أعلام

ابن سيد الناس .. العلَم المحدث الحافظ

مؤلفاته لم تخرج عن نطاق الحديث والسيرة والتراجم والأدب

اسمه ونسبه:-

الحافظ المفيد العلامة الأديب البارع المتفنن، فتح الدين أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن سيد الناس اليعمري الإشبيلي الأندلسي ثم المصري الشافعي، صاحب “السيرة النبوية”.

فهو يعمري نسبة إلى بطن من كنانة.

وربعي: نسبة إلى ربيعة بن نزار.

وهو إشبيلي أندلسي: تبعاً لآبائه وأجداده.

وقاهري مصري: تبعاً لولادته بالقاهرة وامتداد حياته فيها.

وهو شافعي: نسبة إلى مذهبه الفقهي.

مشهد عام لمدينة القاهرة - ابن سيد الناس
مشهد عام لمدينة القاهرة في العام 1870 م

اللقب والكنية:-

وكان يحمل كعامة أعلام أهل عصره لقباً عرف به هو فتح الدين، كما عرف بكنيتين، أولاهما: ابن سيد الناس: وهي كنية مستمدة من اسم جده الحادي عشر ويشاركه فيها من أسرته: والده أبو عمرو، وجده أبو بكر، وأخوه: أبو سعد محمد المتوفي سنة 728هـ، وأبو القاسم محمد المتوفي سنة 749هـ، لكنها إذا أطلقت لا تكاد تنصرف إلا إليه عند المؤلفين، ولهذا حرص كل من ترجم له على ختم نسبه بعبارة: “المعروف بابن سيد الناس”.

أما كنيته الثانية فهي “أبو الفتح” كناه بها شيخه المسند عبد اللطيف بن عبد المنعم ابن علي، المعروف بالنجيب الحراني المتوفي سنة 672 هـ: وذلك سنة مولده، حين أحضره والده شيخه المسند في مجلس الحديث، فاشتهر بها بين مشايخه وأقرانه، ولذلك نرى شيخه ابن دقيق العيد المتوفى سنة 702هـ، يناديه بها في درسه حين يتوجه بسؤال إليه، بالإضافة إلى أنها الكنية التي تميزه عن بقية أفراد أسرته إذا لم تكن ثمة قرائن أخرى.

نشأته:

ذكر ابن سيد في إجازته لتلميذه ابن أيبك الصفدي، أن مولده كان في رابع عشر ذي القعدة بالقاهرة سنة 671 هـ ، وهي المدينة التي تمثل مهاجر والده الذي كان قد استقر فيها في وقت مبكر، وولي مشيخة الكاملية بعد ابن دقيق العيد، ثم انتزعها منه البدر بن جماعة، وأسندها إلى غيره.

الادريسي يصف مدينة بجاية
الإدريسي يصف مدينة بجاية

وقد كان جده الحافظ أبو بكر محمد مستقراً ببجاية من بلاد الجزائر، بعد هجرة هذه الأسرة إلى الأندلس، وكانت بجاية إذ ذاك من الحواضر العلمية في المغرب حيث كان أبو بكر أحد أعلامها وشيوخها.

بيت علم ودين:-

وهذا يؤكد أن صاحبنا أبا الفتح قد ولد في بيت علم وفضل ودين، يحرص على أن ينشأ أبناؤه علمية وفق ما تعارفت عليه البيئات العلمية آنذاك، التي كانت تولي التلقي والمشافهة والإسناد الشأن الأكبر في التعليم والتعلم، ولذلك نرى والده أبا عمرو محمد يأخذه وهو بعد في تمائمه، في سنته الأولى من عمره إلى مجلس شيخه النجيب عبد اللطيف ابن عبد المنعم الحراني، فكان ذلك أول عهده بالإحضار والإجازة برواية الحديث ثم أحضره حين بلغ الرابعة من عمره سنة 675هـ، وهي سن الإحضار عادة عند المحدثين، عدة المجالس، منها مجلس شمس الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي.

واستمرت عناية هذا الوالد بولده أبي الفتح، وإحضاره إلى مجالس العلم والحديث، حيث كان يأخذ إليها وهو في الخامسة، ويتولى بنفسه القراءة ليسمعه، وشاهد ذلك بعض مسموعاته في هذه السن، ومنها: كتاب الشفاء للقاضي عياض، الذي سمعه بقراءة والده على ابن رشيق بمصر سنة 677 هـ.

وجاء في إجازته لصلاح الدين الصفدي حيث قال: “أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله بقراءة والدي رحمه الله عليه، وأنا أسمع سنة 676 هـ”.

كما سمع بعد ذلك بقراءة والده أيضاً صحيح البخاري الفوائد (الغيلانيات).

التلقي المباشر:-

ولما بلغ سن الرابعة عشرة من عمره، بدأ بالتلقي المباشر عن الأشياخ، فهو يقول: ثم في سنة 685 هـ كتبت الحديث عن شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد القسطلاني _رحمه الله_ بخطي، وقرأت عليه بلفظي، وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص بن طبرزذ، والعلامة أبي اليمن الكندي، والقاضي أبي القاسم الحرستاني، والصوفي أبي عبد الله بن البنا، وأبي الحسن بن البنا، وغيرهم، بمصر والإسكندرية والشام والحجاز، وغير ذلك.

وبهذا تكون قد تكاملت له كل عناصر التنشئة العلمية التي فتحت الطريق أمامه واسعاً بعد ذلك لطلب العلم داخل مصر وخارجها، حتى غدا شيخنا علماً ومحدثاً حافظاً، له مكانته بين أقرانه وأهل عصره، قادراً على الإجازة والإقراء والتدريس والتصنيف، وتولي المناصب العلمية الرفيعة.

شيوخه:

لم يتيسر لأبي الفتح أن يكتب معجماً جامعاً لمشايخه، كما فعل أكثر الحفاظ والمحدثين، ولكن تلميذه وصديقه الصفدي استثاره بسؤال عن أحفظ من لقي منهم، فرد عليه بأجوبة اعتبرت تصنيفاً من كتبه، يحتوي على أسمائهم وعلمهم، وما تميز به كل واحد منهم من الحفظ والإتقان، وقد استفاد من هذه التراجم ابن فهد في تذييله على تذكرة الحفاظ.

تلاميذ ابن سيد:

كان ابن سيد الناس -إلى جانب غزارة عمله، وتنوع تخصصاته- يتحلى بصفات أخرى، تجعل طلال العلم، يقبلون على مجالسه ودروسه، ولا يترددون في الأخذ عنه، والسماع منه، والتخريج به.

أفاد أبو عبد الله بن الأعرابي العديد من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه من شتى بقاع الأرض.
تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء

مؤلفات ابن سيد:

ناهزت مؤلفات ابن سيد رحمه الله تعالى عشرة كتب، تتفق موضوعاتها مع تكوينه الثقافي واهتماماته العليمة، إذ لم تخرج عن نطاق الحديث والسيرة والتراجم والأدب.

وفاته :-

وبعد حياة حافلة بالتعلم والتعليم، والخطابة والتدريس، والكتابة والتأليف؛ جاء الأجل المكتوب، والقضاء المحتوم، ومات ابن سيد الناس حيث اختارته المنية وهو يستقبل في مجلسه أحد أصدقائه بمنزله في مدرسة الحديث الظاهرية، فقد هب لاستقباله، ثم سقط من قامته، وتوفي رحمه الله من ساعته، ودفن من غده بالقرافة في جنازة حاشدة، شيعها القضاة والأمراء والجند والفقهاء، ولما بلغت وفاته تلميذه الصفدي رثاه بقصيدة.

مراجع ترجمته:-

المعجم المختص للذهبي ص 260 .

طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 9/268.

Image by Izwar Muis from Pixabay 

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى