أعلام

ابن منير الطرابلسي … الشاعر الهجَّاء

رأى نفسه مجنيًّا عليه، ففضَّل الترحال على المُكوثِ في الذلّ والمهانة

من هو ابن منير الطرابلسي ؟

هو أبو الحسين مهذب الدين أحمد بن منير بن أحمد الطرابلسي، شاعرٌ مشهورٌ من أهل طرابلس الشام، وُلد بها سنة 473ھ-1080م، وسكن دمشق بعد مغادرته طرابلس بعد حصار الروم لها، لُقب بمهذب الدين، وعين الزمان، كان أبوه مُحبًا للشعر، وكان يُنشد الأشعار في أسواق طرابلس.

حفظ ابن منير الطرابلسي القرآن الكريم في صِغَره، وتعلّم علوم اللغة والأدب، ونظمَ الشعر منذ صِباه.

هجاؤه المقذّع:-

كان الهجاء هو الغرض الشعريّ الأشهر الذي عُرِف به ابن منير الطرابلسي ، فقد اشتهر بفُحشِ الهجاء، وقلّ من سلم من هجائه، وبلغ الأمر أن صاحب دمشق بوري بن أتابك طغتكين كان على وَشك قطع لسانه لما بلغه من خُبثِ قوله، ومُغالاته في الهجاء، إلا أنه قَبِل في نهاية الأمر بالشفاعة فيه وعفا عنه، واكتفى بنفيه خارج البلاد، فرحل ابن منير من فوره إلى حلب وعاش بها حتى وفاته.

وصف مدينة طرابلس لدى الإدريسي
ابن منير المنتمي لمدينة طرابلس.

وفي ذلك؛ قال ابن خلكان: “لما ظهرت آثار غلو ابن منير في الهجاء؛ سجنه صاحب دمشق مدةً بعدما ضجَّ الناس منه، وعزمَ على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه عن دمشق، فتنقَّل في بعض المدن حتى استقرّ في حلب إلى وفاته”.

ومن هجائه لقاضٍ قوله:

هــو قــــاضٍ كمــــا تقـــول ولكــنْ .. مـــا عَليهِ مِنَ القَضاءِ عَلامَه

عِمّـــــــةٌ تَملأ الفَضـــــاءَ عَلَيـــهِ .. فـــوق وجهٍ كعُشْرِ عشر القُلامَـه

وعليها مِنَ التَصــــــاويرِ ما لَم .. يَجمـــعُ القدسُ مِثلَه وقُمامَه

ومع ذلك؛ فإن ابن منير يرى نفسه مجنيًّا عليه، ويُفضل الترحال على المُكوثِ في الذلّ والمهانة؛ فيقول في أبياتٍ هي من أروع ما قِيل في عزة النفس والتّرفّع عن الدنايا:

وإذا الكريمُ رأى الخُمـــول نَزيلــهُ .. فــي منزلٍ فالحَزمُ أن يترحَّلا

كالبدرِ لمَّــا أن تضـــاءلَ جَدَّ فــي .. طلبِ الكمالِ فحازَهُ متنقلا

سَفهاً لحلمــكِ إن رضيتَ بمَشْربٍ .. رنــقٍ ورزقُ اللهِ قد ملأَ المـلا

ساهمْتَ عيسَكَ مُــرَّ عيشك قــــاعدًا .. أفلا فَلَيتَ بِهنّ ناصيةَ الفلا؟

فارِق تَرُق كالسيفِ سُلًّ فبان في .. متنيهِ ما أخفى القرابُ وأخملا

لا تحسبَنَّ ذهــــابَ نفسِــكَ ميْتَــةً .. مـــا الموتُ إلا أن تعيش مذللا

للقَفْر لا للفقــــرِ هبهــا إنَّمــــا .. مَغْنــــاك ما أغناكَ أن تتوسلا

لا ترضَ من دنياك مـــا أدنــــــاك من .. دنـسٍ وكن طيفًا جلا ثم انجلى

وَصِلِ الهجير بهجرِ قومٍ كلما .. أمطرتَهم شهدًا جَنَوا لك حنظلا

أنا مَن إذا ما الدهر هم بِخَفْضه .. سامتْه هِمَّتُه السِّماك الأعْزلا

ابن منير الطرابلسي .. الشاعر المجيد.

ابن منير الطرابلسي وابن القيسراني :-

كان ابن منير الطرابلسي معاصرًا لابن القيسراني أبي عبد اللّٰه محمد بن ناصر بن صغير، وكانا مقيمين في حلب، فاشتعلت بينهما المنافسة في صناعة الشعر ونَظمه، ونَشَبت بينهما الكثير من المكاتبات والأجوبة والمُهاجاة، والتي نَبَعت من اختلافهما في الرأي والمذاهب العَقَدية، وتنافسهما في ميدان الشعر، فسلكا مسلك جرير والفرزدق في المهاجاة والنِّديَّة.

واحدةٌ بواحدة:-

 كان ابن منير الطرابلسي كثيرًا ما يُعيّر ابن القيسراني بأنه ما صَحب أحدًا إلا انتكس أو هلك، وكان ابن القيسراني ينتظر أن تُواتيه الفرصة ليردَّها له في موقف، وذات يومٍ كان أتابك عماد الدين زنكي – صاحب الشام – مُحاصِرًا قلعة جعبر، فأنشدَه أحد معاونيه قول الشاعر:

ويلي من المُعرضِ الغضبانِ إذ نقلَ .. الواشي إليه حديثًا كله زور

سلمت فازور يزوي قوس حاجبه .. كأنني كأس خمرٍ وهو مخمور

فأُعجبَ بها زنكي، وسأل: لمَن هذه الأبيات؟ فقِيل: لابن منير – وهو بحلب – فكتبَ زنكي إلى والي حلب أن يسيِّره إليه، ففعل، لكن أتابك زنكي قُتل في نفس الليلة التي وصل فيها ابن منير إليه،فأخذ أسد الدين شيركوه – صاحب حمص – نور الدين محمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب، وأخذ زين الدين علي ولد مظفر الدين – صاحب إربل – عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب في صحبة العسكر، استقبله ابن القيسراني وقال له شامتًا: “هذه بجميع ما كنتَ تُعيِّرني وتبكتني به”.

أقوال العلماء في ابن منير الطرابلسي :-

  • قال ابن عساكر في ترجمته: “حفظ القرآن، وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وكان… هجَّاءً خبيث اللسان يكثر الفحش في شعره، ويستعمل فيه الألفاظ العامية”
  • وقال عنه ابن خلكان: “قدم دمشق فسكنها، وكان رافضيًا كثير الهجاء خبيث اللسان”.
  • وقال العماد الأصبهاني: “كان شاعرًا مجيدًا مكثرًا هجاءً معارضًا للقيسراني في زمانه، وهما كفرسي رهان، وجوادي ميدان. وكان القيسراني سُنيًا مُتورعًا، وابن منير مغاليًا متشيّعًا”.
  • وقال فيه السمعاني مُخالفًا لما قِيل فيه من قبل: “ابن منير الطرابلسي شاعر مفلق فاضل مليح الشعر حسن الطبع”.
  • وقال مجد العرب العامري بأصفهان، لما سُئل عن شعراء الشام: “ابن منير؛ ذو خاطر منير، وله شعر جيد لطيف، لولا أنه يمزجه بالهجو السخيف”.

شعر ابن منير الطربلسي في الغزل :-

كان لابن منير  الطرابلسي باعٌ في شعر الغزل، وكان في غَزَله رقيق اللفظ، عذب المعنى، يطرق بشاعريّته أبواب القلب لتنفتح على مصراعيها:

عَذَّبْتَ طَرْفيَ بالسَّهَرْ وأَذَبْتَ قلبيَ بالفِكَر

ومزجْتَ صفْوَ مودَّتي من بَعد بُعْدِكَ بالكَدَر

وَمَنَحت جُثماني الضَّنَى وَكَحلْتَ جفَنْيَ بالسَّهَر

وجَفَوْتَ صَبًّا ما لَهُ عن حُسْن وجهك مُصْطَبَر

يا قلبُ ويْحَكَ كم تُخادَع بالغُرُور وكم تُغَر

وإِلامَ تكْلَفُ بالأَغَننِ من الظباء وبالأَغَرّ

ريمٌ يُفَوّقُ إنْ رماك بِسَهمِ ناظره النَظَر

تَرَكَتْكَ أَعْيُن تَرْكُهَا من بأسهنَّ على خَطَر

وَرَمَتْ فَأَصمَت عَن قِسيٍَ لا يُناطُ بها وتَر

جَرَحَتْكَ جَرْحاً لا يُخَييَطُ بالخيوطِ ولا الإِبَر

شعره في المدح:-

اشتهر ابن منير الطرابلسي بمدحه السلطان الملك العادل محمود بن زنكي بالكثير من القصائد البليغة، وملازمته إياه، وفيه يقول:

بنــور الدّين رُوِّض كُـــــلُّ مَحْـــــلٍ … مـن الدُّنيا وجُدِّد كلُّ بالِ

أقـام على ثنيّة كـــــلِّ خـــوفٍ … سُهــادًا بات يكْلأُ كُلَّ كالِ

وَصَوَّبَ عدلُهُ في كـــــــلِّ أوْب … فعَــوَّض عاطلًا منه بحالِ

يُنَكِّــسُ رأيُهُ رأيَ المحـــــامــي … ويَقْتُــلُ خوفُهُ قبل القتالِ

وفاته :-

تُوفي ابن منير الطرابلسي سنة 548هـ (1153 م) بحلب، ودُفن فيها بجبل جوشن، وكُتب على قبره:

مَن زارَ قبــــري فليكُـــنْ مــوقـنــــــاً … أنَّ الذي ألقــاهُ يلقــاه

فيرحـــم اللّٰه امــــرأً زارنــي … وقــــــــالَ لـي: يرحمــكَ اللَّه

رؤيا مشؤومة:-

حدّث الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة بأنه رأى الشاعر ابن منير الطرابلسي في منامه بعد موته، فسأله عن حاله فأخبره أنه يتجرّع شرابًا أسوء من الخمر، وأنه في حالٍ مُخزية لما قاله من فاحش القول والهجاء في أعراض الناس، فكلما يقرأ قصيدةً من قصائده يطول لسانه حتى يصبح مد بصره، ويرى الكلاب تنهش فيه، وكان حافيًا على ثياب رثّة.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
ابن منير الطرابلسي توفي في مدينة حلب الشهباء.

اقرأ هنا ..  قلعة جبيل تروي قصة حضارة غارقة في القدم

المصادر:-

● ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج1، ص156.
● الزركلي، الأعلام، ج1، ص260.
● العماد الأصبهاني، خريدة القصر وجريدة العصر، ج2، ص230.
● محمد راغب الطباخ، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، ص223.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى