أعلام

ابن سيده .. أوحد زمانه في اللغة والنحو

قال عنه ابن خَلِّكان: "كان إماماً في اللغة والعربية، حافظاً لهما"

اسمه ونشأته:-

علي بن إسماعيل ، أبو الحسن الـمُرْسي، المعروف بابن سِيْدَهْ، اللغوي، كان أعمى ابن أعمى، وكان أبوه قيَّماً بعلم اللغة، فأخذ عن أبيه أول أمره، ثم أخذ من صاعد بن الحسن البغدادي، وقرأ على أبي عمر الطَّلَمَنْكِي، وُلِدَ في مُرْسيَّة شرق الأندلس سنة 398هـ.

كنيته:-

وهي أبو الحسن، تكنيته بولده “الحسن”، ولكن شهرته” ابن سيده “، بكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة.

ولم يذكر سبب تكنيته تلك، ولكن في بعض الكتب بالتاء “سيدة” وهي تصحيف.

نسبته:-

ذكر المؤرخون في سلسلة نسبته: المُرسي والأندلسي.

بالمرسي: بضم الميم وسكون الراء وبعدها سين مهملة، وهي نسبة إلى مرسية، وهي مدينة في شرق الأندلس.

وأما نسبته الأندلسي، فتلك إلى موطنه الكبير الأندلس.

مولده ونشأته:-

ولد ابن سيده عام 398هـ/1007م، ولا يوجد أي خلاف في مولده، ولد ابن سيده في مدينة مرسية وهي محلة في شرق الأندلس، ومرسية (مورسيا حالياً) أخت إشبيلية، وهي بستان شرق الأندلس، وأما إشبيلية؛ فهي بستان غربها، قد قسَّم الله بينهما النهر الأعظم ولمرسية مزية تيسير السقيا منه، ولمرسية فضل ما يصنع.

مرسية حيث ولد ابن سيده
مرسية كما تبدو اليوم

صفته:-

كان ابن سيده ضرير البصر، واشتهر بذلك حتى لقب به فصار من يترجم له يقول: ابن سيده الأعمى، أو الضرير.

والده:-

ترجم له السيوطي في البغية قائلاً: إسماعيل بن سيده أبو بكر المرسي، الأديب الضرير، والد مصنف المحكم، أخذ عن أبي بكر الزبيدي، وكان من النحاة ومن أهل المعرفة والذكاء، مات بعد الأربعمائة.

وقال ابن حجر: لقي أبا بكر الزبيدي، وأخذ عنه، وكانت له معرفة، وذكره ابن بشكوال وكان أعمى أيضاً، وقال الذهبي: وكان أبوه أيضاً لغوياً.

مكانته العلمية:-

يعتبر أشد أهل الأندلس اعتناء باللغة، وأعظم مؤلفيها، فهو رأس في العربية، وحُجَّة في نقلها، وإمام فيها، وحافظ لها، وكان مضرب المثل في الذكاء.

لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها، وكان متوفراً على علوم الحكمة، ذا حظ وتصرف في الشعر، حيث يقول:

لَا تَضْجَـــــرَنَّ فَمَا سِــــوَاكَ مُؤَمَّـــلُ .. وَلَدَيْكَ يَحْسُنُ لِلْكِـــــرَامِ تَذَلُّــلُ

وَإِذَا السَّـــــحَابُ أَتَتْ بواصلِ درِّهـــا .. فَمن الَّذِي فِي الرِّيِّ عَنْهَا يَسْـــأَلُ

أَنْتَ الَّذِي عَوَّدْتَنَــا طَلَــــــبَ الـمُنَـــى .. لَا زِلــــْتَ تَعْلَمُ فِي العُلا مَا يُجْهَـــــلُ

أقوال العلماء فيه:-

  • يذكر الذهبي فضله بقوله: إمام اللغة، ثم قال: أحد من يضرب بذكائه المثل، قال أيضاً: هو حجة في نقل اللغة، وقال أبو عمر الطلمنكي: دخلت في نقل اللغة، وقال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية فسألني أهلها أن يسمعوا في الغريب المصنف، فقلت: أحضروا من يقرأ فجاءوا برجل أعمى يقال له ابن سيده، فقرأه علي كله من حفظه وأنا ممسك بالأصل فتعجبت من حفظه.
تتلمذ الإمام جلال الدين السيوطي على يد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني
  • ومدحه الحافظ ابن كثير فقال: “كان إماماً حافظاً في اللغة”.
  • وقال الإمام جلال الدين السيوطي: “كان حافظاً لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها، متوفراً على علوم الحكمة”.
  • قال أبو الحسن المغربي: “هو عندي فوق أن يوصف بحافظ أو عالم”.
  • وقال ابن صاعد الأندلسي: “ابن سيده أعلم أعل الأندلس قاطبة بالنحو، واللغة والأشعار، وأحفظهم لذلك”.
  • وقال ابن خَلِّكان: “كان إماماً في اللغة والعربية، حافظاً لهما”.
  • وقال الحميدي: “هو إمام في اللغة والعربية، حافظ لهما، على أنه كان ضريراً وقد جمع في ذلك جموعاً، وله مع ذلك حظ في الشعر وتصرف”.
  • وقال القاضي الجَيَّاني: “كان مع إتقانه لعلم الأدب والعربية متوفراً على علوم الحكمة وألَّف فيها تأليفات كثيرة، ولم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بعلومها، وكان حافظاً”.
الجياني شهد ان ابن سيده بالعلم الوافر
الجياني شهد لابن سيده بالعلم الوافر
  • وقال أبو عمر الطَّلَمَنْكِي: “دخلت مُرْسِية، فتشَّبَثَ بي أهلها ليسمعوا عليَّ «غريب المصنف»، فقلت: انظروا من يقرأ لكم، وأُمْسِك أنا كتابي، فَأَتونِي بإنسان أعمى يعرف بابن سِيْده، فقرأه عليَّ كله، فعجبت من حفظه”.
  • وأثنى عليه صاحب المغرب قائلاً: “لا يعلم بالأندلس أشد اعتناء من هذا الرجل باللغة، ولا أعظم تواليف، تفخر مرسية به أعظم فخر، طرزت به برد الدهر، وهو عندي فوق أن يوصف بحافظ أو عالم”.

شيوخ ابن سيده وأساتذته:-

وتلقى العلم على أبيه الذي كان قيماً بعلم اللغة ويذكر المؤرخون أن ابن سيده أخذ عن صاعد البغدادي الوافد على الأندلس من المشرق، وكان من العارفين باللغة وفنون الأدب والأخبار، وتتلمذ على أبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكين وكان إماماً في القراءات، ثقة في رواية اللغة مفسراً محدثاً، مشهوراً بالورع، ومحاربة البدع.

وقد درس ابن سيده ما كان شائعاً في عصره وما يتفق مع حالته، فعني بعلوم اللغة والدين، ونهل منهما بالقدر الذي كانت تسعفه به ذاكرته الجبارة.

وذكرت دائرة المعارف أنه أخذ عن صالح بن الحسن البغدادي ودرس على أبي العلاء سعيد البغدادي.

علوم ابن سيده وتخصصه:-

كان ابن سيده فقيهاً لغوياً نحوياً أديباً منطقياً، قال فيه السيوطي: لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والأشعار وأيام العرب وما يتعلق بها متوفراً على علوم الحكمة.

وكان له علم بالقراءات، ولقد كان شيخه أبو عمر الطلمنكي إماماً مقرئاًن يتبين من المحكم أن مؤلفه كان على جانب كبير من العلم بالقراءات، ولعله أخذ علمه بها من إقامته بمدينة “دانية” التي اشتهرت بأن أهلها أقرأ أهل الأندلس، لأن أميرها مجاهد بن عبد الله العامري كان يستجلب القراء، ويتفضل عليهم وينفق عليهم الأموال.

وإلى جانب دراسته اللغة والنحو والأدب؛ عني بالمنطق عناية طويلة، وارتضى فيه مذهب متى بن يونس، ولعل ذلك مما حدى بالسيوطي أن يقول: متوفراً على علوم الحكمة.

على اعتبار أن المشتغلين بالمنطق كانوا يسمونه بهذا الاسم.

لكن أكثر شهرته في علم اللغة حتى لقب به كما في لسان الميزان والمغرب، ولقد عرف ذلك هو من نفسه فقال في مقدمته للمحكم” “أنا الجواد الخوار العنان، المخترق للميدان، في غير فن من الفنون، واليقين قاتل لخوالج الظنون، وذلك أني أجد علم اللغة أقل بضائعي، وأيسر صنائعي، إذا أضفته إلى ما أنا به من علم حقيق النحو، وحوشى العروض وخفى القافية، وتصوير الأشكال المنطقية، والنظر في سائر العلوم الجدلية.

كان ابن سيده في موسوعته في جمع المادة المعجمية يقف على أخطاء وزلات من سبقه من اللغويين والنحاة على شيء من ذلك في كتبه.

كتب ابن سيده:-

ترك ابن سيده مؤلفات كثيرة وصل إلينا بعضها، وفقد بعضها الآخر، أو لا يزال مطموراً في دور الكتب والمحفوظات لم تمتد إليه يد البحث، ومن مؤلفاته:

  1. المحكم والمحيط الأعظم، معجم لغوي مرتب على حروف المعجم.
  2. المخصص، مرتب على الأبواب، أولها: باب خلق الإنسان؛ أتى فيه بكل ما يتعلق بالإنسان من مفردات اللغة في بدوه وحضارته، وختم الكتاب ببحث في اشتقاق أسماء الله الحسنى.
  3. كتاب الأنيق في شرح الحماسة لأبي تمام، في ست مجلدات، أو عشرة أسفار، على خلاف بين المراجع.
  4. شرح إصلاح المنطق.
  5. شرح ما أشكل من شعر المتنبي.
  6. الوافي في علم أحكام القوافي.
  7. شاذ اللغة.
  8. شرح كتاب الأخفش.

وفاة ابن سيده:-

اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل: إنه توفي في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وقيل: توفي في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، والثاني هو الذي عليه الأكثر، قال الذهبي: وأرخ صاعد ابن أحمد القاضي موته في سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، وقال: بلغ الستين أو نحوها.

وقيل في البداية والنهاية عن شهر وفاته: توفي في ربيع الأول منها، أي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وله ستون سنة.

وقال ابن حجر: في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، وله ستون سنة أو نحوها.

وقال ابن خلكان: ففي يوم الجمعة كان صحيحاً سوياً إلى وقت صلاة المغرب ثم دخل المتوضأ، فأخرج منه وقد سقط لسانه، وانقطع كلامه، وبقي على تلك الحال يومين، وفي عشية يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربع مائة توفي على بن سيده بدانية.

ابن خلِّكان .. صاحب “وفيات الأعيان”

المصادر:

  • سير أعلام النبلاء (18/144/رقم 78).
  • المغرب في حلى المغرب (2/259/رقم 531).
  • الفهرست لابن النديم.
  • تذكرة الحفاظ للذهبي.
  • شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي.
  • وفيات الأعيان لابن خلكان.
  • الأعلام للزركلي.

https://www.besttimetovisit.com.pk/spain/murcia-3553980/

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى