أعلام

ابن منظور .. الإمام اللغوي الحجة

جمع، وحدَّث، واختصر كثيراً من كتب الأدب والتاريخ المطوَّلة

اسمه ونشأته:-

محمد بن مُكَرَّم بن علي بن أحمد بن أبي القاسم بن منظور، جمال الدين، أبو الفضل الأنصاري الأفريقي المصري، ابن منظور الإمام اللغوي الحُجَّة، وُلِد في مصر وقيل في طرابلس الغرب، في شهر محرم سنة 630هـ.

ورجَّح الأستاذ علي الفقيه، أن تكون ولادة ابن منظور قد حصلت في طرابلس الغرب (ليبيا حالياً)، ذلك لأن جدَّه الأعلى (رويفع بن ثابت) كان حاكماً عليهاً، وفيها أيضاً مات ودُفِن، وأسرته ما تزال هناك ولا تزال أعقابهم آل مكرم إلى اليوم بتاجوراء التابعة لطرابلس، دون أن نغفل بأن ابن منظور نفسه توَّلى قضاء طرابلس.

الإدريسي خلال زيارته إلى طرابلس الغرب

ابن منظور.. الطفل الشغوف بالعلم:-

أبدى ابن منظور منذ نعومة أظافرة شغفاً وميلاً واضحين نحو العلوم، فقد كان ذلك الفتى المتطلع الذكي النبيه الفطن، الحريص على التقاط كل الإشارات التي تصدر عن بيئته الصغيرة وهو ما يزال يلهو في مرابع طفولته.

فقد كانت أذناه وعيناه تتفتحان وعقله يتفتَّق على رؤى وأصداء علمية على غير شاكلة كثير من نظرائه الذين يقابلونه في السن ممن هم من أبناء بيئته.

وقد وعي ابن منظور للدنيا ليجد والده صاحب فضل ومكانة ومنزلة علمية، فاستفاد من السماع إليه ومن رفيقه الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف بن أحمد التيفاشي العبسي.

أحد أحياء طرابلس الغرب في الثلث الأخير من القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

فقد نقل لنا ابن منظور في مقدمة كتابه “نثار الأزهار” وهو الشطر الأول من كتابه “سرور النفس” الذي اختصر فيه كتاب “فصل الخطاب” للتيفاشي، شيئاً من ذلك بقوله:

“كنتُ في أيام الوالد – رحمه الله- أرى تردُّد العقلاء إليه وتهافت الأدباء عليه، ورأيتُ الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف بن أحمد التيفاشي العبسي في جملتهم، وأنا في سن الطفولة لا أدري ما يقولونه، ولا أشاركهم فيما يلقونه، غير أني كنتُ أسمعهُ يذكُر للوالد كتاباً صنَّفه، أفنى فيه عُمرهُ، واستغرق دهره، وأنه أسماه (فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب)، وأنه لم يجمع ما جمعه فيه كتاب”. ويزيد ابن منظور” وكنتُ شديد الشوق إلى الوقوف عليه، وتوفي الوالد رحمه الله في سنة همس وأربعين وستمائة، وشُغِلتُ عن الكتاب”، ولكن حصل بعدئذ سنة 690 ه على أجزاء متفرقة من مسودة الكتاب؛ فرتَّبه وهذَّبه فكان ما سماه بـ”نثار الأزهار وسرور النفس”.

مكانة ابن منظور العلمية:-

يعتبر ابن منظور صاحب معجم لسان العرب في اللغة، الذي جمع فيه بين كتب التهذيب والـمُحكم والصِّحاح وحواشيه والجمهرة والنهاية، وكان صدراً رئيساً، فاضلاً في الأدب، مليح الإنشاء، وكان عارفاً بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة، وكان من أفضل علماء عصره في المعارف الكونية فهو بحق مفخرة من المفاخر الخالدة في التراث العربي.

سمع من ابن الـمُقَير، ومرتضى بن حاتم، وعبد الرحيم ابن الطُّفَيل، ويوسف ابن الـمَخِيْلِيِّ، وغيرهم، وروى عنه السُّبْكِي والذهبي.

 ابن منظور صاحب كتاب "لسان العرب" الغني عن التعريف
ابن منظور صاحب كتاب “لسان العرب” الغني عن التعريف

جمع، وحدَّث، واختصر كثيراً من كتب الأدب والتاريخ المطوَّلة؛ كالأغاني، والعِقْد الفريد، والذخيرة، ومفردات ابن البيطار، كما أنه اختصر تاريخ دمشق في نحو ربعه، قال ابن حجر: “كان مغرى باختصار كتب الأدب المطوَّلة”، وقال الصَّفَدي: “لا أعرف في كتب الأدب شيئاً إلا وقد اختصره”، وذكر ابنه قطب الدين أنه ترك بخطه خمسمائة مجلدة، ويقال: إن الكتب التي علقها بخطه من مختصراته خمسمائة مجلدة.

مشايخ ابن منظور:-

لقد اكتفى مترجموه بذكر أربعة من مشايخه ولم يأتوا على ذكر سواهم، علماً بأن الأسماء التالية، قد وافتها المنية وذلك قبل وصول ابن منظور سن الحُلُم، فبعد وفاه أبيه سنة 645 ه، لم يُسمع أنه أخذ عن شيخ غير هؤلاء، ويبدو أنه انشغالات الحياة كان لها دورا في ذلك.. وأساتذته هم..

  • مرتضى بن أبي الجود حاتم بن المسلم الحارثي المتوفى سنة 634 ه.
  • عبد الله بن يوسف بن هبة الله بن الطُّفيل المتوفى سنة 637 ه.
  • يوسف بن عبد المعطي بن منصور المخيّلي المتوفى عام 642 ه.
  • علي بن الحسين بن علي بن منصور البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 643 ه.

لسان العرب:-

يُعتبر “لسان العرب” بمثابة كتاب لغة، ونحو، وصرف، وفقه وأدب، وشرح للحديث الشريف، وتفسير للقرآن الكريم.

جمع ابن منظور في كتابه “لسان العرب” ذائع الصيت، الصِحاح للجوهري وحاشيته لابن برِّي، والتهذيب للأزهري، والمحكم لابن سيده، والجمهرة لابن دريد، فهو يغني عن سائر كتب اللغة، إذ هي بالجملتها لم تبلغ منها ما بلغه، وذلك بحسب ما قاله أحمد فارس صاحب الجوائب في تقديمه لكتاب ابن منظور.

وقال عنه الإمام محمد بن الطيب محشّي القاموس، وهو عجيب في نقوله وتهذيبه، وتنقيحه وترتيبه، إلا أنه قليل بالنسبة لغيره من المصنفات المتداولة، وزاحم عصره عصر صاحب القاموس، رحم الله الجميع.

وسبب قلته كبر حجمه وتطويل عبارته، فإنه ثلاثون مجلداً، فالمادة التي تملأ في القاموس صفحة واحدة تملأ فيه أربع صفحات بل أكثر، ولهذا عجزت طلبة العلم عن تحصيله والانتفاع به.

له شعر رقيق منه هذه الأبيات المشهورة:

النَّاسُ قد أثمـوا فِينَا بظنِّـهم وَصَـدقُوا .. بِالَّذِي أَدْرِي وتدرينا

مَــاذَا يضــرُّك فِي تَصْــدِيقِ قَوْلِـهـم .. بِأَن نُحقِّقَ مَا فِينَا يظنُّونا

حملي وحملك ذَنبـاً وَاحِــدًا ثِقَـة .. بِالْعَفـوِ أجمل مِنْ إِثْمِ الورى فِينَا

ومن شعره هذين البيتين:

باللهِ إِنْ جُــــزْتَ بـوادي الأراكْ .. وَقَبَّـلَـتْ عيدانُه الخُضْرُ فَاكْ

فَـابْعَثْ إلَى عَبدِك مِـنْ بَعْضِهَــا .. فَإِنَّنِـي وَاَللَّهِ مَا لِي سِوَاكْ

مناصبه:-

خدم في ديوان الإنشاء في القاهرة مدة عمره، وعِلْمُه في الفقه أهَّلَهُ لتولي قضاء طرابلس.

كتب ابن منظور:-

  1. لسان العرب.
  2. مختار الأغاني.
  3. مختصر مفردات ابن البيطار.
  4. نثار الأزهار في الليل والنهار، وهو الجزء الأول من كتابه: سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، وقد هذب فيهما كتاب «فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب» لأحمد بن يوسف التِّيْفَاشِي.
  5. مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر.
  6. مختصر تاريخ بغداد للسمعاني.
  7. أخبار أبي نوَّاس.
  8. حسن المحاضرة للسيوطي.
  9. مختصر صفوة الصفوة لابن الجوزي.

وفاته:-

عاد في آخر حياته إلى مصر، وعُمِيَ في آخر عمره، وتوفي في شعبان سنة 711هـ.



المصادر:

  • الأعلام (7/108).
  • بغية الوعاة (1/248/رقم 457).
  • تاريخ دمشق لابن عساكر، المقدمة، دار الفكر، دمشق.
  • الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/556/رقم 1246).
  • لسان العرب، دار صادر، بيروت

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى