أعلام

ابن هانئ الأندلسي … متنبي الغرب

 من هو ابن هانئ الأندلسي ؟

هو أبو القاسم محمد بن هانئ بن سعدون، ونسبه يتصل بحاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، شاعرٌ أندلسيٌّ مرموق، جارى شعراء المشرق الفحول بموهبته الشعرية اللافتة للأنظار، حتى لُقّب بمتنبي الغرب؛ فقد كان مُعاصرًا للمتنبي، وكان يُعتبر أشعرَ المغاربة.

وُلد ابن هانئ بإشبيلية سنة 326 هـ – 938م، فقد هاجر أبوه من إفريقية- تونس حاليًا- إلى الأندلس، واستقرّ بإشبيلية حيث وُلد ونشأ ابن هانئ الأندلسي، وتعلّم فنون الشّعر واللغة والأدب، وسطعت شمس نبوغه منذ صباه، فاستطاع أن يستقطبَ اهتمامَ حاكم إشبيلية آنذاك، فأُعجب بموهبته الشعرية، وحظى عنده منزلة متميزة.

ابن هانئ الأندلسي والنزعة الإسماعيلية:-

ظلّ ابن هانئ الأندلسي متصلًا بحاكم إشبيلية، حتى بلغ 27 سنة، فذاع صيته وبلغت أشعاره الآفاق، التي اتسمت بملامح المذهب الفلسفي، وطغت عليها العَقيدة الشيعية، فأشارت إليه أصابع الاتهام بأن شعره يطغى عليه النزعة الإسماعيلية، والإسماعيلية هي جماعة شيعية اتبعت إمامًا لهم اسمه إسماعيل بن جعفر، فانزعج سكان إشبيلية، وبدأت الأقاويل تَطال الحاكم نفسه بأنه لا يترفع عن الشبهة في بلاطه، فارتاب الحاكم وطلب من ابن هانئ الرحيل عن إشبيلية، ويبدو أن تلك النزعة كانت حقيقية، فهو القائل:”لي صارمٌ وهو شيعيٌّ كحامِلِهِ … يكادُ يسبِقُ كَرّاتي إلى البَطَلِ”.

فذهب إلى المغرب، وفيها مدح جوهر الصقلي، ثم اتصل بجعفر بن علي قائد الخليفة الفاطمي، ثم اتصل بالمعز أبي تميم معدّ بن منصور الفاطمي، وأقام عنده في المنصورية قُرب القيروان، فمدحه ابن هانئ بالكثير من القصائد، حتى بالغ في مدحه، ومن قصائده في مدحه:

هـل كـــان ضَمّــخَ بالعبير الرَيْحَــا … مزنٌ يهزّ البرقُ فيه صفيحا

يهدي تحيات القلـوب وإنمــــا … يهدي بهنّ الوجد والتبريحا

شرقتْ بمــــاء الورد بلّلَ حبيبهــا … فأتت ترقرقهُ دمًا منضوحا

أنفــاسُ طيبٍ بِتْنَ في درعـــي وقد … بات الخيال وراءهنّ طليحا

وقد نظم قصيدة مطولة مهنّئًا المعز وجوهر الصقلي بعد فتح مصر، يقول فيها:

تقول بنو العبّاس هل فُتحتْ مِصرُ .. فقُل لبَني العباسِ قد قُضيَ الأمْرُ

وقد جــاوزَ الاسكندريّةَ جوهَـــرٌ .. تُطالعُـــه البُشرَى ويقْدُمُه النَّصْر

وقد أوفَدَتْ مصْــرٌ إليه وفُودَهَـــا … وزِيدَ إلى المعقود من جِسرِها جسر

فما جاء هذا اليومُ إلاّ وقد غدَتْ .. وأيديكُمُ منها ومِنْ غَيرِها صفْر

فلا تُكثِروا ذكرَ الزمان الذي خلا .. فذلك عصْرٌ قدْ تَقَضّى وذا عَصْر

أفي الجيش كنتمْ تمْترونَ رُويدكمْ .. فهذا القنا العرّاصُ والجحفلُ المَجْر

خصائص شعره:-

تأثر ابن هانئ الأندلسي بالمتنبي الذي كان معاصرًا له، ولذا راجت المقارنة والتّشبيه بينهما، وكان أسلوبه معتمدًا على الاتجاه المحافظ الجديد، ولم يخل شعره من الاتجاه السياسي الذي تجلّى بين أبياته، والاتجاه العَقَدي، وقد اعتمد على غريب اللفظ الذي يحدث صَخبًا لُغويًّا، كما كان مولِعًا بالرنين القوي، قال فيه أبو العلاء المعرّي : “ما أُشبه شعره إلا برحى تطحنُ قرونًا، يُقدّم اللفظ على المعنى”، وقد أخذ عليه الكثير من النقاد إسرافه في التشبيهات المصطنعة، والتّصنع الشّعريّ، ومبالغته في المدح.

ابن هانئ الأندلسي .. متنبي المغرب .

وقد عُرف ابن هانئ بطول نفسه الشعريّ، فكثيرٌ من قصائده جاوزت المائة بيت، والكثير منها قارب المائتين، وتعددت أغراضه الشعرية، وعلى رأسها المدح، والذي كان فيه الكثير من المغالاة الفائقة، والتي اتُّهم في بعضها بالتشبيهات الكفرية، والشعر السياسي والعَقَديّ، وقليل من الوصف، والهجاء، والغزل رقيق اللفظ والمعنى، ومن قوله في الغزل:

إمسحوا عن ناظري كحلَ السُّهادْ .. وانفضُوا عن مضْجعي شوك القَتادْ

أوْ خُذوا مِنّــيَ ما أبْقَيْتُـــمُ … لا أُحبُّ الجسْمَ مسْلوبَ الفؤادْ

هل تُجيــرُونَ محِبًّا مـنْ هَـــوىً … أو تَفُكُّونَ أسيراً من صِفاد

أسُلُوّاً عنكُمُ أهجُرُكُــــمْ … قلّمــا يَسْلُو عن الماءِ الصَّواد

إنّما كــــانتْ خطوبٌ قُيِّضَتْ .. فَعَدَتْنــا عنكُمُ إحدى العَواد

فعلـى الأيّامِ من بَعْدِكُــــمُ … مـــا على الثَّكلاءِ من لُبسِ الحِداد

لا مَزارٌ منكُــمُ يدنـو سِـــوى … أن أرى أعلامَ هَضْبٍ ونِجاد

قد عقلْنَا العيسَ في أوطـــانهـــا … وهي أنْضاءُ ذميلٍ ووِخاد

أقوال في ابن هانئ الأندلسي :-

● يقول عنه ابن خلكان: “ليس في المغاربة من هو أفصح منه لا مقدميهم ولا متأخريهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق وهو عند المغاربة كالمتنبي عند المشارقة”

● ويقول الذهبي: “ليس يلحقه أحد في الشعر من أهل الأندلس وهو نظير المتنبي، ونظمه بديع في ذروت ، وكان حافظًا لأشعار العرب وأيامها، لكنه كان فاسقًا خِمِّيرًا، يُتّهم بدين الفلاسفة”

● ويقول فالح الحجية: “هو شاعر ذو قريحة شاعرية مزيجية من شجاعة المتنبي، ونفسية وتعبير أبي تمام، ومعاني البحتري وفلسفة المعري، فهو شاعر غربي أندلسي حذا حذو شعراء الشرق، لذا فهو شاعر عبقري”

● ويقول الكاتب بطرس البستاني عن ابن هانئ الأندلسي : “يتكلف الصنعة والتوشية فتأتي ألفاظه براقة اللون، تخادع النظر كما تخادع السمع، فيتراءي الجِناس والتّشطير والتسميط والتفريع، ومراعاة النظير وغير ذلك من المحسنات اللفظية والمعنوية، واستعاراته مُجلجلة مُطلقة القرائن، تقرعُ الأذنُ ولا تعلقُ بالذهن”.

● ويقول الكاتب أحمد حسن بسج: “يمتلك ابن هانيء قدرة فائقة في التصوير، فينقل المشاهد بطريقة مثيرة يضفي علیها من اللمسات بحسب مقتضى الحال، وإن جاءت متكلفة، إلّا أنّها ترتبط بطريقته في التصنيع، والتي انتهج فيها منهجًا وسطًا، فهو لا يحذو حذو شعراء العصر العباسي دائمًا، بل يتمثل صورهم وأسالیبهم، ويضفي علیها طابعًا خاصّا”.

وفاته:-

طلب المعز من ابن هانئ الأندلسي مرافقته إلى مصر، بعد أن فتحها قائده جوهر الصقلي، فوافق ابن هانئ من فَوره، وذهب إلى المغرب ليصطحبَ أسرته معه، لكنقَدَره كان به متربصًا في طريقه إلى مصر؛  حيث قُتل في برقة سنة362 هـ ، فلما بلغ المعز هذا الخبر الحزين، انتابه الأسى والأسف على افتقاد ميدان الشعر الأندلسي لمثل هذا الشاعر، ووَرَدَ أنه قال في ذلك:”لقد كنا نأملُ أن نفاخرَ بابن هانئ الأندلسي شعراء المشرق، فحالَ القَدَرُ بيننا وبين ذلك”.

الرحالة الكبير ابن حوقل يتحدث عن برقة (ليبيا) حالياً
الرحالة الكبير ابن حوقل يتحدث عن برقة (ليبيا) حالياً والتي مات فيها ابن هانئ .

المصادر:-

● ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج4، ص421.
● ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج8، ص599.
● الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج16، ص132.
● بطرس البستاني، أدباء العرب في الأندلس، ج3، ص86.
● أحمد حسن بسج، ابن هانيء الأندلسي عصره وبيئته وحياته وشعره، ص 68 و67.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى