أعلام

ابن زيدون .. الوزير والكاتب والشاعر ذائع الصيت

دخل السجن ليدفع ثمن حبه العنيف للشاعرة ولَّادة بنت المستكفي التي كانت من الأميرات

ابن زيدون – اسمه ونشأته:-

ابن زيدون هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون، أبو الوليد المخزومي القرطبي، وزير وكاتب وشاعر، وُلِدَ في قرطبة 394هـ، توفي والده قبل أن يبلغ الحلم، ولكن أوصياءه أحضروا له أفضل الشيوخ والمؤدبين، وسرعان ما تقدَّم على زملائه التلاميذ، ولما بلغ العشرين من عمره نظَّم قصائد كانت سبباً في ذيوع صيته.

مناصب ابن زيدون :-

انغمس ابن زيدون في شؤون بلاده السياسية، وخاصة الفتن التي أثارها المطالبون بالعرش من الأمويين، فانقطع إلى ابن جَهْوَرٍ أحد ملوك الطوائف بالأندلس، فكان السفير بينه وبين الأندلس، فأُعجبوا به، واتهمه ابن جَهْوَرٍ بالميل الى الـمُعْتَضِد بن عَبّاد، فحبسه، فاستعطفه ابن زيدون برسائل عجيبة فلم يعطف عليه، فهرب، واتصل بالمعتضد صاحب إشبيلية فولاه وزارته، وفوَّض إليه أمر مملكته، فأقام مبجَّلاً مقرباً إلى أن توفي بإشبيلية.

وفي كلِّ شجرةٍ نار، واستَمجَد المَرْخُ والعَفَار، فما هذه البَرَاءة مِمَّن يتولَّاك، والمَيْل عمَّن لا يَمِيلُ عنك! وهلَّا كان هَوَاكَ فيمَن هَواهُ فيك، ورِضاكَ لمن رضاهُ لك

ابن زيدون.

تبرير فراره:-

قال ابن زيدون حينما فرَّ بعد سجنه: وذكرتُ أنَّ الفِرارَ من الظُّلمِ والهِرِب ممَّن لا يُطاقُ، مِنْ سُنَن المُرسَلين، وقد قال تعالى على لسان موسى: “فَفَرَرْتُ منكُمْ لمَّا خِفْتُكُم”، فنظرتُ في مُفارقةِ الوَطَن؛ إذ قديماً ضاعَ الفاضِلُ في وطنهِ، وكسد العِلْق الغَبِيطُ في معْدَنِه، كما قال:

أَضِيعُ في مَعْشَرِي وكم بَلَدٍ..

يُعَدُّ عُود الكِباء مِن حَطَبِهْ

فاستخرتُ اللهَ في إنْفَاذِ العَزْم، وأنا الآنَ بحيثُ أمنتُ بعضَ الأمن، إلَّا أنَّ السَّعيَ لم يَرتَفِع، ومادةُ البغْيِ لم تَنْقَطِع.

وخَتَمَ هذه الرِّسالة بقصيدةٍ أوَّلُها:

شَحَطْنا، وما بالدَّارِ نأيٌ ولا شَحْطُ.. وشَطَّ بِمَنْ نَهْوَى المَزَارُ وما شَطُّوا

ومــا شوقُ مقتولِ الجَــوَانِحِ بالظَّمـا .. إلـى نُطفَةٍ زَرْقَـاءَ أضمَرَهَا وقْطُ

بأبـرَحَ من شــوقٍ إليكُمْ، ودُونَ مـــا .. أدبِـرُ المَنى شَوْكُ القَتادَة والخَرْطُ

عليـــــكَ أبا بكــــرِ بَكَــرْتُ بِهمَّـــةٍ .. لهـــــا الخَطَـر العالي، وإن نالَهَـا حَطُّ

أَبى بعدَمَـا هِيـلَ التُّرَابُ على أبي.. ورَهْطي فِدَاءٌ حينَ لم يَبقَ لي رَهْطُ

ولــولاكَ لم يثقبْ زِنـادُ قَرِيحَتــي .. فينتَهِـب الظَّلماءَ من نارِهـا سِقْطُ

هَـرِمتُ ومــا للشَّيْبِ وخْـطٌ بمَفرِقـي .. ولكـنْ لَشَيْب الهَـمِّ في كَبِدِي وخْطُ

وَقَدْ وسـموني بالَّتي لسْـتُ أهلَهــا .. ولَـمْ يُرَ أمثـالِي بأمثالِـها قَطُّ

فَــرَرْتُ فـــإن قيــلَ الفِـــرارُ إرابَـةٌ .. فقـد فَرَّ موسَى حين هَمَّ به القِبْطُ

غرناطة التي شهدت تحولات سياسية كبيرة خلال حكم المسلمين مكتبة الكونغرس

مكانته العلمية:-

كان ابن زيدون من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه، ثم انتقل من قرطبة إلى المعتمد بن عبَّاد صاحب إشبيلية سنة 441هـ، فجعله من خواصه، يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته، وكان معه في صورة وزير، وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، حتى لَّقبه البعض (بحتري المغرب).

نسخة محفوظة جيداً تظهر أشعار وأقوال الأديب الكبير ابن زيدون – المكتبة الرقمية العالمية

ونظمُهُ عندَّ النُّقَّاد أجود من نثره، ووصِفَ بحُسنِ ديباجة لفظه، ووضوح معانيه.

وأكثر في نثره استعمال أمثال العرب وجُلِّ أشعار المتقدِّمين والمتأخِّرين، إلى أن قيل: إنَّ رسائله أشبهُ بالمنظوم من المنثور، وعلى ذلك فقد دلَّ بها على اطلاعٍ معجِب، واستحضار معجِز.

وكلُّ رسائله مشحونةٌ بفنون الأدب، ولُمَع التواريخ، والأمثال الغريبة، نثراً ونظْماً، وسترى نثره كيف يهز عِطْفَك، ويسحرُك ويخدعك، وليس فيه سجعٌ تروِّجه القوافي على النُّفوس، ولكن هذا من القدرة على البلاغة.

له ديوان شعر؛ منه هذه الأبيات:

بَيني وَبَينَكَ مــا لَو شِئتَ لَم يَضِعِ .. سِــرٌّ إِذا ذاعَتِ الأَسرارُ لَم يَذِعِ

يا بائِعــــاً حَظَّــــهُ مِنّي وَلَــو بُذِلَـت .. لِــيَ الحَياةُ بِحَظّي مِنهُ لَم أَبِعِ

يَكفيــكَ أَنَّــكَ إِن حَمَّــلتَ قَلبِيَ مـــا .. لَــم تَستَطِعهُ قُلوبُ الناسِ يَستَطِعِ

تِه أَحتَمِل وَاِستَطِل أَصبُر وَعِزَّ أَهُن.. وَوَلِّ أُقبِل وَقُل أَسمَع وَمُر أَطِعِ

حبه لولَّادة:-

أدى به حبه العنيف للشاعرة ولَّادة بنت المستكفي التي كانت من الأميرات، إلى الاصطدام مع ابن عَبْدُوْسٍ وزير أبي الحزم بن جَهْوَرٍ، مما دعا ابن زيدون إلى نظم القصائد يتحدى فيها غريمه، وهو صاحب «رسالة ابن زيدون» التهكمية، التي بعث بها عن لسان ولَّادة إلى ابن عَبْدُوْسٍ.

هذا الأمر؛ ، دفع ابن عَبْدُوْسٍ إلى اتهام ابن زيدون بالتآمر على إرجاع الأمويين، فزجَّ به في السجن، وهناك أرسل الشعر الرقيق إلى ولَّادة، وكتب إلى أصدقائه يستعطفهم في حرارةٍ ويدافع عن نفسه، إلى أن نجح أحدهم -وهو أبو الوليد بن أبي الحزم- في إطلاق سراحه؛ بيد أن ولَّادة كانت قد هجرته آخر الأمر، ومالت إلى ابن عَبْدُوْسٍ، وكان يلقَّب بالفار، فقال ابن زيدون في هذا الصَّدد:

أكــــرِمْ بــوَلاَّدةٍ عِـلْقــــاً لمُـعْتِـلـــقٍ .. لـــو فَرّقَتْ بينَ بَيْطـارٍ وعطَّارِ

قالوا أبو عــامــرٍ أضحَــى يُلِمُّ بهــا .. قلـتُ الفَرَاشةُ قد تَدْنو من النَّارِ

عَيَّرتُمونـا بأن قدْ صـــارَ يخلُفُنـــا .. فيمـنْ نُحِبّ، وما في ذاكَ مِنْ عارِ

أكْلٌ شَهِيُّ أصَبْنـا من أطـايبِهِ.. بعضاً، وبعضاً صفَحْنا عنه للفَـارِ

وغالبية شعر ابن زيدون وأغزاله في ولَّادة، ومن ذلك قصيدته النونية التي سارت في البلاد، وطارت في العباد، وأولها:

أَضحى التَّنــائي بَديلـاً مِن تَدانينــا .. وَنـابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا

بِنْتُـم وَبِنَّــا فَمــا اِبتَلَّـتْ جَوانِحُنــا .. شَـوقــاً إِلَيكُم وَلا جَفَّتْ مَآقينا

نَكــادُ حينَ تُناجيكُــم ضَمــائِرُنــا .. يَقضي عَلَينا الأَسى لَولا تَأَسِّينا

حـــالَـتْ لِفَقـدِكُـمُ أَيَّامُنــا فَغَـدَتْ .. ســوداً وَكانَتْ بِكُم بيضاً لَيالينا

لِيُسْقَ عَهْدُكُم عَهْدُ السُّرُوْر فَمَــا .. كُنْتُــم لأَرْوَاحِنَا إِلَّا رَيَاحِيْنَا

وكَتَبَ ابن زيدون إلى ولَّادة يوماً من الزَّهراء:

إِني ذكَــرتُكِ بالزَّهراءِ مُشْتَاقــاً .. والجَــوُّ طَلْقٌ ووَجْهُ الأرض قد رَاقَا

وللنَّسيــمِ اعتـــلالٌ في أصـــائِلـهِ .. كــأنَّـهُ رَقَّ لي فاعتَلَّ إشْفَاقَـا

والرَّوضُ عن مـائهِ الفِضِّيّ مبتسـمٌ .. كمــا شَقَّقَت عن اللَبَّات أطواقَا

يـومٌ كأيَّــــام لــذَّاتٍ لنــا انصَـــرَمَتْ .. بِيْنـــا لها حينَ ندِمَ لدهرُ سُرَّاقَا

نَلْهو بما يَستمِيــلُ العَيْنَ من زَهَرٍ .. جــالَ النَّدى فيه حتَّى ملَّ أعْناقا

كــــأنَّ أعيُنَـــه إذا عــــايَنَتْ أَرَقَــي .. بَكَــتْ لِمَا بي، فَجَالَ الدَّمْعُ رِقرَاقـا

لا أَسْكَــنَ اللهُ قَلبـــاً عِـنْ تَذكُّرِكُــمْ .. ولَــم يَطْرْ بِجَنَاحِ الشَّوقِ خَفَّافـا

لو شاءَ حَملي نسيمُ الرَّيح حينَ هَفَـا.. وافاكُـمُ بفَتىً أضنَاهُ ما لاقَى

فالآن أَحمدُ ما كُنَّـا لعهدِكُـمُ.. سلَوتمُ، وبَقِينا نحنُ عُشَّـاقا

وخلال في السِّجْن الذي أضاعَ من سني حياتهِ قُرَابة خمسمئة يوم، فقد بكت عليه والدته أثناء إحدى زياراتها له في حبسه، فقال:

ألم يأنِ أن يبكــي الغَمـــامِ على مثلي .. ويطلـبُ ثأري البرقُ منصَلِتَ النَّصْلِ

وهل أقـامَت أنْجُــمُ اللَّيــــل مــأتَمَـــاً .. لِتَنْدُب في الآفاقِ ما ضاعَ من نثلي

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن بسَّام صاحب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» عن ابن زيدون : “كان أبو الوليد غايةَ منثورٍ ومنظومٍ، وخاتمةَ شعراءِ بني مخزومٍ، أحدَ من جرَّ الأيام جرّاً، وفاتَ الأنام طُرّاً، وصرَّف السلطان نفعاً وضراً، ووسَّع البيان نظماً ونثراً، إلى أدبٍ ليس للبحر تدفُّقُه، ولا للبدر تألُّقُه، وشعرٍ ليس للسحر بيانُه، ولا للنجوم الزهر اقترانُهُ، وحظٍ من النثر، غريبِ المباني، شعري الألفاظ والمعاني”.

لَعَلِّي أن أُلقِي العَصا بذَراك، ويستقرَّ بيَ النَّوى في ظِلِّك، وأَستَأنِفُ التأدُّبَ بأدبِك، والاحتمالَ على مَذهَبِك، فلا أُوجِد للحاسِدِ مَجَالَ لَحْظَة، ولا أَدَع للقادِحِ مَسَاغَ لَفْظة، والله مُيَسِّرُكَ من إطْلَالي بهذه الطَّلِبة، وإشكائِي من هذه الشَّكْوى، بصنيعةٍ تُصيبُ منها مكانَ الْمَصْنَع، وتَستودِعها أَحفَظَ مُستودَع، حَسْبَمَا أنتَ خليقٌ له، وأنا مِنْكَ حَرِيٌّ به، وذلكَ بيَدِه، وهَيَّنٌ عليه.

ابن زيدون.
  • قالَ بعضُ الأُدباء: مَن لَبِسَ البياض، وتَختَّمَ بالعَقيق، وقرأ لأبي عَمْرو، وتفقَّه للشَّافعي، ورَوَى قصيدة ابن زيدون، فقد استكمل الظَّرف.
  • قال عنه الأستاذ أحمد أمين في “ظُهر الإسلام”: “هو أحبُّ شُعراء الأندلس إلى نفسي، وأقربُهُم إلى قلبي، ويظهَرُ أنَّهُ استضفى غَزَلَ العبَّاس بن الأحنف، ومسلم بن الوليد وغيرهما، وأخذ ديباجَةَ البُحتري، وحُسْنَ سبكِهِ، ونصاعةَ أُسلوبه، وأخَذَ طولَ نَفَسِ ابن الرُّومي وتدفُّقِه حتى يأتي على آخر المعنى الذي يُرِدْه”.

غير أنَّ الوَطَن محبوب، والمنشأ مألوف، واللَّبيب يحِنُّ إلى وَطَنِه، حَنينَ النَّجيب إلى عَطَنِه، والكريمَ لا يجفُو أرضاً فيها قَوابِلُه، ولا ينسَى بَلَداً فيها مَراضُعُهُ.

ابن زيدون.

وفاته:-

  • قال ابن بشكوال: توفِّيَ (ابن زيدون) سنة خمس وأربعمائة، وكانت وفاته بالبيرة، وسِيقَ إلى قُرطُبة ودُفِنَ فيها، ومَولدُه سنة أربعٍ وخمسين وثلثمائة.
  • أمَّا ان بسَّام؛ فقد قال في “الذَّخيرة”؛ فقد قال: توفِّيَ سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وكان يخصِبُ بالسَّواد، وكان له ولدٌ يقال له: أبو بكر، تولَّى وزارة المُعتمِد، وقُتِلَ يومَ أخَذ يوسف بن تاشفين قُرْطُبة من ابن عبَّاد.

حنانيكَ، قد بَلَغَ السيلُ الزُّبَى، ونالني ما حسبي بهِ وكفَى، وما أرَاني إلا أُمِرْتُ بالسُّجودِ لآدمَ فأبيتُ واستكْبَرْتُ، وقال لي نوحٌ: اركَب مَعَنَا، فقُلتُ: سآوي إلى جبلٍ يعصِمُني منَ المَاء، وأُمِرتُ ببناء الصَّرْحِ لعلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلهِ موسَى، وعكفْتُ على العِجْلْ، واعتديتُ في السَّبْتِ، وتعاطيتُ فعَقَرْت، وشربتُ مِنَ النَّهْرِ الذي اُبتُليَتْ به جيوشُ طالوت، وقُدْتُ الفيل لأبرَهة..، ونفرْتُ إلى العِيرِ ببدر، وانخَذَلْتُ بثُلُثِ النَّاسِ يومَ أُحُد..

ابن زيدون.

اقرأ أيضاً: قصر الحمراء أشهر قصور الأندلس

المصادر:

  • الأعلام (1/158).
  • تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون، الصفدي.
  • سير أعلام النبلاء (18/240/رقم 116).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (5/264).
  • العبر في خبر من غبر (2/315).
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (1/210).
  • الوافي بالوفيات (7/56/رقم 3).
  • وفيات الأعيان (1/139/رقم 57).
  • ظهر الإسلام، أحمد أمين.
  • المكتبة الرقمية العالمية.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى