنان.
  14. نزهة الطرف في علم الصرف.
  15. نبذة الإعراب.

وأما المسائل والرسائل الصغيرة، فهي:

  1. رسالة في إعراب بعض الألفاظ (لغة واصطلاحاً وخلافاً وأيضاً وهلم جرا).
  2. رسالة (فوح الشذا في مسألة كذا).
  3. رسالة في (حقيقة الاستفهام).
  4. رسالة في (المباحث المرضية المتعلقة بمن الشرطية).
  5. رسالة في إعراب (لا إله إلا الله).
  6. رسالة في إعراب قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً).
  7. رسالة في قوله “إني أحمد الله”.
  8. رسالة في قوله تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله).
  9. رسالة في (الاشتغال).
  10. رسالة في قوله صلى الله عليه وسلم “لا يقتل مسلم بكافر”.
  11. رسالة: (كأنك في الدنيا لم تزل وبالآخرة لم تكن).
  12. رسالة: اعتراض الشرط على الشرط.
  13. رسالة (والله لا كلمت زيداً ولا عمراً).
  14. رسالة في الكلام في (إنَّما).
  15. رسالة في التنازع.
  16. رسالة: ما الحكمة في تذكير (قريب) من قوله تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين).
  17. رسالة في قوله تعالى: (وقيله يا رب إن … )
  18. رسالة في قوله: (أنت أعلم ومالك).
  19. رسالة في إعراب “خير” في قول جابر رضي الله عنه ” وخير منك”، موجودة في الأشباه والنظائر.
  20. رسالة في تصغير وزنة (يحيى). موجودة في الأشباه والنظائر.
  21. رسالة في الموقوف عليه والمبدوء به. موجودة في الأشباه والنظائر.
  22. رسالة في العرض والتحضيض. موجودة في الأشباه والنظائر.
  23. رسالة في معنى (علمت) بمعنى (عرفت)، موجودة في الأشباه والنظائر.
  24. رسالة في إعراب (صالحاً) من قوله تعالى (واعملوا صالحاً). موجودة في الأشباه والنظائر.
  25. شرح القصيدة اللغزية. موجودة في الأشباه والنظائر.
  26. المسائل السفرية.

أما المؤلفات المشكوك في نسبتها لابن هشام فهي:

  1. حاشية على التوضيح.
  2. رسالة في (أسماء خيل السباق).
  3. رسالة في (كاد وأخواتها).
  4. رسالة (مطالع السرور بين مقرر القطر والشذور)، وعنوانه الصحيح: مطالع البدور.
  5. الروضة الأدبية في شواهد علوم العربية.
  6. مختصر الانتصاف من الكشاف.
  7. معاني الحروف في النحو.

وأما عن المؤلفات المفقودة فهي:

  1. التحصيل والتفصيل.
  2. التذكرة.
  3. تعاليق ابن هشام على الألفية.
  4. التيجان.
  5. الجامع الكبير.
  6. حاشية على مغني اللبيب.
  7. حواش على التسهيل.
  8. رفع الخصاصة عن قراءة الخلاصة.
  9. رسالة أحكام (لو) و(حتى).
  10. شرح البردة.
  11. شرح اللب.
  12. شرح التسهيل.
  13. شرح شوارد الملح وموارد المنح.
  14. شرح السيرة.
  15. شرح مقصورة ابن دريد.
  16. شرح شواهد المغني.
  17. شرح (شرح المفصل).
  18. عمدة الطالب في شرح تصريف ابن الحاجب.
  19. غاية الإحسان في علم اللسان.
  20. القواعد الصغرى.
  21. القواد الكبرى.
  22. كفاية التعريف في علم التصريف.

ابن هشام الأنصاري – نهاية مسيرة:-

بعد حياة حافلة بالعلم دراسة وتدريساً وتأليفاً، وبعد عمر ناهز ثلاثة وخمسين عاماً؛ لبى ابن هشام نداء ربه في ليلة الجمعة الخامس من ذي القعدة سنة (761)، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر في القاهرة، ولقد رثاه ابن نباتة، فقال:

سقي ابن هشام في الثرى نور رحمة .. تجر على مثواه ذيل غمام

سأروي لــه من سيرة المـــــدح سنداً .. فما زلت أروي سيرة ابن هشام

ورثاه ابن الصاحب بدر الدين فقال:

تهن جمال الدين بالخـُـــــــلد إنني .. لفقدك عيشي ترحة ونكال

فـــما لــدروس غبت عنـــــها طـلاوة .. ولا لزمان لست فيه جمال

المصادر:

  • الأعلام للزركلي (4/147).
  • البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (1/400/رقم 184).
  • الدرر الكامنة في أعيان المائة لابن حجر العسقلاني (ت852هـ) 2/415_417.
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 10/336.
  • بغية الوعاة للسيوطي.
  • حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة 1/439.
  •  مفتاح السعادة لطاش كبرى زادة 1/198_200.
  • كشف الظنون لحاجي خليفة 2/1751_1754.
  • شذرات الذهب لابن العماد 6/191_192.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى