أعلام

ابن كيسان .. النحوي البغدادي الكبير

عاش في غمار خصب يعج بالثقافة الإسلامية، ويموج بالعلماء، فنهل منه حتى الري، وأنتج هذه الثروة العلمية الهائلة

اسمه ونسبه:-

هو أبو الحسن محمد بن أحمد ( كيسان ) بن إبراهيم النحوي البغدادي.

مولده:-

لم تتعرَّض كُتُب التراجم التي ترجمت لابن كيسان إلى سنة ولادته، ولكن يمكن لنا التوصل إليها أو قريب منها وذلك من خلال النظر إلى طبقته وطبقة شيوخه وطبقة تلاميذه، وعلى ذلك يمكن القول: بأنه ولد في نهاية الثلث الأول من القرن الثالث الهجري.

ولم تفصح المراجع عن المكان الذي ولد فيه ابن كيسان، إلا أننا نستطيع القول: بأن ذلك كان في بغداد، أو في مكان غير البصرة والكوفة، وذلك لوقوفه موقف المحايد من آراء الفريقين النحويين، كما أن استقلاله بالرأي دليل على أنه لم ينشأ في إحدى البلدتين.

أسرته:-

أسرة الإنسان هي البيئة التي يتشرَّب منها الأخلاق والعادات والتقاليد، وكان ابن كيسان وأسرته كالثمرة الطيبة من الشجرة الطيبة، وبالرغم من أنه لم يتوفر لنا إلا النذر اليسير عن هذه العائلة، فإننا نستنبط من هذا النذر الذي وصل إلينا أنها أسرة من بيت إسلامية خالص، ترغب في العلم وتسعى إليه، وهذا ما كان ظاهراً بوضوح على نجلها طوال سني حياته.

وكل ما وصل إلينا هو أن ( كيسان ) لقب والده (أحمد)، وأن لأبي الحسن أخاً نحوياً اسمه علي، ولكنه لم يكن بمثل شهرة أبي الحسن.

وأما عن أولاده؛ فقد ذكرت المراجع ثلاثة أولاد له، وهم (الحسن) و(علي) و(محمد).

نشأته:-

لم يكن ابن كيسان معنياً بالحديث عن نفسه، ولم يكن مهتماً بالتأريخ لحياته، مع أننا رأيناه حريصاً على التأريخ لمولد ولديه علي ومحمد، كما لم تسجَّل كتب التراجم شيئاً عن نشأته الأولى، ولا عن حياته الخاصة، ولذا فقد ظلَّت هذه الحياة في منطقة الظل على الرغم إحرازه شهرة عظيمة في المجال العلمي.

بغداد جمعت عدداً هائلا من علماء الفنون المختلفة

 وعلى هذا فالبداية مجهولة تماماً، إذ أن طفولة ابن كيسان المبكرة قبل أن يبدأ تلقيه العلم وما بعدها لا نعرف عنها شيئاً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى صباه وشبابه، وكل ما نعرفه يتصل بمراحل حياته التالية، ولكن بأضواء باهتة، فنعرف أن بغداد مسقط رأسه ومثوى رفاته، وقضى فيها معظم حياته، فدرج ابن كيسان أولى خطواته على أرضها، وأنبته الله نباتاً حسناً، فنشأ في أحضانها وبين ربوعها ومغانيها، وتنشق نسيمها، وتفيأ ظلالها، وتزود من أجوائها الروحية والثقافية.

شيوخه:-

لا بد لطالب العلم من شيوخ يلازمهم ويركن إليهم في كل فرع من فروعه، لتكون الفائدة مرجوة، وليصير الطالب على هدى من ربه، ولا يتسنى للطالب في طور النشوء والارتقاء أن يدرك ما في تراث السابقين الأولين من أسرار وما يتضمنه كلام رب العالمين من فقه في الدين، واستيعاب لدراسات عميقة في أصول العلوم وفروعها، ولا يتسنى له ذلك دون مرشد خبير، يأخذ بيده حتى يبلغ أشده، ويستوي على سوقه، لأن إدراك الطالب لهذه العلوم على وجهها، وإفادته منها رهين بالتلقي والتلمذة.

وكأني بأبي الحسن بن كيسان قد هُدِي بسلامة فطرته، وبما أراده الله له إلى السير في المنهج، فطفق يسعى إلى مجالس العلماء تقله حلقاتهم، وتظله توجيهاتهم، ويمتح ما شاء الله له أن يمتح من فيض علمهم، وموفور حكمهم.

وقد تتلمذ ابن كيسان على شيوخ كثيرين، دليل ذلك مكانته العلمية التي وصل إليها، وإن كانت المصادر ضنت علينا بذكرهم أجمعين، إذ لم تذكر منهم سوى ثلاثة فقط، وهم:

  1. بندار الأصبهاني.
  2. أبو العباس المبرد.
  3. أبو العباس ثعلب.

تلاميذه:-

لما بلغ أبو الحسن بن كيسان أشده واستوى، وملأ كنائنه من العلوم والمعارف؛ آوى إلى منبته ومسقط رأسه بغداد، أداء لحقها عليه، وجعل من مساجدها محاريب تعليم، ومنابر إشعاع وتهذيب، وقد جعلت أفئدة الناس تهوي إليه من كل فج عميق، لما تم له من نبوغ وتفوق في شتى العلوم ومختلف الفنون، والمورد العذب كثير الزحام.

 ولقد سجل المترجمون أن أبا الحسن بن كيسان كان له مجلس عامر يقصده الطلاب والشيوخ في جامع المنصور وعقيب صلاة الجمعة، كما كان يقرأ عليه مجالسات ثعلب في طرفي النهار، وقد اجتمع على باب المسجد نحو مائة رأس من الدواب للرؤساء والكُتَّاب والأشراف والأعيان الذين قصدوه، وكان مع ذلك إقباله على صاحب المرقعة الممزقة، والعباء الخلق، والطمر البالي كإقباله على صاحب القصب والوشي والديباج والدابة والمركب والحاشية والغاشية، كما وصف ذلك أبو حيان التوحيدي.

ومن تلاميذه:-

  1. أبو جعفر النحاس.
  2. أبو القاسم الزجاجي.
  3. أبو بكر الجعد.
  4. أبو الحسين الرهني.
  5. أبو جعفر الغالبي.
  6. أبو جعفر السعال.
  7. أبو علي القالي .
  8. أبو عبيد الله المرزباني.
  9. أبو عمر الزاهد.
  10. أبو حيان التوحيدي.
  11. أبو إسحاق الصابي.
ثعلب .. النحوي الكبير.. أستاذ ابن كيسان
ثعلب .. النحوي الكبير.. أستاذ ابن كيسان

مؤلفات ابن كيسان:-

صنَّف ابن كيسان رحمه الله المصنفات العديدة، البديعة المفيدة، المُستوعبة لكثير من فنون العلم، الدالة على طول نفسه وسعة اطلاعه، حيث بلغت مصنفاته التي وقفت عليها خمسة وعشرين مصنفاً في فنون شتى، غير أن أكثرها لم يصل إلينا، إذ فقدت في ظروف غير معروفة، ربما أصابها ما أصاب الكثير من المؤلفات التي ذهبت شذر مذر في فتنة التتار التي عصفت رياحها بأسفار وكتب ومجلدات لا يحصيها العد، وربما تكون مطمورة في زوايا المكتبات، أو في خزانات الكتب عند بعض الناس رهينة المحابس، طعمة للسوس والأرضة والجرذان.

مصنفات ابن كيسان المطبوعة:-

  1. تلقيت القوافي وتلقيب حركاتها.
  2. شرح السبع الطوال.
  3. الفرق بين السين والصاد.
  4. الموفقي في النحو.

مصنفات ابن كيسان المفقودة:-

  1. الألفاظ.
  2. البرهان.
  3. التصاريف.
  4. حد الفاعل، أو كتاب الفاعل والمفعول به.
  5. الحقائق.
  6. الشاذاني في النحو.
  7. العروض.
  8. غريب الحديث.
  9. غلط أدب الكاتب.
  10. القراءات.
  11. الكافي في النحو.
  12. اللامات.
  13. المختار في علل النحو.
  14. المذكر والمؤنث.
  15. المسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون.
  16. مصابيح الكتاب.
  17. معاني القرآن.
  18. المقصور والممدود.
  19. المهذب في النحو.
  20. الهجاء والخط.
  21. الوقف والابتداء.
اجتمع حول ابن كيسان طلبة العلم
اجتمع حوله طلبة العلم

وأخيراً، فتلك هي سمات النشاط العلمي الذي حفلت به حياة أبي الحسن بن كيسان كما رأيناها من خلال مصنفاته المتشعبة في شتى مجالات العلوم، فقد عاش في غمار خصب يعج بالثقافة الإسلامية، ويموج بالعلماء، فنهل منه حتى الري، وأنتج هذه الثروة العلمية الهائلة.

وفاة ابن كيسان:-

أما عن سنة وفاة ابن كيسان ؛ فقد اختلف المُترجِمون له في تعيينها على قولين: أحدهما: سنة 299هـ، والآخر: سنة 320 هـ، وهو الأرجح.

مصادر ترجمته:-

الموشح للمرزباني، ابن كيسان النحوي، الأنساب للسمعاني، تاريخ بغداد، والأنساب، والنجوم الزاهرة، مشيخة ابن شاذان الصغرى.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى