أعلام

ابن صارة الشنتريني .. الشاعر الأندلسي النابغة

ناثر وشاعر مفلق، وشهاب متألق، نثر فسحر، ونظم فنمنم

اسمه ونسبه:-

عبد الله بن محمد بن صارة ، أبو محمد البكري الأندلسي الشنتريني ، الشاعر الأندلسي، وُلِد في بلدة شَنْتَرِيْن الأندلسية، وتجول في بلاد الأندلس شرقاً وغرباً.

يُقال في اسم جده: صارة وسارة.

الشنتريني نسبة إلى بلدة شَنْتَرِيْن الواقعة غرب جزيرة الأندلس.

الأندلس شهدت بروز عدد كبير من العلماء والأدباء مثل ابن صارة الشنتريني
الأندلس شهدت بروز عدد كبير من العلماء والأدباء

مكانته الشعرية:-

كان شاعراً ماهراً ناظماً ناثراً، وله ديوان شعر أكثره جيد وفيه رِقَّة، مدح الأمراء والولاء والرؤساء، وكتب لبعضهم، إلا أنه كان قليل الحظ إلا من الحرمان، لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان.

لقد عاش شاعرنا حياة طويلة كان خلالها يحظى بمكانة مرموقة وصيت ذائع، مرهوب الجانب، صاحب تجربة وترحال ومخالطة للنَّاس، وقد عرك صروف الدَّهر لينسج على منوال الفن الحي الصادق الساحر.

لقد كان ابن صارة الشنتريني أحد النوابغ الذين عاشواً في عصر المرابطين، مقدماً نفسه اسماً لامعاً صاحب هجاء لاذع وشكوى أليمة وسخرية مريرة، وهي سمات لم تُحل دون تقديمه أبدع الصور للطبيعة الجميلة بأرقى تجلياتها.

كان له خبرة وبصر ثاقب بالورَّاقة ونسخ الكتب، ونسخ بخطه المليح للناس كثيراً، وقد انتحلها بعد كساد سوقها، وفيها يقول:

أما الـــــوَرَّاقةُ فهي أيكةُ حِــرفــةٍ.. أوراقُهــــا وثمارُهـا الحرمانُ

شبَّهت صاحبهـــا بصـــاحِبِ إبــــرةٍ.. تكســـو العُراة وجسمُها عريانُ

وله في غلام أزرق العين:

ومهفهــفٍ أبصرْتُ في أطواقِـــــهِ.. قَمَــــراً بآفاقِ المَحَــاسنِ يشرقُ

تقضي على المهجاتِ منه صعدةٌ.. متألِّــــقٌ فيها سنانٌ أزرقُ

شعر الشنتريني في الغزل:-

ومن ذلك قوله:

أُحب الَّذِي يَــهوى عَذَابِـــي دَائِمــــاً.. وَمَـــا لي فِيهِ مَا حييْتُ نصيبُ

هِلَالٌ على غُصْنٍ يميس على نقــاً.. وكُــلُّ مَعَاني حُسْنِهِ فَغَرِيبُ

وقال متغزِّلاً:

يَــا مَــنْ يُعَــذُّبنــي لَمَّــــــا تملَّكَـــــــني.. مَـــــاذا تُريدُ بتعذيبي وإضرَاري ؟

تَروقُ حُـسْنَـاً وفيــكَ المَـوتُ أجْمَعُــــهُ.. كالصَّقْـلِ في السَّيْفِ إو كالنُورِ في النَّارِ

وقال متغزِّلاً أيضاً وهو يشكو الشَّقاء:

قَــاسَيْــتُ حُبَّــكِ بَعْــدِ حَـولٍ كَـامِـــلٍ.. وَطُيُـــورُ آمَــالي عَلَـــيكِ تَـــحُومُ

فَحُـــرِمْتُ مِنْكِ بُلُــــوغَ مَـــــا أَملتـــــهُ.. أشقى البريَّة عَـــاشِقٌ مَحْــرُومُ

شعر الشنتريني في الزهد:

يا مَن يُصِيخُ إلى دَاعي السِّفَاهِ وقد.. نادَى به النَّاعِيان الشَّيْبُ والكِبَرُ

إن كنتَ لا تسمعُ الذِّكْرَى ففي مَ ثَوَى.. في رأسِك الواعِيان السمعُ والبصرُ

ليس الأصَمُّ ولا الأعمى سوى رجُــلٍ.. لم يهْدِه الهادِيان العَيْنُ والأثَرُ

لا الدهرُ يبْقَى ولا الدنيا ولا الفَلكُ الْـ.. ـأعْلَى ولا النَّيِّران الشمسُ والقمرُ

ليَرْحلَنَّ عن الدنيــا وإن كرِهـــــا.. فِراقَهــــا الثَّاويان البدوُ والحضَرُ

ابن صارة الشنتريني

ومن شعره في الزُّهد:

أيُّ عُذرٍ يكُـــونُ لـــي ؟ أيُّ عُــــذْرٍ … لابــنِ سبعِـين مُــولَع بالصَّبابَة

وهُوَ مــــــاءٌ لم تُبقِ مِنْــهُ اللَّيَـــالـِي .. في إِنـــــاءِ الحَيَــاةِ الَّا صَبابــة

وقال في السَّفَر:

مقــــامُ حُــــرٍّ بــأرضِ هــــــــون.. عجـــــزٌ لعمـــري من القيم

ســـافِر فــإن لَم تَجِـــد كريمـــــــاً.. فَمِــن لئيـــمٍ إلى لئيـــمِ

ومن طريف شعر الشنتريني:

وَصَاحِبٌ لِي كَدَاءِ الْبَطْنِ صُحْبَتُــهُ.. يَوَدَّنِي كَــوِدَادِ الذِّئْبِ لِلرَّاعِي

يُثْنِي عَلــيَّ جَزَاهُ اللــهُ صَالِحَـــةً.. ثَنَــــاءَ هِنْدٍ عَلَى رَوْحِ بنِ زِنْبَـاعِ

وقال في إنفاق المال:

أســعَد بمالَكَ في الحيـــاةِ ولا تــكُن.. تبقى عليــهِ حِـــــذار فقر حادثِ

فالبُخـــلُ بيـــنَ الحادِثين وأنَّمــــا.. مــــالُ البخــيلِ لحـــادثٍ أو وارثِ

بلغت به المرارة إلى الجَهْرِ بأنَّ الغِنى لا يُلازِم إلَّا الجَهَالة، قائلاً:

عـــابوا الجَهَــالة وازدروا بحقُوقِهـــــا.. وتهافتـــوا بحديثهِــا في الَمجلسِ

وهي التي ينقَـــادُ في يدِهَـــا الغِــنى.. وتجيــئُهَــا الدُّنيَــا برغم المعطِسِ

إنَّ الجَهَــــالةَ للغِنــى جَــــذَّابــةٌ.. جَــذْبَ الحَــدِيدِ حِــجَـارةَ المغْنَطِيـــسِ

من شعر الشنتريني في ذكر الزمان وبنيه، وتعذر آماله فيه:

أرى الدِّينــــــار للدُّنيــــا نسيبــــاً… يحيـــدُ عن الكرام كما تحيدُ

هما سيَّــــان إن صحَّفْتَ حرفــــاً.. وجــدت الرَّاء تنقض أو تزيدُ

رأيْتُ هواهمـــا استــولى علينـــا… فنحـــنُ بحكمِه أبداً عبيدُ

إلــى كم ينفِـــرُ الدِّينـــــار منِّي… ويطلــب كفَّ مَنْ عَنْهُ يحيدُ

ألم أُنْشِـــــدْهُ في وادي هيامـــي…. بِـــهِ لو كانَ يعطفُهُ النَّشيدُ

لابن صارة مجموعة من المقطوعات التي أوقفها على وصف النَّار سُميَت بالنَّاريات، وصوَّر لنا فيها أُلفَتُه لها واستئناسه بها، ومن ذلك قوله:

لابنة الزِّندِ في الكوانين جَمْــرٌ.. كالدراري في الليلةِ الظَّلمــاءِ

خَبِرونــــي عَنـْـــها ولا تَكْذِبونِــي.. ألدَيْهَـــــا صنــاعةُ الكيميَــاءِ ؟

سَبَكتْ فَحْمَــهَـا صَفَــائِحُ تبــرٍ.. رَّصَعَتْهَـــا بالفِــضَّــةِ البيضـاءِ

كُـلَّمــا رَفرَفَ النَّسِـــيمُ عليهَـــا.. رَقَصَــتْ في غــلالةٍ حمـــرَاءِ

سَفَـرَت عَنْ جبينِهـــــا فأرتْنَـــا.. حــــاجِـبَ الشَّمْــسِ طالعاً بالعِشَــاءِ

لو تَــرَانَـا مِـنْ حَوْلِــهَـا قلت قـوم.. يُقـــاطِعونَ الكؤسَ الضــهباءِ

وقال في وصف النارنج:

أَجَمْرٌ على الأغصـــانِ زادت غضـــارةً.. بِـه أم خدود أبرزتها الهوادج

وقضب تثنت أم قدود نواعـــم.. أعالــج مِن وجدي بها ما أعالج

أرى شجر النارنـج أبدى لنــا جنىً.. كقطـر دموعٍ ضرجتها اللواعج

مال الشنتريني لشعر الحكمة والزهد في سنوات حياته المتقدمة
مال لشعر الحكمة والزهد في سنوات حياته المتقدمة

ما قيل فيه:-

  • قال ابن بسام الشنتريني: “ناثر وشاعر مفلق، وشهاب متألق، نثر فسحر، ونظم فنمنم، وأولع بالقصار فأرسلها أمثالاً، ورشق بها نبالاً، لا سيَّما قوارع كدرها على مردة عصره، وسم بها أنوف أحسابهم، وتركها مثلاً في أعقابهم، وأوصاف أبدع فيها، واخترع كثيراً من معانيها، وملحٍ في شكوى زمانه، دل بها على علو شانه، حتى لو أن أبا منصور الثعالبي رآه، أو سمع شيئاً مما نحاه، لأضرب عن ذكر كثير ممن به أغرب، كابن سُكَّرَةَ وابن لَنْكَك، ومن سلك ذلك المسلك”.
  • وقال الصفدي: “كان شاعراً مغلقاً لغوياً، مليح الكتابة، نسخ الكثير بالأجرة، وهو قليل الحظ”.

وفاة الشنتريني:-

توفي ابن صارة الشنتريني بمدينة الْمُرِّيَّةُ من جزيرة الأندلس، سنة 517هـ.

تُنسَب له هذه الأبيات وهو في عُمر الثمانين:

ولي عصا عن طريق الذَّم أحمدها ..

بها أقدم في تأخيرها قدمي

كأنَّهُمـــا وهي في كفّي أهُشُّ بهـــــا ..

على ثمانين عاماً لا على غنَمي

المصادر:

  • الأعلام (4/122).
  • الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (4/834).
  • سير أعلام النبلاء (19/459/رقم 267).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/89).
  • العبر في خبر من غبر (2/409).
  • المغرب في حلى المغرب (1/418/رقم 294).
  • ابن صارة الأندلسي، حياته، وشعره، الدكتور مصطفى عوض.
  • وفيات الأعيان (3/93/رقم 346).
  • الوافي بالوفيات (17/304).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى