أعلام

ابن سعيد المغربي .. العالم والشاعر الأديب

مؤرخ أندلسي ومن الشعراء والعلماء بالأدب، وُلِدَ ليلة عيد الفطر قرب غرناطة

اسمه ونشأته:-

علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك، نور الدين أبو الحسن العَنْسِيُّ الـمُدْلِجِيُّ، من ذرية الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه، مؤرخ أندلسي ومن الشعراء والعلماء بالأدب، وُلِدَ ليلة عيد الفطر بقلعة يَحْصُب قرب غرناطة سنة 610هـ، ونشأ واشتهر بالمدينة ذاتها.

أما جدُّه الأكبر عبد الملك؛ فكان موالياً للمرابطين، حتى ثارت عليهم الأندلس سنة 539 هجرية، فاحتمى بقلعته إلى أن خضع لدولة الموحدين التي ورثت دولة المرابطين، ليتخذ عثمان بن عبد المؤمن نجله الشاعر المرموق أبا جعفر أحمد وزيرا له.

غرناطة - ابن سعيد المغربي
غرناطة الرائعة التي تضم قصر الحمراء

الأحداث التاريخية التي عاصرها:-

عاصَرَ ابن سعيد المغربي جُملة متغيرات في الشرق والغرب أثرت على انتاجه الفكري والشعري، وحتى على صعيد طبيعة ما كتبه كجغرافي ورحَّالة للمواضع والأحداث التي شهدها، فيما يلي أبرز تلك المتغيرات التي شهدها العالم الإسلامي آنذاك:

  • في المشرق؛ سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية بقبضة المغول عام 656 هجرية (1258 ميلادية).
  • في الشام ومصر؛ كانت الحرب سجالاً بين الصليبيين من جهة، والمسلمين بقيادة الأيوبيين من جهة ثانية.
  • أخذت الحواضر الأندلسية الرئيسة تسقط تباعاً في يد الإسبان، بدءاً من قرطبة (633 هجرية) و مروراً ببلنسية (636 هجرية) ومرسية (641 هجرية)، وليس انتهاءً بإشبيلية (646 هجرية)، فيما واصل بنو الأحمر دفاعهم عن مملكة غرناطة لنحو قرنين من الزمن، قبل أن يكون مصيرها كشقيقاتها وذلك في سنة (897 هجرية).
  • وكان الحال في المغرب الأقصى والأوسط، مغايراً نسبياً وذلك على الرغم من استمرار المطاحنات والمواجهات بين الموحدين والمرابطين، في وقت واصلت فيه البيوتات الأندلسية الكبيرة في الترحال إلى جنوب البحر المتوسط.
  • إعادة فتح بيت المقدس نهائياً عام 642 هجرية، على يد الملك الصالح أيوب، وهزيمة الصليبيين أيضاً في الحملة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع وذلك بسيوف المصريين سنة 648 هجرية، وتكللت هذه الهزيمة بأسر الملك نفسه من قبل الأيوبيين.
شهِد ابن سعيد المغربي اندحار إحدى الحملات الصليبية على الشرق
شهِد اندحار إحدى الحملات الصليبية على الشرق

رحلاته بين المشرق والمغرب :-

في خِضَم الاضطربات التي شهدتها الأندلس؛ قرَّرَ موسى والد علي مغادرتها صَوب المشرق عام 636 هجري، برفقة نجله، بقصد أدائهما لمناسك الحج.

وفي طريقهما الطويلة؛ عبرا المغرب ثم تونس والتي حظيا فيها بإكرام حكَّامها وأدبائها ، خصوصاً التيفاشي (أبو العباس).

ومن بعد ذلك؛ انتقلا إلى الإسكندرية، ليلفظ فيها والده أنفاسه الأخيرة سنة 640 هجرية قبل أن يتمكن من الذهاب للديار المقدسة، وذلك بسبب الحروب الدائرة في المشرق العربي، تاركاً علي غريباً وحيداً في الديار المصرية.

لكن علاقات ابن سعيد المغربي الوطيدة برجال مصر؛ ساهمت بتخفيف وطأة هذا الألم المزدوج، خصوصاً تلك العلاقة المميزة التي نشأت بينه وبين جمال الدين ابن يغمور نائب السلطان الأيوبي في مصر وحلب، والذي ألَّف له ابن سعيد كتابه “رايات المبرزين”.

اللقاء بابن العديم :-

شاءت الأقدار أن يلتقي ابن سعيد المغربي عام 644 هجري، بمؤرخ كبير آخر وهو كمال الدين بن العديم والذي جاء لمصر من حلب موفَداً من قِبَل الملك الناصر يوسف الأيوبي صاحِب حلب والشام، وذلك بهدف إرسال رسالة إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين الأيوبي سلطان مصر.

وخلال لقائهما؛ تبادلا الحديث وأعجب كل منهما بالآخر، ليقدِّم ابن العديم دعوة للمغربي لمرافقته إلى حلب، إذ أنه سيجد فيها عنايةً أكبر تحت ظل الملك الشَّاعِر النَّاصر المُحب للأدب والأدباء.

ابن العديم الحلبي هو كمال الدين بن أبي جرادة مؤرخ وناظم من خيرة رجال مدينة حلب، أَحب بلده فجعلها مركز كتاباته، ليُشهدها على عراقة وثقافة ومعمار موطنه الحبيب
ابن العديم الحلبي هو كمال الدين بن أبي جرادة مؤرخ وناظم من خيرة رجال مدينة حلب، أَحب بلده فجعلها مركز كتاباته، ليُشهدها على عراقة وثقافة ومعمار موطنه الحبيب

ثم سافر ابن سعيد إلى دمشق، وبعدها إلى الموصل، فبغداد، ثم عاد إلى دمشق سنة 648 هجرية، ليقابل الملك توران شاه أثناء عودة الأخير إلى مصر ليكون خليفة لأبيه الملك الصالح على عرش مصر، وقد أعجب الملك الجديد بابن سعيد، فأدناه منه، قبل أن يقرر الأخير الذهاب إلى الحج تحقيقاً لنيته التي خرج لأجلها من الأندلس، ثم قصد ابن سعيد تونس عام 652 هجري، ليعمل لدى أميرها المستنصر الحفصي، وظل في تونس لغاية العام 666 هجري، ثم عاد إلى المشرق وصولاً إلى بلاد فارس، لكنه لم يبق هناك كثيراً ، إذ عاد إلى تونس التي توفي فيها سنة 685 هجرية.

هذه التنقلات الكثيرة؛ ساهمت في إثراء المخزون المعرفي والأدبي والجغرافي لابن سعيد، الشاعر والأديب والرحَّالة والجغرافي.

مكانته العلمية:-

مصنف ومؤرخ وأديب ورحَّالة، جال في المغرب، وجاب في المشرق، وقام برحلة طويلة زار بها مصر والعراق والشام، وأخذ النحو والأدب عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشَّلوبِيْن، وأبي الحسن الدَّبَّاج، وابن عصفور وغيره، وروى عنه الشرف الدمياطي وغيره.

له ديوان شعر، وشعره رقيق جزل؛ منه هذه الأبيات التي قالها عند وروده الديار المصرية:

أصبـــحْتُ اعتــرضُ الوجـــــــوهَ ولا ..

أرى ما بينها وجهاً لمن أدريه

عـــودي على بــــدئي ضــلالاً بينــــهم ..

حتَّى كـــــــأنِّي مِنْ بقايا التِّيه

ويــح الغريـــبَ توحَّشَــــتْ ألحاظُـــهُ ..

في عـــــالمٍ ليســـوا لــه بشبيه

إِنْ عادَ لـــي وطــني اعترفِتْ بحقِّـــــهِ ..

إنَّ التَّغرُّبَ ضاعَ عمري فيه

وله قصيدة يمدح فيها ملك إفريقية أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفصٍ، يقول فيها:

الأفــقُ طَــلْــقٌ والنَّســيمُ رخـــــــاءُ ..

والرَّوضُ وشَتْ بردَهُ الأنداءُ

والنَّهــــرُ قَدْ مالَتْ عليه غصــــونُهُ ..

فكأنَّمـــــــا هو مقلةٌ وطفاءُ

وبدا نثــــــارُ الجُلَّنـــــارِ بصفــــــحِهِ ..

فكــــــــأنَّما هو حيَّةٌ رقطاءُ

والشَّــمسُ قَــدْ رقمَـتْ طــرازاً فوقَــهُ ..

فكــأنَّما هيَ حُلَّةٌ زرقــاءُ

ابن سعيد يوصي ابنه وقد أراد السَّفر:-

أوصى الشاعر العربي الكبير ابن سعيد المغربي ابنه وهو يهمُ بالسفر مخاطبا إيَّاه:

أُودعــــــك الرَّحْمـــن في غُرْبَتِك ..

مُرتقباً رُحماهُ في أَوبَتِــك

فلا تُطِـــــلْ حَبــــــــلَ النَّوى إنني ..

واللــــــهِ أشتاقُ إلى طَلْعَتِك

واختصـــر التوديعَ أخــذاً فمـــــــا ..

لــي نَاظِرٌ يَقوى على فُرقتك

واجعل وصــــــاتي نُصْبَ عين ولا ..

تبرح مَدى الأيامِ مِنْ فِكرتك

خُلاصــــة العُمــــر التـــي حنَّكـــــت ..

في ساعــةٍ زُفَّت إلى فِطنتك

فللتجــــــــاريب أمــــــــورٌ إذا ..

طَالعتها تشحذُ من غفلَتِك

فلا تَنَم عن وَعْيِــهَا ساعـــــــــــةً ..

فإِنَّهــــا عوْنٌ إلى يَقظَتِــك

وكُلُّ ما كـــــــــابدته في النَّـــــــــــوى ..

إيَّــاك أن يَكسِرَ هَمَّتـــك

فليسَ يُدْرَى أصل ذِي غُربــــــــةٍ ..

وإنَّمــــا تُعرَفُ مِن شِيمتك

وَ امْشِ الهُوينَــــا مُظــهِـــراً عِفَّــــــــةً ..

وِ ابـغ رِضا الأَعيُنِ عَن هَيبتك

وانطــق بحيث العيُّ مُستَقبَــــــح ..

واصمت بحيث الخيرِ في سَكتَتِك

ولجْ إلى رِزْقــــــــــــــك من بابهِ ..

واقصد له ما عِشْتَ في بكرتِك

وَوفِِّ كلــــــاً حقَّـــــــــــــــهُ وَلتَكُـــن ..

تكْسِر عند الفخر من حِدَّتِك

وحيثُمــــــــا خيَّمتَ فاقصِــد إلى ..

صُحبةِ مَن تَرْجُوهُ في نُصرَتِك

و للرزايــــــــــا وثبــةٌ ما لهـــــــــــــــا ..

إلَّا الذي تذخر من عدَّتـــــــــــك

ولا تَقُــــلْ أَسْلَـــــــمُ لـــي وحدتــي ..

فقد تُقاسي الذُلَّ في وِحدَتِك

ولْتَجْعَل العَقْـــــلَ مِحَكَّـــــــاً وخُـــذ ..

كُلّاً بما يظهـر في نقدتِك

واعتبر النَّــــــــــــــاس بألفاظِهم ..

وأصحب أخاً يرغبُ في صُحبتك

كم من صديــــــــقٍ مُظْهِرٍ نُصْحَـــهُ ..

وفِكْـــرُهُ وَقْفٌ على عثرتِك

إيَّــــــاكَ أن تَقْــــــرِبِهُ إِنَّـــــــــــــــهُ ..

عَوْنٌ معَ الدَّهْرِ على كُربَتِك

وَانْــــمُ نُمُــــوّ النَّبـــــــــــتِ قد زاره ..

غِبّ النَّدى واسمُ إلى قُدرَتِك

ولا تُضيِّــــع زَمَنَــــــاً مُمْكِنـــــــــــاً ..

تِذكاره يُذكي لظى حَسرَتِك

والشَّرُ مَهمــــــــا استطعتَ لا تأتِهِ ..

فإنَّهُ جَوْرٌ على مُهجَتِــــك

سماته كمؤرخ:-

  • كان أميناً في نقله عن سابقيه، إذ تحرَّى إنصاف من ينقل عنهم وذلك من خلال ذكر أسمائهم، وتسجيل نصوصهم مقتبسة كما هي دون تدخل منه في أسلوب كتاباتهم.
  • أمانته في النقل؛ دفعته إلى أنه في حال قيامه بالنَّقل النصِّي من كراريس لم يعلم هوية مؤلفها، أو نسِي اسمه، أن يقول مثلاً: “وقعتُ على كراريس في تاريخ مصر”..
  • أمانته الفائقة؛ دفعته في روايته الشفوية، إلى ذكر النكتة اللاذعة حتى لو أصابت أحد أقاربه.
  • في بعض الأحيان، كان يبادر إلى سؤال شخصيات عاصرته وذلك ليترجم لها،، فيأخذ الأخبار منها مباشرة، ويقول في هذا الصدد: ” وقد أثبت في هذا المكان ما اخترته من ذلك، وما استفدت بعده من ألسن أصحابه الذين سمعوا منه”.
  • كان لمؤلفاته قيمة تاريخية كبرى، خصوصاً في كتابه “المغرب”، ذلك لأنه تضمَّن نصوصاً ضاعت مصادرها ولم يُعرف أصحابها.
  • عاصَرَ بعض من ترّجم لهم واختار نماذجاً من نصوصهم الأدبية أو النثرية أو الشعرية، ما ساهم في توثيقها وعدم ضياعها.
  • روى عن والده، وكان يذكر مثلاً: قال: والدي أو أخبرني أبو عمران بن سعيد، كما كان ينقل عنه نصَّاً في بعض الأحيان، قائلاً: إنه “من تقييد سلَفه”.
  • يلجأ إلى الاستنتاج استناداً للمعطيات التي يجمعها حول شخص أو حدث ما.
مصر استقلبت أعداداً كبيرة من العلماء والمفكرين طيلة تاريخها مثل ابن سعيد المغربي
مصر استقلبت أعداداً كبيرة من العلماء والمفكرين طيلة تاريخها

سماته كجغرافي رحَّالة:-

  • منذ ارتحاله عن الأندلس، زار العديد من البلدان مثل المغرب الأقصى والأوسط وتونس وليبيا ومصر والحجاز للحج، والشام وحواضرها، وبغداد، والموصل، وصولاً ألى بلاد فارس وأرمينية.
  • اعتمد كثيراً على أبي عبد الله الإدريسي -المولود في سبتة بالمغرب والمتوفي في صقلية (1099-1160 م)- وذلك نظراً لغِنى متن مؤلَّف الإدريسي “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”.
  • اطلع على المعارف الجغرافية اليونانية مثل ما ألَّفه بطليموس القلوزي (المتوفى سنة 32 قبل الميلاد) تحت اسم “المجسطي” وهو الكتاب الذي ترجمه حنين بن إسحاق، في العصر العباسي الأول.
  • اعتمد إلى جانب ملاحظاته الشخصية؛ على ما كتبه الرحَّالة ابن فاطمة (المفقودة مؤلفاته) خصوصاً في تناوله جنوب الساحل المراكشي.
  • اهتم بذكر مصادر المياه، فمثلاً يقول عن نهر العاصي إنه .. ينزل من جهة بعلبك، ويمر على شمالي حمص وحماة وشيزر، ثم يسير إلى الشرق من أنطاكيا وشماليها، إلى أن يصل للبحر المتوسِّط.
  • تعرَّض إلى عقائد المدن التي زارها في الشام، سواء التي يعتنق أصحابها المذهب السني أو الشيعي أو النصيري أو الإسماعيلي، وقدَّم إشارات مهمة للتوزيع الجغرافي القائم على أساس عقدي.
  • حرِص أشدَّ الحِرص على إيراد الأطوال والأبعاد بين المدن دون إضافة الكثير من التفاصيل المهمة بشأنها.
  • كان مصدراً مهما للمعلومات الجغرافية خصوصاً في ظل تعرُّض المشرق العربي وسواحل الشام للحملات الصليبية.
  • لا يمكن اعتباره جغرافي كبير بحجم الإدريسي الذي حرص على وصف جميع الأمور الجغرافية (الجبال، تضاريس المدن، المزارات الدينية، أطباع أهل البلاد..)، ليأتي وصف ابن سعيد مقتضباً من قبيل قوله: إن معرة النعمان تشتهر بزراعة الزيتون والتين والفستق..
الإدريسي أهم راسم للخرائط في العصور الوسطى
الإدريسي أهم راسم للخرائط في العصور الوسطى

سماته الشخصية:-

  • كان رحَّالة فطِنا ذكياً دقيق الملاحظة شمولي البصيرة، رغم أنه لم يكُن مؤرخاً من أصحاب الطراز العالي كابن خلدون.
  • هو الرَّجُل المُسامِر والنَّديم المُحبَّب إلى قلوبِ سامعيه الذين كانوا شديدي التعلق به وبأسلوبه وطريقة كلامه، سواءً كان هؤلاء من الخاصة وأصحاب السلطة والنفوذ والأدب، أو من عامَّة النَّاس.
  • حُلو المعاشرة، خَفيف الظِّل، فَكِه الرُّوح، فهو عالِم بأخبار النُدَماء، وحِكايات مجالس المسامرة، وهو ما جَذَبَ السُّلطان توران شاه له، وجعله يرافقه إلى مصر وينادمه فيها وذلك حينما تولَّى السُّلطة خلفاً لأبيه.
  • لم تكُن شخصية ابن سعيد متزمتة أو مُتكلِّفة الوقار، فهُوَ أديبٌ يأخذ من أسباب اللَّهو والطرف النصيب الأوفى، عاكفٌ على مجالس الأُنس ومجامِع الشَّراب، لا يفوِّت ساعاتِ السرور والمرح.

كتب ابن سعيد المغربي:-

  1. المشرق في حلى المشرق.
  2. المغرب في حلى المغرب.
  3. المرقصات والمطربات.
  4. الغصون اليانعة في محاسن شعراء المئة السابعة.
  5. ريحانة الأدب.
  6. الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد.
  7. النفحة المسكية في الرحلة المكية.
  8. نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب.
  9. بسط الأرض في الطول والعرض.
 كتاب المرقصات والمطربات - ابن سعيد المغربي
أول صفحتين من كتابه المرقصات والمطربات

المقتطف من أزاهر الطرف:-

لقد أفرَدَ ابن سعيد المغربي الخميلة العاشرة من كتابه “المقتطف من أزاهر الطرف” للدوبيتيات والمربّعات والمخمّسات، أما الخميلة الحادية عشر؛ فقد خصَّصها لـ”الكان وكان” والمواليا، في حين ترك الموشَّحات والأزجال إلى الخميلة الثانية عشرة.

ويقول محقق الكتاب المذكور؛ دكتور سيد حنفي حسنين: إن أهل الأندلس “كانوا يرون فن الزَّجل سابق عندهم على الفنون المشرقية المشابهة، يقول ابن سعيد في المقتطف عن الموشَّح والزَّجل: “هذان طرازان كان الابتداء بعملهما في المغرب، ثم وُلع بهما أهل المشرق”.

ثم تبيَّن لابن سعيد خلال زيارته للعراق؛ أن أهل هذه البلاد الأخيرة يجيدون ويبرعون في الدوبيتيات، وهو الفن الذي لم يُجده مثلهم أهل المغرب والأندلس.

وينقل ابن سعيد المغربي عن غيره بعضا من نصوص هذه الفنون التي تختلف هواياتها بما يخدم طريقة إنشادها، وفيما يلي نص من الدوبيتي المرصَّع:

ودَّعتُهم إذ حان بينٌ ورحيل ….. ناديتُهــــــــــــــــــــم

الصبر إذا رحلتم غيرُ جميل ….. شيعتُهُـــــــــــــــــــــم

لمَّا رحلوا وما إلى الصبر سبيل …… أنشدتُهُـــــــــــــــــم

لم يجرِ على الخد من الدَّمع قليلُ …… يا ليتهُـــــــــــــــــــم

نموذج من المربَّعات:

يا ساكني وادي زرود.. هل لي وصول

لمن أبى إلا الصدود.. عسى أقول

والله يا بدر التمام.. يمين صادق

ما حلت على تلك العهود.. ولا أحول

مثال على فن مَلَح “كان وكان” والمخصوص بأهل العراق:

هذا الغزال المُرَبَّــــــــــــــــى.. كثير رجَعَ ينفُـــــــــــــــــــــر

عَجَب على كُثر أنُــــــــــــــــــو.. يَنفُر من العُشَّـــــــــــــاق

مِلَح مواليا، وهو الفن الذي عُرِفَ أيضاً بالحِلَّاوي لتولُّع أهلِ الحِلة بالعراق بعمله وبالغناء بطريقته، وهو مربع من عروض البسيط، مثالٌ عليه:

جُزتُ على الباب، قالت مُر لِغيري رُوز

… يَايَاسمين اكسَر وخلف المعنى كُوز

مَهما تحرَّك تمشي داه تدفع جُــــوز

…. لما إذا كان حاجة تدلَّى بُـــــــوز

الموشَّحات الأندلسية المنشأ، وهناك إجماع على أن عُبادة القزاز كان أكبر أعلامها، كما ذَكَر الشاعر
الأندلسي ابن صمادح، وهنا مثال على توشيحة للقزاز:

بَدَرتُم..شَمسُ ضُحى.. غُصنُ نَقَا.. مِسك شَمّ

ما أتَمّ.. ما أوضحا.. ما أورَقَا.. ما أتَمّ

لا جَرَم.. مَن لَمَحَا..قد عَشِقا.. قد حُرِم

الأزجال.. والتي ظهرت في الأندلس قبل أبي بكر بن قزمان، ولم تبلغ ذروة الإبداع والرشاقة فيها إلا في
زمانه، فهو إمام الزجَّالين بلا منازع، وهو الذي حين خَرَجَ إلى متنزه مع رفقائه، فجلسوا تحت عريش،
وأمامهم سد من رُّخام يصبُ ماءً كثيراً على صفاح مدرج، انطلق ليقول:

وعريشْ قد قامْ على دكَّان .. بحـــــــــــــــــــالْ رُوَاقْ

وأسدْ قد ابتلعْ ثُعبانْ .. بــــــــــــــــــــــه غِلظْ ساقْ

وفتحْ فَمُو بِحال انسانْ .. بـــــــــــــــــــــــه الفُواقْ

وانطلقْ من ثم على الصّفاح .. وألقـــــــــــــــى الصّياحْ

المصادر:

المقتطف من أزاهر الطرف لابن سعيد، مقدمة المُحقِّق دكتور سيد حنفي حسنين.

الجغرافيون والرَّحالة المسلمون في بلاد الشَّام زمن الحروب الصليبية، دكتور محمد مؤنس عوض.

الأعلام (5/26).

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، تأليف السيد أحمد الهاشمي، القاهرة 1969م.

http://www.aljazi.org/taib/man/ir/almoraqsat.pdf

بغية الوعاة (2/209/رقم 1809).

فوات الوفيات (3/103).

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (2/262/رقم 166).

https://www.loc.gov/item/2017854906/

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق