أعلام

شمس الدين ابن مرزوق الخطيب .. مصاحب السلاطين

طفقت شهرته المغرب وتلمسان والأندلس ومصر والشام

هو محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق العجيسي التلمساني أبو عبد الله شمس الدين الشهير بـ ” الخطيب “، والجد، والرئيس فقيه من أكابر علماء المالكية في عصره.

وهو أحد أبرز الشخصيات الجزائرية التي عرفها العالم في القرن 8 هـ/ 14م طفقت شهرته المغرب وتلمسان والأندلس ومصر والشام، قال عنه لسان الدين ابن الخطيب: «سيدي وسند أبي فخر المغرب وبركة الدول وعلم الأعلام ومستخدم السيوف والأقلام ومولى أهل المغرب على الإطلاق».

عائلة ابن مرزوق الخطيب :

ينحدر ابن مرزوق من أسرة عريقة وكبيرة في تلمسان، تعود أصولها إلى قبيلة عجيسة التي سكنت بالمكان المسمى زاب إفريقية (ضواحي المسيلة) انتقل جده الأكبر إلى تلمسان صحبة الشيخ أبي مدين شعيب الغوث أواخر القرن 6هـ ونزل معه بمنطقة العباد، واستقر هناك ومع مرور الوقت أصبحت أسرته من كبار الأسر العلمية في تلمسان، أنجبت الكثير من الشخصيات التي نبغت في الفقه والحديث وغيرهما من العلوم الدينية، ونذكر من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: جد المترجم له وعمه ووالده وكذا ابنيه: محمد وأحمد وحفيده المعروف بالكفيف وولد حفيده المعروف بالخطيب وغيرهم.

مدينة تلمسان العريقة - الصورة تعود للعام 1860 م
مدينة تلمسان العريقة – الصورة تعود للعام 1860 م

مولد شمس الدين ابن مرزوق الخطيب ونشأته:

ولد شمس الدين ابن مرزوق سنة 710هـ/ 1311م بمدينة تلمسان وعاش فيها سنوات عمره الأولى فحفظ القرآن وتعلم مبادئ العلوم بها ثم غادرها رفقة والده إلى الحجاز، فحج ومكث مدة هناك استغلها في القراءة على عدد من الشيوخ والعلماء الكبار.

ولما اشتدّ عوده فارق والده وانطلق في الأرض طالبًا للعلم؛ فقصد علماء الشام ومصر وتعلم على كل من لقيهم في تلك البلاد، وبعد أن قضى سنوات عديدة مترددا على مدن المشرق عاد إلى المغرب متجولا بين مدنه أيضا من تونس إلى بجاية إلى فاس يتصل بالعلماء والمشايخ ومغتنما فرصة لقائهم بالتعلم والأخذ عنهم ما استطاع.

حرص ابن مرزوق على الاستفادة من كل من لقيهم من العلماء، ولأنه تردد على مختلف المدن المشرقية والمغربية فإن هذا أتاح له النهل عن عدد كبير منهم، فقد ذكر في كتابه المسمى «عجالة المستوفي المستجاز في ذكر من سمع من المشايخ دون من أجاز من أئمة المغرب والشام والحجاز» أن عدد شيوخه يفوق الألفين، وكلهم مذكورون فيه. ولعل هذا ما يفسر تبحره في العديد من العلوم والآداب والفنون. ونذكر منهم: «الزبير بن علي الأسواني»، و«محمد بن أحمد المطري» بالمدينة، و«عيسى بن عبد الله الحجي» بمكة، و«يونس الدبوسي»، و«صالح الأسنوي»، و«التاج التبريزي» بمصر، و«شمس الدين بن المسلم»، و«برهان الدين الرازي» بدمشق وغيرهم كثير.

عودته إلى تلمسان:

 بعد هذه الرحلة العلمية عاد شمس الدين ابن مرزوق الخطيب إلى تلمسان سنة 733هـ بأمر من والده لمساعدة عمه الذي كان خطيبا بمسجد العباد، وهو مسجد عظيم بناه السلطان المريني «أبو الحسن علي بن عثمان» (731- 749هـ/ (1331–1348) الذي كان حينها قد أغار على تلمسان وتملّكها، وبعد مدة قصيرة توفي العم فعين السلطان ابن مرزوق خطيبا في المسجد، ولما سمعه يخطب على المنبر أثار إعجابه خاصة وأنه كان يذكره ويثني عليه ويحسن الدعاء له، فاصطفاه وقربه منه ونظمه في مجلسه.

حظي ابن مرزوق بملازمة السلطان أبي الحسن فكان لا يفارقه حضرًا وسفرًا وحربًا وسلمًا، فحضر معه معركة طريف سنة 741هـ/ 1340م في أرض الأندلس إلى جانب ملك غرناطة أبي الحجاج يوسف ضد ملك قشتالة ألفونسو الرابع، شارك فيها أبو الحسن بجيش عظيم إلا أنه مني بالهزيمة في النهاية، ووقع ابنه أسيرا لدى النصارى، فأرسل السلطان ابن مرزوق سنة 748هـ/ 1347م كمبعوث للتفاوض مع القشتاليين لعقد الصلح وافتكاك الأسرى منهم.

وبعد وفاة السلطان أبي الحسن مكث ابن مرزوق بفاس في حضرة خليفته وابنه أبي عنان فارس بن علي  لفترة وجيزة، ثم طلب اعفاءه وتسريحه من الخدمة ليعود إلى بلده تلمسان ويعيش بهدوء إذ أن المهمات السياسية قد أعيته، إلا أنه كانت في انتظاره الكثير من المغامرات.

ابن مرزوق الخطيب أحد أبرز أعلام مدينته العريقة .

محنة ابن مرزوق مع السلاطين:

عاد ابن مرزوق الخطيب إلى تلمسان وأقام بالعباد لفترة يتنعم بالحياة الهادئة هناك، لكن ذلك لم يستمر أكثر من بضع سنوات، ففي سنة 753هـ/ 1351م أرسله سلطان تلمسان أبو سعيد عثمان الثاني 749- 753هـ/ 1348- 1352م) في مهمة سياسية إلى فاس بهدف عقد الصلح مع سلطانها، إلا أن خصوم أبي سعيد ومنافسوه في الحكم حالوا دون بلوغه البلاط المريني وأمسكوا به وسجنوه، ولحسن حظه تمكن من الفرار بمساعدة بعضهم وتم ترحيله إلى الأندلس.

دخل ابن مرزوق غرناطة ونزل على سلطانها أبي الحجاج يوسف وقد أكرم مثواه جعله من المقربين، وعينه خطيبًا بجامع الحمراء ومدرسًا بمدرسته وبقي بها سنتين إلى أن استدعاه السلطان أبي عنان.

نزل ابن مرزوق مجددا عند السلطان أبي عنان سنة 754هـ وهو الآخر أكرمه ونظمه في أكابر مجلسه وحظي بعيش كريم في بلاطه، وفي سنة 758هـ، أرسله إلى تونس ليخطب له ابنة السلطان أبي يحيى أبي بكر الحفصي لكنها رفضت واختفت عن الأنظار وحينها عمل الوشاة عملهم فادعوا أن ابن مرزوق على علم بمكانها وأنه يرفض الافصاح عنه للسلطان فسخطه هذا الأخير وأمر بسجنه، وكانت هذه المرة الثانية التي يسجن فيها ابن مرزوق، وفي كلاهما سجن ظلمًا، لكنه لم يطل بقاءه فيه؛ حيث عفى عنه وأطلق سراحه قبل أن يتوفاه القدر (أي السلطان).

وعندما تولّى السلطان أبو سالم إبراهيم بن علي الملك أعاد للشيخ مكانته وحرمته العلمية وعلت منزلته عنده وعند كل رجال البلاط المريني، ومرة أخرى لم تدم ساعة النعيم طويلا مع الشيخ ابن مرزوق، فقد حدث انقلاب على السلطان سنة 762ه/ 1360م راح ضحيته وسُجن للمرة الثالثة على يد الوزير عمر بن عبد الله ليطلق سراحه بعد مدة، وعليه قرر ان مرزوق مغادرة البلاد واتجه نحو تونس سنة 764هـ/ 1362م.

ابن مرزوق في تونس:

نزل شمس الدين ابن مرزوق الخطيب على السلطان أبي إسحاق إبراهيم الثاني الحفصي فأكرمه وولاه خطابة جامع الموحدين وبقي على حاله طيلة عهده وعهد خليفته وابنه أبي البقاء خالد الناصر الثاني، وبعد مدة اغتيل السلطان وجلس منافسه  أبو العباس أحمد المستنصر وكان من الطبيعي أن يبعد كل المقربين من سلفه، ومن بينهم ابن مرزوق فعزله من الخطابة في الجامع وسلبه الامتيازات الممنوحة له، وعلى إثر ذلك غادر تونس نهائيا واتجه هذه المرة نحو المشرق قاصدًا مصر.

ذهابه إلى مصر:-

بعد أن أذن له السلطان ركب سفينة الإسكندرية ومنها إلى القاهرة سنة 770هـ التي قرّر شمس الدين ابن مرزوق الخطيب الاستقرار بها، فلقي أهل العلم بالمدينة وأمراء الدولة الذين ساعدوه في الاتصال بالسلطان الأشرف شعبان بن حسين (764- 778ه/ 1363- 1377م) الذي أغدق عليه في كرمه وسخاءه ما أنساه محنه وآلامه حتى قال عنه: «لم أر مثله حلمًا فضلًا وجودًا وتلطفًا» حيث ولاه الوظائف العلمية، إلى جانب التدريس في أكبر المدارس وأشهرها كـ: الشيخونية، والضرغشية، والنجمية وغيرها، وبقي كذلك إلى غاية وفاته.

كانت حياة ابن مرزوق حافلة بالأحداث والمغامرات فقد عايش الملوك والسلاطين، هناك من لقي منهم تقديرًا وإجلالًا وحظي بين أيديهم بمكانة مرموقة وفيهم من انقلب عليه وسجنه، كما لعب أدوارًا هامة وأرسل عدة مرات في مهمات سياسية. وزار واستقر في الكثير من المدن والدول فقد ذكر أنه خطب على 48 منبرًا في بلاد الإسلام شرقًا وغربًا وأندلسًا، ولهذا لقب بـ «الخطيب».

آثاره:

خلّف ابن مرزوق العديد من المؤلفات القيمة في علوم مختلفة، ولكن للأسف ضاع الكثير منها ولم يصلنا سوى عناوينها، أما من كتبه المحفوظة والمطبوعة فنذكر:

  1. «عجلة المستوفز المستجاز في ذكر من سمع من المشائخ دون من أجاز من ائمة المغرب والشام والحجاز».
  2. «تيسير المرام في شرح عدة الأحكام».
  3. «شرح الأحكام الصغرى».
  4. «شرح الشفا».
  5. «إزالة الحاجب عن فروع ابن الحاجب».
  6. «تحفة الطرف إلى الملك الأشرف».
  7. «المسند الصحيح الحسن من أخبار السلطان أبي الحسن».
  8. «ايضاح المراشد فيما تشتمل عليه الخلافة من الحكم والفوائد».
  9. «جني الجنتين في فضل الليلتين: ليلة القدر وليلة المولد».
  10. «الأربعين المسندة في الخلافة والخلفاء».
  11. «شرح صحيح البخاري».
  12. «شرح البردة».
  13. «الإمامة» .
  14. «ديوان خطب وقصائد».
استقر شمس الدين ابن مرزوق الخطيب في مصر بنهاية مسيرته.

وفاته:-

توفي شمس الدين ابن مرزوق في شهر ربيع الأول 781هـ/ يونيو 1379م بالقاهرة، ودفن في مقبرة القرافة الصغرى.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

مراجع للاستزادة:-

عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً، دار الكتاب اللبناني.
• أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج5، تح إحسان عباس، دار صابر.
شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ج3.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى