أعلام

ابن طباطبا العلوي .. شاعر أصبهان الكبير

كان لا يجري على لسانه حرفان من حروف المعجم؛ الراء والكاف: فيكون مكان الرَّاء غيناً، ومكان الكاف همزة

يعد القرن الرابع الهجري بمثابة لب العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، حيث عرفت الدولة الإسلامية آنذاك ثورة علمية وفكرية وأدبية ذاع صيتها في أرجاء المعمورة.

وحينذاك؛ برزت شخصيات عظيمة من العلماء الكلاميين وأفذاذ العلم وجهابذة الفكر والفلسفة، أمثال أبي الطيب المتنبي، وأبي فراس الحمداني وبديع الزمان الهمذاني ، وغيرهم ممن خلفوا أثراً خالداً في التاريخ العربي الإسلامي، فكان من بين هذه الشخصيات محمد ابن طباطبا العلوي .

التعريف بالشخصية:-

هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن طباطبا العلوي، يرجع نسبه الشريف إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، أما طباطبا؛ فهي الصِّفة التي لحقت إبراهيم بن إسماعيل العلوي، ذلك لأنَّهُ كان يلثغ بالقاف فيجعلها “طاء”، وفي رواية حمزة الأصبهاني؛ أن ابن طباطبا كانت به لكنة شديدة حتى كان لا يجري على لسانه حرفان من حروف المعجم؛ الراء والكاف: فيكون مكان الرَّاء غيناً، ومكان الكاف همزة.

حيث كان ينشد للأعشى:

أغى غَجُلاً في أفِّهِ أتِفُ

وكان يريد القول:

أرى رجلاً في كَفِّهِ كَتِفٌ

بحسب ما أورده ياقوت الحموي في “معجم الأدباء”، فقد ولد ابن طباطبا في أصبهان (إيران حالياً) ولم يبرحها، وقد كان مولده في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.

وما يعزز هذا التاريخ التقديري؛ ما أورده الحموي أيضاً من ان ابن المعتز وهو الخليفي العباسي، كان يراسل ابن طباطبا ، لدرجة أن الأول دوَّن من شعر الثاني، مع الإشارة إلى أن ابن المعتز قد تعرَّض للقتل وذلك في سنة 296 هجرية، ما يعني أن ابن طباطبا كان في مرحلة النضوج الشعري في تلك الفترة التي طار فيها شعره من أصفهان إلى مقر الخلافة في بغداد.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

تميزه عن غيره من الشعراء والنقاد:-

لقد كان ابن طباطبا شاعراً وناقداً، وهي خاصية تفرد بها عن سواه ، إذ لم يكن من فحول شعراء زمانه فحسب؛ بل تجاوز ذلك إلى تناول الشعر العربي نقداً ودراسةً وتمحيصاً وتوجيهاً.

وقد امتاز ابن طباطبا بالمنهجية التي اختلف بها عن غيره، فهو شاعرٌ مطبوعٌ يقول الشعر ويُمارسه، فهو ليس كغيره من علماء اللغة، لا يعنيهم من الشعر غير صياغته اللغوية وقواعد النحو والإعراب، بل إنه كان يلتمس أيضاً ويتتبع مواطن الجمال الفني والذوق الحسن في الشعر.

ومع أن هناك كتابات كثيرة وعديدة في نقد الشعر؛ إلا أن ابن طباطبا ركز في دراسته على المضمون، ثم اللغة الشعرية، ما جعل فكره يعتبر اجتهاداً ضخماً أسّسَ لقواعد النقد، بالمفهوم المعاصر للنقد الأدبي.

ابن طباطبا العلوي – صفاته:-

  • أقام علاقات حميمة مع أكثر شعراء وأدباء عصره.
  • اتَّسَمَ بالذَّكاء والفطنة وصفاء القريحة وجودة النظم.
  • تناولت كتب التراجم فضله وعلمه وأدبه وبراعته في نظم القريض.

مراسلات ابن طباطبا مع ابن أبي البغل:-

ويحتفظُ الأديبُ الراغب الأصبهاني (توفِّي سنة 502 هجرية) في محاضراته بخبرٍ عن مراسلة دارت بين ابن طباطبا وبين أبي الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البَغل، والأخير رجلٌ من رِجال الأدب والسياسة في عصره، حيث وصفهُ ابن النديم في “الفهرست” قائلاً: “بأنه بليغ مترسِّل”، ويذكر له ديوان رسائل وكتاب رسائل في فتح البصرة.

وكان ابن أبي البغل مرشَّحاً للوزارة في عهد الخليفة العباسي المقتدر، لكنه عُيَّن والياً على فارس وذلك في سنة 300 هجرية، ويقول ياقوت الحموي أيضاً : إنه تولَّى في السنة المذكورة ذاتها، ديوان الخراج بأصبهان حيث ظلَّ على عمله ذاك حتى واتته المنية.

الحموي واصفاً أصفهان (أصبهان)

نعود إلى ما ذكره الأصبهاني والذي يقول: وكتب ابن طباطبا إلى ابن أبي البَغل، وبعثَ إليهِ قلماً أسود، وآخر أبيض، وسَبعة سمراً وقال:

هذا ابن ســــــــــــامٍ وبنتُ حــــــــامٍ .. شعبهمـــــا اليوم ذو التئـــــــامِ

قد أظهَـــــــــــرَا في الورى ازدواجــــاً .. فامتَــــــــــــزَجَ النُّورُ بالظَّـــــــــــــــــــلامِ

وانْسَــــــلَا صِـــــــــــــبيةً صِغــــــــــاراً .. سبعــــــــاً يوافين في نظــــــــــــامِ

هُنَّ مَـــــــدَى الدَّهرِ مُرضعـــــــــــاتٌ .. يشتَقْنَ ريـــــــــــاً إلى الفِطــــــــــامِ

ابن طباطبا العلوي وابن رستم:-

خلَفَ أبو علي محمد بن أحمد بن رستم، ابن أبي بغل في ولاية الخراج بأصبهان بعد وفاة الأخير، لتنشأ علاقة بين ابن طباطبا وابن رستم.

وفيما كان ابن طَباطبا يميل إلى مَدح والي الخراج السابق؛ فإن علاقته بابن رستم شابها نوع من التقلُّب، فتارة يمتدحه وتارةً أخرى يهجوه.

وينقل ياقوت الحموي عن كتاب “شُعراء أصبهان” لحمزة الأصبهاني قوله:”.. صادفَ (ابن طباطبا) على باب ابن رستم عثمانيين أسودين.. فامتحنهُما فوجدهما من الأدب خالييّن، فدَخَلَ إلى مجلس أبي عليٍّ، وتناول الدواة والكاغَد من بين يديه وكَتَبَ بديهةً” قصيدةً في هجائهما.

وبحسب الحموي، فإن ابن طباطبا هجا ابن علي بالدَّعوة والبرص، قائلاً:

أنتَ أعْطِيتُ من دلائل رسُل اللــــــــ .. ــــهِ آياً بها عَلَوْتَ الــــــرؤسَا

جِئــــــتَ فرداً لا أبٍ وبيُمنْنَـــــــــــــ .. ـاكَ بياضٌ فأنتَ عيسى وموســــى

وتحت باب “المُعيَّر بفسَاد الحرمة”؛ يذكر الأصبهاني بيتين آخرين من هجاء ابن طباطبا في أبي علي الرستمي، هُما:

غلـــقَ الرُّسمتـيُّ بــــابَ حـــديــــــد .. حلقة الباب من قَبيحِ اللِّقـــــاء

إنّ دار الرِّجــــــــــال وَجْهُكَ يكفيـــــ …ـــها فَعَلِّقْهُ بــــاب دارِ النِّســـاءِ

ابن طباطبا العلوي وقاضي أصبهان:-

نشأت علاقة سيئة بين كل من ابن طباطبا وقاضي أصبهان أحمد بن عثمان البري، حيث اتهم الأول الثاني بالفساد والظُّلم وقبول الرشوة، حيث قال فيه:

وفينَــــا عامِـــلَا عَدْلٍ وجــــــورٍ .. همـــــا حِلْفَا انبســـــاطٍ وانقبــــاضِ

فوالى حربنــــــا في وصــــــــف قاضٍ .. وقاضينـــــــــا عقابٌ ذو انقضــــــــاضِ

ثم هو هنا ذا يحضُ شخصاً على إعطاءِ القاضي رشوة، قائلاً:

يا خليلـــــــــي يا أبا الغيـــــــــث دَرَكْ .. نَصَبَ القاضي لكَ اليومَ شَرَكْ

طَلَــــــــــبَ البرطيلَ فابذُلــــهُ لــــــــهُ .. يسكـــــتُ القاضــــي والَّا ذَكَرَكْ

لا يَهُولَـــــــــنَّكَ دَنِّيَتَــــــــــــــــــــــهُ .. أعْطِهِ من رشــــوَةٍ ما حَضَرَكْ

ويذكر الراغب الأصبهاني ” واتَّفَقَ أن وافى (القاضي) أصبهانَ عليلاً فاحتَجَبَ أيَّاماً، وحَضَرَ فِيلٌ، فاجتَمَعَت النَّظّارة عليه، فمُنَعَ عنه النَّاس إلَّا ببَذّلٍ، فقال ابن طباطبا:

شيئــان قد حَـــــارَ الوَرَى فيهِمــــا .. بأصبهـــانَ: الفيــلُ والقاضــي!

لَيْسَ يُرَى هــــــــذا ولا ذَا فكَـــــــــــمْ .. من ساخِــــطٍ مِنَّا ومِــــــــــن راضٍ

الفيــــــــــلُ يُرْشَى عندَ سِنْدِيِّـــــــهِ .. فأينَ سِنْدِيُّــــــكَ يا قاضـــي؟

كتاب ابن طباطبا العلوي الشهير “عيار الشعر”:-

لقد كان ابن طباطبا عالماً مخضرماً، عاصر تطورات عديدة شهدتها ساحة الشعر والنقد العربي، وكذلك فقد عاصر تطورات طرأت على الحياة العلمية بأسرها، أثرت على الحركة الأدبية في العصر العباسي، كانتشار الترجمة مثلاً، مما أتاح لعلماء المسلمين الاطلاع على ثقافات الأمم الأخرى، والاستفادة منها، فكان لذلك كبير الأثر في توجه علماء المسلمين نحو التحليل والتقصي والتعليل، وهو ما يلاحظ بقوة في كتابه الشهير “عيار الشعر”.

لقد تبنى ابن طباطبا في هذا الكتاب نظرية نقدية، استمدت أصولها من فكرة صناعة الشعر، فوضع للشاعر خطوات منطقية يؤسِس عليها شعره، فيضمن له الجودة والذيوع، ولم يكن ابن طباطبا بدعا في هذا، فقد انطلقت تلك الفكرة من اعتبار الشعر علما له أسسه وقواعده، فكان ذلك أساسا بني عليه الكتاب، ثم تبعه في ذلك قدامة بن جعفر في “نقد الشعر”.

والأهم من ذلك أن من سبقوا ابن طباطبا؛ لم يسندوا قدرة صناعة الشعر إلى أساس عقلي ثابت، يمكن أن يتفق حوله الجميع، بل أسندوها إلى معايير تختلف وتتبدل.

 بينما تشبث ابن طباطبا بالقول بـ”الأساس العقلاني للشعر”، منطلقاً من مفهوم محدد للعلم، يخالف المفهوم الموجود عند باقي من سبقه وعاصره من النقاد .

مؤلفات أخرى:-

لابن طباطبا مؤلفات أخرى، ضاعت في معظمها، فيما يلي أبرزها:

  • ديوان شعره: يُعَد ابن طَبَاطَبّا أحد أشهر شعراء أصبهان، وقد خَّلف وراءه ديوان شعر، أشار إليه ابن
    النديم في “الفهرست”، وقال: إن أبا بكر الصولي جَمَعه ورتَّبهُ على حروف المعجم.
  • كتاب تهذيب الطَّبع، وقد جاء على ذكر اسمه ياقوت الحموي في “معجم الأدباء”، إلى جانب الصفدي
    في “الوافي” وإسماعيل البغدادي في “هدية العارفين”.
  • كتاب الشِّعر والشُّعراء: وقد ذكره ابن النديم في “الفهرست”.
  • كتاب في المدخل في معرفة المُعمَّى من الشِّعر، وتوجد منه نسخة في مكتبة الفاتح باسطنبول.
  • كتاب العروض، الذي وصفه الحموي بالقول: إنه ” لم يُسبَق إلى مِثله”.
  • كتاب سنام المعالي ، وانفرد بذكره ابن النديم في “الفهرست”.
  • كتاب تقريظ الدفاتر ، والذي ذكره الحموي والصفدي والبغدادي.
حجر ابن طباطبا لنفسه موقعاً ريادياً بين شعراء عصره
حجر لنفسه موقعاً ريادياً بين شعراء عصره

وفاته:-

توفِّي ابن طباطبا العلوي سنة 322 هجرية، وأعقَبَ في أصبهان كثيراً، كان منهم العلماء والأدباء والأدباء والنقباء والمشاهير.

ويذكر المزرباني رواية توحي لقارئها بأن ابن طباطبا كان يعيش في مدينة أخرى غير أصبهان، وأنَّه إنَّما عاش
فيها في نهاية مسيرته، وذلك عبر قوله: “وكان ينزل أصبهان وهو قريب الموت”.

المصادر:-

  • عيار الشعر لابن طباطبا، مقدمة المحقق عباس عبد الساتر.
  • عيار الشعر لابن طباطبا، تحقيق عبد العزيز المانع.
  • آسيا الدربالي: ملامح الحداثة في عيار الشعر لابن طباطبا، جامعة الحاج لخضر، باتنة.

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Le_Meidan,_ou_la_place_d%27Ispahan,_en_Perse.jpg

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى