أعلام

ابن عساكر الدمشقي .. الإمام الحافظ والمؤرخ الرحالة

إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان والثقة

ابن عساكر الدمشقي:-

علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، بهاء الدين أبو القاسم الدمشقي، المعروف بابن عساكر، محدث الشام، الإمام الحافظ المؤرخ الرَّحَّالة، وُلِدَ في دمشق سنة 499هـ، كان أحب ما إليه المزاح.

وقال ولده بهاء الدين الحافظ أبو محمد القاسم: ” قال لي أَبي: لمَّا حَمَلَتْ بي أمي رأت في منامِها قائلاً يقول لها: “تَلِدِين غلاماً يكون له شأن.. فإنَ الله تعالى يبارِك لك وللمسلمين به”.
وبيت ابن عساكر من البيوت الدمشقية المشهورة بالعلم والفضل، وقد اشتهر أبناؤه بالتقوى والتصدي لنفع الناس في دينهم.

بيت علم وفقه:-

كان أبوه الحَسن بن هبة الله شيخاً صالحاً عدلاً، محبّاً للعلم، مقدِّراً للعُلماء، مُهتماً بأمور الدين والفقه، بِحسب ما أوردهُ السُّبكي في كتابه “طبقات الشافعية”.

ويقول صلاح المنجد في مُقدّمة المجلدة الأولى من تاريخ ابن عساكر : ” كان للبيئة التي نشأ فيها الحافظ ابن عساكر أثر كبير في اتجاهه نحو العلم ونبوغه فيه، فقد نبت في بيت قضاء وحديث وفقه، وكان ألّاف هذا البيت من كبار علماء دمشق وقضاتها، فما رأى ابن عساكر منذ نشأته غير العلماء، وما وعى غير العِلم”.

الرحَّالة والجغرافي الإدريسي يتحدث عن مدينة دمشق

كان أخوه الأكبر صائن الدين هبة الله، فقيهاً مفتياً محدِّثاً، قرأ القرآن الكريم بالروايات، وقرأ الأصول والنحو، أما أخوه الآخر محمد؛ فقد كان قاضياً وقد نشَر أولاده الستة العِلم والحديث. أما بالنسبة لأمه؛ فقد كانت من بيت القرشي، أبوها يحيى بن علي بن عبد العزيز، القاضي الفقيه الكبير، وكان عالماً بالعربية، ثِقة، حُلو المحاضر فَصيحاً، بِحسب ما أورده السُّبكي في كتابه ” سير الأعلام “.

شيوخ ابن عساكر وتلامذته:-

أجاز له: الفُرَاوِيّ، وزاهر، وقاضي المارستان، والحسين بن عبد الملك، وعبد المنعم ابن القُشَيْرِيّ، وابن السَّمَرْقَنْدِيِّ، وهبة الله بن الطبر، ومحمد بن إسماعيل الفارسي، وغيرهم الكثير.

سمع سنة 532هـ من: جمال الإسلام أبي الحسن السُّلَمِيّ، وجد أبيه القاضي الزكي يحيى بن علي القرشي، ويحيى بن بطريق، ونصر الله بن محمد المصِّيْصِيِّ، وأبي الدر ياقوت الرومي، وهبة الله بن طاووس، وأبي طالب علي بن أبي عقيل، وغيرهم.

مكانته العلمية:-

أخذ ابن عساكر شيئاً من العلم عن أهله، وانتفع بصحبة جده أبي الفضل في النحو، كما تفقه في حداثة سنه على الفقيه العالم أبي الحسن السُّلَمِيّ. ثم رحل، وطوف، وجاب البلاد، ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم السمعاني في الرحلة.

سمع في بغداد سنة 520هـ من أصحاب البرمكي، والتنوخي، والجوهري، وسمع بمصر، وحدث بها، وبالحجاز، وبيت المقدس، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور، وهراة، وأصبهان، والجبال، وأخذ عن شيوخ مكة، والمدينة، ومنى، والكوفة، وسرخس، والجزيرة، وغير ذلك من البلاد.

وذكر بعض المؤرخين بأن عدة الشيوخ الذين سمع منهم ألف وثلاثمائة شيخ، وثمانون امرأة. واعتنى أبو القاسم بعلم بالحديث، وساد أهل زمانه في الحديث ورجاله وبلغ في ذلك الذروة العليا، ولم يخرج عن إطار الحديث، والفقه، والتاريخ، والأخبار، والأدب، وهي الموضوعات التي خاض عبابها.

وما كان اعتماده على النقل فقط، بل كان يستعمل العقل أيضاً، يدل على ذلك مذهبه في المصنفات التي خلفها، فهو معني بحل المشاكل، يناقش ويجادل بعيداً عن التعصب لمذهبه الشافعي، وكان إلى الاجتهاد أقرب منه إلى التقليد والجمود والوقوف عند أقوال من كان قبله، ولا غرو فالتاريخ يوسع العقل، ويورث صاحبه نوراً لا يستضيء بمثله عقل من لم يرزق حظاً من النظر فيه.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال السمعاني: “كان كثير العلم غزير الفضل، حافظاً، متقناً، ديِّناً، خيِّراً، حسنَ السمت، جمع بين المتون والأسانيد، متثبتاً، محتاطاً”.
  • قال ابن خَلِّكان: “كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان فقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره”.
  • ويقول الذهبي في “سير الأعلام: ” وعدد شيوخه في معجمه ألف وثلاثمائة شيخ بالسَّماع، وستة وأربعون شيخاً أنشدوه، وعن مئتتين وتسعين شيخاً بالإجازة، الكُل في معجمه، وبضع وثمانون امرأة لهُن مُعجَم صغير سمعناه”.
  • قال ابن كثير: “أحد أكابر حفاظ الحديث، وممن عُنِيَ به سماعاً، وجمعاً، وتصنيفاً، واطلاعاً، وحفظاً لأسانيده ومتونه، وإتقاناً لأساليبه وفنونه، صنف «تاريخ الشام» في ثمانين مجلدة، فهي باقية بعده مخلدة، وقد ندر من تقدمه من المؤرخين، وأتعب من يأتي بعده من المتأخرين، فحاز فيه قصب السبق، ومن نظر فيه وتأمله رأى ما وصفه فيه وأصله، وحكم بأنه فريد دهره في التواريخ، وأنه الذروة العليا من الشماريخ”.
الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي
  • قال ابن النجار: “هو إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والثقة، والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن”.
  • قال عنه السُّبكي في الطبقات: “.. إمام أهلِ الحديث في زمانه، وختام الجهابذة الحُفَّاظ، ولا ينكر أحد منه مكانة مكانه، محطُّ رجال الطالبين، وموئل ذوي الهِمم من الراغبين، الواحد الذي أجمعت عليه الأمَّة، والبحرُ الذي لا ساحل له”.
  • وقال السبكي أيضاً : “كان ببغداد يُسمَّى “شُعلة نار” من توقُدِهِ وذكائهِ وحُسن إدراكِه، لم يجتمع في شيوخه ما اجتمع فيه”.
  • أما أستاذه وشيخه الخطيب أبو الفضل الطوسي؛ فيقول عن ابن عساكر: ” ما نعرف من يستحق هذا اللقب سواه” – يعني لفظة الحافظ.
  • قال فيه الشيخ النووي: “هو حافظ الشام، بل هو حافظ الدنيا، الإمام مطلقاً، الثقة الثبت”.

ألقابه:-

من بين ألقاب ابن عساكر؛ ناصر السُّنة، وصدر الحُفَّاظ، وثقة الدولة، ما يعكس مكانته وعلمه وثِقة العلماء والعامة بحديثه وروايته.

أما بشأن لقبه ابن عساكر؛ فيقول السُّبكي في الطبقات: ” ولا نعلم أحداً من جدوده يسمّى عساكر، وإنما اُشتهر بذلك”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

كما يقول الإمام الذهبي في “سير أعلام النبلاء” : ” فعساكر لا أدري لقب مَن هو مِن أجداده، أو لعله اسم لأحدهم”.

وأول من أثبت هذا اللقب كان ابن الجوزي حين قال: ” علي بن الحسن بن هبة الله أبو القاسم الدمشقي، المعروف بابن عساكر”.

كتب ابن عساكر:-

  1. تاريخ دمشق: قال فيه العلامة الأستاذ محمد كرد علي الرئيس الأول لمجمع اللغة العربية بدمشق: “يقع في ثمانين مجلدة، لم يترك شيئاً عن دمشق إلا وذكره فيه، ولا نعرف مدينة من مدن الدنيا حظيت بمثله، ففي المجلدتين الأولى والثانية تكلم عن تخطيط دمشق وسورها وأبوابها وخططها، وأنهارها، وتخطيطها، وقد ترجم ابن عساكر في بقية المجلدات لكل من يصح أن يترجم له من أهل دمشق، وخلفائها، وأمرائها، وحكامها، وقضاتها، وعلمائها، وأدبائها، منذ الفتح الإسلامي وإلى زمانه”.
  1. الإشراف على معرفة الأطراف، في الحديث.
  2. تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري.
  3. كشف المغطى في فضل الموطأ.
  4. تبيين الامتنان في الأمر بالاختتان.
  5. أربعون حديثا من أربعين شيخاً من أربعين مدينة.
  6. تاريخ المزة.
  7. معجم الصحابة.
  8. معجم النسوان.
  9. تهذيب الملتمس من عوالي مالك بن أنس .
  10. معجم أسماء القرى والأمصار.
  11. معجم شيوخ والنبلاء، 46 ورقة في شيوخ أصحاب الكتب الستة.
  12. فضل عسقلان.
  13. فضل مقام إبراهيم.
  14. فضل مكة.
  15. فضل المدينة.
  16. فضل بيت المقدس.
  17. كتاب ذم قُرناء السوء.
  18. كتاب ذم من لا يعمل بعمله.
  19. كتاب يوم المزيد.
  20. كتاب الخضاب.
  21. كتاب المسلسلات.
  22. مسند أهل داريا.
  23. مسند مكحول.

لمحات من تاريخ دمشق:-

  • أرفق في كتابه آيات كريمة، وأتبعها بآراء مفسرين تتحدث عن أنها تقصد أرض الشَّام من قبيل قوله تعالى : “وآوَيْنَاهُمَا إلى ربوة ذات قرار ومعين”.
  • أرفق في كتابه أيضاً أحاديث نبوية شريفة تتحدث عن فضائل الشَّام عموماً ودمشق خصوصاً.
  • حوى كتابه ترجمةً لأعلام وشخصيات منذ فترة ما قبل الإسلام وصولاً إلى عهده.
  • لم يقتصر عمله التأريخي لمدينة دمشق على الجانب التاريخي الكلاسيكي لها، إنمَّا تجاوزه ليحيط بجغرافيتها والعوامل الثقاقية والاجتماعية المميزة لها والمؤثرة فيها.
الرحالة الكبير ابن جبير يصف مآثر دمشق التي ولد وتوفي فيها ابن عساكر
  • الكتاب يتناول بتوسُّع مرحلة مفصلية في تاريخ الأمَّة التي واجهت الحملات الصليبية المتتالية، قبل أن تتمكن من استعادة عافيتها ومقدساتها وحواضرها.
  • اشتمل الكتاب على عمل تأريخي ضخم وغير مسبوق، كما يعتبر موسوعة في الأدب شعراً ونثراً، وله قصيدة في مدح نور الدين زنكي، وذلك بعد رفع عن أهل الشَّام المطالبة بالخشب، قائلاً فيها.

لمَّـا سمحتَ لأهل الشَّام بالخَشَبِ .. عوَّضْتَ مِصـرَ بما فيها من النَّشبِ

وإن بذَلْتَ لفتح القُدس مُحتَسِبــــــــاً .. للأجر جُوزيتَ خيراً غير محتسِبِ

ولست تُعذر في تَرْك الجِهَــادِ وقد .. أصبَحْتَ تملكُ من مِصرَ إلى حَلَبِ

وفاته:-

توفي الإمام ابن عساكر في دمشق، 11 رجب، سنة 571هـ، وله من العمر 72 سنة، وحضر السلطان صلاح الدين جنازته، وصلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري، ودفن في مقابر الباب الصغير.

قال العماد في معجم الأدباء: ” وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة، فدرَّ وسحَّ عند ارتفاع نعشه، فكأن السماء بكت عليه بدمع وبله وطشّه”.

تمثال صلاح الدين الأيوبي في دمشق بالقرب من المسجد الأموي

المصادر:

  • الأعلام (4/273).
  • سير أعلام النبلاء (21/405/رقم 207).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/43/رقم 19).
  • العبر في خبر من غبر (3/60).
  • تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى