أعلام

ابن عبدون الفهري .. الشاعر والوزير الأندلسي

اقتفى في رائيته أثر فحول القدماء من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء بالملوك الأعزة

من هو ابن عبدون الفهري؟

هو الشاعر المُفلق، والوزير الأندلسي، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون الفهري اليابري، نُسب إلى جده لأمه، ولُقِّب بذي الوزارتين، وكان أديبًا، ومُترسِّلًا، ومُحدِّثًا، وعالمًا بالأخبار والآثار.

 وُلدَ ابن عبدون الفهري في يابرة غربيّ بطليوس، وكانت بطليوس ولاسيما في عهد المتوكل عمر بن الأفطس دار شعر وعلم وأدب، وقِبلَة لأهل العلم من كل حَدَبٍ وصَوبٍ، وقد استعمله المتوكل كاتب سرِّه سنة 473ھ، ثم سقطت دولة بني الأفطس في سنة 485ھ، فالتحق بخدمة أمير جيوش المرابطين ابن أبي بكر، ثم أصبح كاتبَ سرِّ علي بن يوسف المرابطي سنة 500ھ، ومن أشهر مصنفاته كتابه في الانتصار لأبي عبيد على ابن قتيبة.

شيوخه:-

اهتم أبوه بتحصيله للعلم، وكان يُلحقه بمجالس كبار العلماء، فتتلمذ ابن عبدون الفهري على يد أعلام العلماء في شتى العلوم، ومنهم:

● الأعلم الشنتمري (ت:476ھ) .
● عبد الملك بن سراج (ت:486ھ) .
● عاصم بن أيوب البطليوسي (ت:494ھ) .

ابن عبدون والمتوكل:-

ظهرت على ابن عبدون الفهري علامات الموهبة الشعرية منذ صِباه، فاحتفى به أمير بطليوس المتوكل عمر بن المظفر، الذي كان بلاطه مُكتظًّا بالأدباء والشعراء والفقهاء، حيث شملت إمارته مدن يابرة وشنترين وأشبونة إلى المحيط، وقد أعجب بشعر ابن عبدون، الذي انبرى يمدحه بأبلغ الأشعار، فنال ابن عبدون عنده من التقدير والعطايا ما لم يَنلْ عند غيره، حتى عندما وفد على المعتمد صاحب إشبيلية ومدحه، لم يحظَ عنده بالقَبول والتقدير الذي يُرضيه، فاكتفى باتصاله بالمتوكل ومدحه إياه، ولم يمدح غيره من أمراء الطوائف، فأغدق عليه المتوكل العطايا والهِبات، واستعمله كاتبَ سرِّه، وقرّبه من بلاطه.

لكن الحياة لا تسير على وتيرةٍ واحدة، ورَغَد العيش زائلٌ لا محالة، فقد كان المتوكل حليفًا للمرابطين، وهي جماعة أمازيغية إسلامية ظهرت في منطقة المغرب الإسلامي، وكان يستعين بهم ويستدعيهم إلى الأندلس لمساعدته في حماية ملوك الطوائف من تهديد الممالك المسيحية، لكن الوِفاق لم يدمْ بينهم، فقد شرع أمير المرابطين يوسف بن تاشفين في الانقلاب على ملوك الطوائف لإسقاط إمارتهم، فتجهّز المتوكل لقتالهم، وانتهى الأمر بينهم بمحاصرة المتوكل وأَسْره وإعدامه، كما قُتل ابناه العباس والفضل.

رائيَّة ابن عبدون الفهري الشهيرة:-

كل هذه الأحداث قلبت حياة ابن عبدون الفهري رأسًا على عَقِب؛ فقد جزع لمقتل المتوكل وابنيه، ونظمَ من فَرْط حزنه عليهم وألمه لمقتلهم رائيّته المشهورة، وهي من أشهر قصائده، ومن أبرز مَراثي الشعر الأندلسي، والتي يرثي فيها دولة المتوكل ببطليوس، عنها يقول ابن بسام: “اقتفى فيها أبو محمد أثر فحول القدماء من ضربهم الأمثال في التأبين والرثاء بالملوك الأعزة، وبالوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبالنسور والعقبان والحيّات في طول الأعمار”، وقد تُرجمت هذه القصيدة إلى الفرنسية والإسبانية، يقول في مَطلعها:

الدَهرُ يُفجِعُ بَعدَ العَينِ بِالأَثَرِ .. فَما البُكاءُ عَلى الأَشباحِ وَالصُوَرِ

أَنهاكَ أَنهاكَ لا آلوكَ مَوعِظَةً .. عَن نَومَةٍ بَينَ ناب اللَيثِ وَالظُفرِ

فَالدَهرُ حَربٌ وَإِن أَبدى مُسالَمَةً .. وَالبيضُ وَالسودُ مِثلُ البيضِ وَالسُمرِ

وَلا هَوادَةَ بَينَ الرَأسِ تَأخُذُهُ .. يَدُ الضِرابِ وَبَينِ الصارِمِ الذكرِ

فَلا تَغُرَّنكَ مِن دُنياكَ نَومَتُها .. فَما صِناعَةُ عَينَيها سِوى السَهَرِ

ما لِلَّيالي أَقالَ اللَهُ عَثرَتَنا .. مِنَ اللَيالي وَخانَتها يَدُ الغيرِ

في كُلِّ حينٍ لَها في كُلِّ جارِحَةٍ .. مِنّا جِراحٌ وَإِن زاغَت عَنِ النَظَرِ

تَسُرُّ بِالشيءِ لَكِن كَي تغرّ بِهِ .. كَالأَيمِ ثارَ إِلى الجاني مِنَ الزَهرِ

كَم دَولَة ولِيَت بِالنَصرِ خدمَتها .. لَم تُبقِ مِنها وَسَل ذِكراكَ مِن خَبَرِ

هَوَت بِدارا وَفَلَّت غَربَ قاتِله .. وَكانَ عَضباً عَلى الأَملاكِ ذا أثرِ

وقِيل: إنه اعتزل المديح بعد مقتل المتوكل، فلم يمدح غيره، ثم استعمله بعد ذلك عليّ بن يوسف بن تاشفين كاتبًا، فقد كان مهتمًا باستقطاب أعيان الكُتَّاب والشعراء وأهل العلم، حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك، وكان ابن عبدون الفهري على رأس هؤلاء الشعراء.

ابن عبدون الفهري عمل في ديوان علي بن يوسف.

ضيق حال ابن عبدون الفهري :-

وذُكِرَ أنه بعدما تقدّم في السنّ، اشتدتْ به الحاجة والعَوَز، وفي ذلك قال أبو بكر بن زهر: دخل علينا رجل رثّ الثياب، كأنه بدوي، فقال: يا بني، هل تستأذن لي بالدخول على الوزير أبي مروان؟ فقلت: هو نائم، فرأى كتابًا في يدي فقال: ما هذا الكتاب؟ قلت: هذا من كتاب الأغاني، فقال: تقابله؟ فقلت: ليس هنا أصل، قال: إني حفظته في صِباي، فتبسمتُ غير مُصدِّق، فقال: فأَمْسك عليّ، فأمسكتُ عليه، فاستظهره عن ظهر قلب، فواللّٰه ما أخطأ شيئًا، وقرأ نحوًا من كرَّاسين، فقمتُ من فَوري إلى أبي، فلما سمع ذلك خرج حافيًا وعانقه، وقبَّل يده واعتذر، وسبَّني وهو يخفض عليه، ثم حادَثَه لبُرهة، ووَهَبه مركوبًا، ثم قلت: يا أبتِ، من هذا الرجل؟ قال: ويحك! هذا ابن عبدون الفهري أديب الأندلس، وكتاب الأغاني هو من أيسر محفوظاته.

وفاته:-

توفي ابن عبدون الفهري بيابرة سنة 529ھ، وقيل: سنة 520ھ، وقِيل أيضًا: سنة 527ھ، وعن الموت الذي لا مفرّ منه يقول:

ما مِنكَ يا مَوتُ لا واقٍ وَلا فادي .. الحُكمُ حُكمُكَ في القاري وَفي البادي

قَدّم أُناسًا وَأَخّر آخَرينَ فَلا .. عَلَيكَ يا مَورِدَ الحادي عَلى الهادي

يا نائِمَ الفِكرِ في لَيلِ الشَبابِ أَفِق .. فَصُبحُ شَيبِكَ في أُفُقِ النّهى بادي

سَلني عَنِ الدَهرِ تَسأَل غَيرَ إِمَّعَةٍ .. فَأَلقِ سَمعَكَ وَاِستَجمِع لِإيرادي

نَعَم هُوَ الدَهرُ ما أَبقَت غَوائِلُهُ .. عَلى جديسٍ وَلا طسمٍ وَلا عادِ

أَلقَت عَصاها بِنادي مَأرِبٍ وَرَمَت .. بِآلِ مامَةَ مِن بَيضاءَ سِندادِ

وَأَسلَمَت لِلمَنايا آلَ مَسلَمَةٍ .. وَعَبَّدَت لِلرَزايا آلَ عَبّادِ

اقرأ أيضاً: قصر الحمراء أشهر قصور الأندلس

المصادر:-

● ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ج2، ص388.
● شوقي ضيف، عصر الدول والإمارات، ص344-347.
● الزركلي، الأعلام، ج4، ص149.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى