أعلام

ابن زولاق .. الفقيه والمؤرخ واللغوي المصري

تبنى في كتاباته نهج التخصص التاريخي وخصوصًا في تناوله تاريخ مصر في عصره

ابن زولاق – اسمه ونسبه ونشأته:-

ابن زولاق هو: أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خالد بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق الليثي الفقيه المصري.

ولد سنة 306ھ/ 918م في مدينة الفسطاط.

نشأ ابن زولاق وتربى في مدينة الفسطاط في كنف أسرته، حيث كان جده الحسين بن الحسن من مشاهير علماء مصر آنذاك في علم الفقه، والأدب، والتاريخ، واللغة، وله حلقات دراسية تذكر ولهذا فقد كانت نشأة ابن زولاق في ظل أسرة علمية رصينة مهد العلم والدرس والفقه.

الإصطخري يصف الفسطاط في ذات الزمن الذي عاش فيه ابن زولاق
الإصطخري يصف الفسطاط في ذات الزمن الذي عاش فيه ابن زولاق

اهتم ابن زولاق كثيرًا بدراسة الرواية التاريخية فقد درسها على يد أبو عمر الكندي، وقد سار على خطى أستاذه في كتابة التاريخ، وكان له الأثر الكبير على الحياة الثقافية في مصر من خلال سعيه في التأليف عن أصول مصر وأخبارها وهو يعد بحق رائد المؤرخين المصريين في ذلك الوقت من خلال ما تركه من أثر في مدرسة التاريخ المصرية بالذات، ويبدو واضحًا من كتابات ابن زولاق أنه قد تأثر كثيرًا بمنهج وفكر أستاذه أبي عمر الكندي.

 فقد توجه للدراسة التاريخية وجمع الأخبار والحرص على ترتيب الحوادث وكتابتها والظاهر أن الظروف كانت مؤاتيه لابن زولاق لكي يتخصص بكتابة تاريخ مصر وكتابة سير وأخبار الحكام والملوك فقد كان كثيرًا ما ينشد:

ما زلت تكتب في التـــــــاريخ مجتهدا ..

حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا

الحقبة الزمنية:-

وقد زامن ابن زولاق نهاية الدولة الإخشيدية وبداية الدولة الفاطمية في مصر، فاضحى مؤرخاً لهذه المرحلة في تاريخ مصر الإسلامية وبالرغم من شحة الأخبار الواردة في ترجمة ابن زولاق في هذه المرحلة وقلة نتاجه العلمي التأريخي؛ إلا أنه بدا متميزًا في كتاباته وكانت لديه براعة في استكمال الرواية وحسن التنسيق الإخباري.

ولعل السبب في ذلك يعود الى وقوفه على حوادث عصره وكتابة الحوادث عن قرب والاتصال بشخوصها. لقد كان ابن زولاق علامة عصره وشيخا محدثاً ومؤرخاً يعتد به من خلال التصانيف التي كتبها ومن خلال ما حازه من مكانة مهمة في المجتمع المصري آنذاك.

ابن زولاق يصف أسيوط كما وصف العديد من المدن في عصره
ابن زولاق يصف أسيوط كما وصف العديد من المدن في عصره

 وقد أشار إلى ذلك هو بنفسه في كتابه فضائل مصر وأخباره وخواصها وذكر مكانه جده العلمية وما حازه من تقدير واحترام بسبب ذلك.

مؤلفاته:-

لقد استطاع الحسن بن زولاق أن يقدم صورة جيدة من الأحداث التي اشتملت عليها مؤلفاته كونه قد نقل أحداثاً عاصرها وواكب حدوثها في مصر ما عدا المعلومات التي كتبها عن الحقب الزمنية التي سبقته بكثير.

 فقد اعتمد فيها على ما سمعه من بعض الرواة والمحدثين تارة أو اعتماده على بعض المؤلفات السابقة تارة ثانية، ولكنه عندما كتب عن الفترة التي عاصرها فإنه أبدع وكتب بحس المؤرخ النهم برغم ميله في بعض الأحيان لتمجيد التاريخ المصري.

وهنا نلاحظ أن كتابته للأحداث التي عايشها جعلته من رواد المنهج التطبيقي التجريبي في كتابة التاريخ فقد تمكن بما اتيح له من حسن المشاهدة والوصف والاطلاع أن يعرض صورة دقيقة للأحداث.

وهو بهذه الطريقة يبدو باحثاً اثنولوجيا بما يستخدمه من تكنيكات ميدانية في بحثه برغم عدم امتلاكنا لمجمل تراثه التأريخي الكامل بل لقد عثر على البعض من آثاره التاريخية قد وردت في كتب المؤرخين اللاحقين وفيها ما يكفي للإحاطة بمجهوده التاريخي أمثال كتاب النجوم الزاهرة لابن تغري بردي وكتاب بدائع الزهور لابن إياس الحنفي وكتاب الخطط (المواعظ والاعتبار) للمقريزي، والظاهر أن ابن زولاق في مؤلفاته التي سنوردها الآن قد جمع في تراثه بين التاريخ والأدب.

ابن حوقل زار ديار الإمام تاج الدين السُّبْكي في مصر حيث ولد ابن زولاق
ابن حوقل يصف بعض مدن مصر في القرن العاشر الميلادي

وهذا الأمر جعلنا نتوقع أن ابن زولاق يتجه في كتاباته إلى نوع من التخصص التاريخي وخصوصًا في تاريخ
مصر وفي الحقبة الزمنية التي عاش فيها وعاصرها.

ولعل من مجمل مؤلفات ابن زولاق كتاب فضائل مصر وأخبارها وخواصها وهو الأكثر دقة واهمية عند بقية المؤرخين الذين اشاروا إليه خصوصا أنه قد أشار إلى نفسه في مقدمة الكتاب مع ذكر الأشراف والخواص
الذين أشار إليهم وقد أشار السخاوي إلى ذلك الكتاب في كتابه الإعلان بالتوبيخ فقال: “كتاب فضائل مصر
للحسن بن زولاق الليثي الكناني».

كانت الإسكندرية لشِدَّة بياضها لا يكادُ يبينُ دخول الليل فيها إلَّا بعدَ وقتٍ، فكانَ النَّاسُ يمشون فيها وفي أيديهم خِرَقُ سُود خوفاً على أبصارِهم، وعليهم مثل لِبْس الرُّهبان السَّواد، وكان الخيَّاطُ يُدخِلُ الخيطَ في الإبرة بالليل؛ وأقامت الإسكندرية سبعين سنةً ما يُسْرَجُ فيها، ولا يُعرَفُ مدينة على عَرْضِهَا وطُولِهَا، وهي شطرنجية ثمانية شوارع في ثمانية.

ابن زولاق.

أما عن أهم المؤلفات التي كتبها الحسن بن زولاق فهي كما يلي:

  1. كتاب خطط مصر.
  2. كتاب أخبار قضاة مصر.
  3. فضائل مصر وأخبارها وخواصها.
  4. التاريخ الصغير.
  5. أخبار سيبويه المصري.
  6. أخبار عمرو بن العاص.
  7. أخبار النيل.
  8. ذيل ولاة مصر.
  9. كتاب سيرة المعز.
  10. سيرة الأخشيديين.
  11. العيون الدعج في حلى دولة بني طغج.
  12. سيرة الماذرائيين.
  13. الدلائل على أمراء مصر.
  14. التاريخ الكبير من سنين مصر.
  15. ذيل تاريخ فقهاء مصر.

من قام بالنقل عنه :-

  • استعان ابن عثمان ( المتوفى سنة 615 هجرية) بمؤلفات ابن زولاق، وذلك حينما أنشأ كتابه “مرشد الزوَّار”.
  • استفاد منه الأديب والجغرافي الكبير ياقوت الحموي (المتوفى سنة 626 هجرية)، حيث نقل عنه
    معظم مادته الخاصَّة بمصر ومدنها، وأخذ عنه حرفياً ما يتعلق بمدن دمياط، أسوان، الإسكندرية،
    العريش، الفيوم…
  • أفاد القزويني (المتوفى سنة 626 هجرية) من كتاب “فضائل مصر” وذلك في سياق حديثه عن عين شمس والهرمين ومنف…
  • ابن خلِّكان ( المتوفى سنة 681 هجرية)؛ فقد أفاد بدوره من أخبار القضاة ومن “التاريخ الكبير” لابن زولاق.
  • شهاب الدين النويري (المتوفى سنة 732 هجرية) نقل حرفياً عن ابن زولاق، الفصل الذي عقده بعنوان “مصر وما يختصُّ به من فضائل”، وذلك حينما أنشأ الأول كتابه المرجعي العملاق” نهاية الأرب في
    فنون الأدب”.
  • ابن الزيات (المتوفى سنة 814 هجرية)، أفاد بدوره من أعمال وكُتب ابن زولاق.
  • المقريزي (المتوفى سنة 814 هجرية) نهل بدوره من مؤلفات ابن زولاق، مثل “سيرة الإخشيد”، و”سيرة المعز لدين الله”، و”فضائل مصر”، وذلك حينما كان الأول عاكفاً على تأليف كتابه “الخطط”.
  • الإمام ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852 هجرية) انتفع من كتابات ابن زولاق وأودع كثيراً منها في كتابه “رفع الإصر”.
ابن زولاق يتحدث عن مكانة مصر.
  • بدوره؛ انتقى ابن تغري بردي (المتوفى سنة 874 هجرية) من كتابات ابن زولاق، وذلك في سياق تناوله لمحاسن مصر.
  • البعض يشير إلى أن ابن ظهيرة القدسي (المتوفى سنة 888 هجرية)؛ أخذ حرفياً بعضاً من المقاطع
    التي أوردها ابن زولاق في كتاب “فضائل مصر”.
  • نور الدين السخاوي (توفي بعد سنة 887 هجرية) بدوره انتفع من كتابات ابن زولاق.
  • الإمام جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة 911 هجرية)، استعان بكتاب “فضائل مصر” وذلك حينما أنشأ مؤلفه “حُسن المحاضرة”.
  • ابن إيَّاس المؤرخ المميز والمتوفي سنة 930 هجرية، استفاد أيضاً من كتابات ابن زولاق.

وفاته :-

أما عن وفاة ابن زولاق ؛ فقد عثرت على روايات مختلفة بهذا الصدد فمنهم من قال: إنه توفي في سنة
386هـ/ 996م والبعض من قال وافته المنية في 387هـ/997م، لكن في واقع الحال لابد أن نأخذ تاريخًا
محددًا معتمدين بذلك على ما جمعت عليه روايات المؤرخين أمثال ابن الطحان وابن خلكان و ابن عساكر
وغيرهم الذين أجمعوا على أن وفاته كانت في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة سبع وثمانين
وثلاثمائة وأن له من العمر ثمانون سنة وقيل أكثر من ذلك وأنه دفن بمصر بتشييع مهيب.

ابن زولاق يتحدث عن سواحل مصر
ابن زولاق يتحدث عن سواحل مصر

اقرأ أكثر حول نظرية الربيعي لجغرافيا الحدث التوراتي

مصادر ترجمته:-

تاريخ مصر الإسلامية لجمال الدين، جهود المؤرخين المسيحيين في مصر الإسلامية لعبد المولى، دليل
مدينة القاهرة لفاروق، مصر في عهد الإخشيديين للكاشف، الخطط التوفيقية لمصر والقاهرة لمبارك،
فضائل مصر ، أخبارها وخواصها.

Image by Heiko S. from Pixabay 

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى