أعلام

ابن زكي الدين .. قاضي قضاة الشام

من بيت كبير، صاحب فنون وذكاء، وفقه وآداب وخطب ونظم

ابن زكي الدين –اسمه ونشأته:

ابن زكي الدين هو محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز، أبو المعالي القُرشي، الملقب محيي الدين الدمشقي، قاضي قضاة الشام، يعود نسبه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وُلِدَ في دمشق سنة 550هـ.

قاضي دمشق وسليل قضاتها:

تولى ابن زكي الدين القضاء بدمشق يوم الأربعاء، 20 ربيع الأول، سنة 588هـ، وكان أبوه زكي الدين قد تولى القضاء قبله، وكذلك جده مجد الدين، وجد أبيه زكي الدين أيضاً، الذي كان أول من ولي من بينهم.

وكذلك ولي قضاء دمشق ولداه زكي الدين أبو العباس الطاهر ومحيي الدين يحيى بن محمد.

ابن جبير يتحدث عن مآثر دمشق

ابن زكي الدينمكانته العلمية:

كان ابن زكي الدين ذا فضائل عديدة من الفقه والأدب وغيرهما، قال عنه الذهبي: “من بيت كبير، صاحب فنون وذكاء، وفقه وآداب وخطب ونظم”، وقال السُّبكي: “كان فقيهاً أديباً منشئاً بليغاً فصيحاً”.

قاضي صلاح الدين الأيوبي وخطيبه:

وكان ابن زكي الدين صاحب منزلة رفيعة عند السلطان صلاح الدين الأيوبي، ولما ملك السلطان صلاح الدين حلب، فوض الحكم والقضاء بها في 13 ربيع الآخر سنة 579هـ إلى القاضي محيي الدين.

ولما فتح السلطان صلاح الدين القدس الشريف تطاول إلى الخطابة يوم الجمعة كل واحد من العلماء الذين كانوا في خدمته حاضرين، وجهز كل واحد منهم خطبةً بليغةً؛ طمعاً في أن يكون هو الذي يُعيَّنُ لذلك، فخرج المرسوم إلى القاضي محيي الدين أن يخطب هو، وحضر السلطان وأعيان دولته، وذلك في أول جمعة صُلِّيَت بالقدس بعد الفتح.

فلما رقي المنبر استفتح بسورة الفاتحة، وقرأها إلى آخرها، ثم قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45]، ثم قرأ أول سورة الأنعام: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]، ثم قرأ من سورة سبحان: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111]، وقرأ غيرها من آيات الحمد؛ قاصداً ذكر جميع تحميدات القرآن الكريم، ثم شرع في الخطبة التي جاء فيها:

رسم لمدينة القدس يعود إلى العام 1850 م – مكتبة الكونغرس

نص خطبة ابن زكي الدين :-

“الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره، الذي قدر الأيام دولاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله … أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره…

أيها الناس، أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بُنِيَ عليه وشُيِّدَ بنيانه بالتمجيد…

ابن جبير الأندلسي زار بيت المقدس حيث يظهر منبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأقصى
منبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأقصى ، وهو المنبر الذي حرقه الإحتلال الإسرائيلي لاحقاً

وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وروحه عيسى الذي كرمه برسالته وشرفه بنبوته…

فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السناء، وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقر به عينا الأنبياء والمرسلون، فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان…

آمركم وإياي بما أمر به من حسن الطاعة فأطيعوه، وأنهاكم وإياي عما نهاكم عنه من قبح المعصية فلا تعصوه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه”.

ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مختصرة، ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر، ثم قال:

“اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذاب عن حرمك الممانع، السيد الأجل، الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقاطع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب، محيي دولة أمير المؤمنين، اللهم عم بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه، اللهم أبق للإسلام مهجته، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته”.

حي الأكراد المنتسبين إلى صلاح الدين الأيوبي – مدينة القدس المحتلة – مطلع القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

مكانته الأدبية:

اشتهر ابن زكي الدين بالنظم المليح والخطب والرسائل، وكانت له عند السلطان صلاح الدين الأيوبي المنزلة العالية، والمكانة المكينة، ولما فتح صلاح الدين الأيوبي مدينة حلب يوم السبت، 18 صفر، سنة 579هـ، أنشده القاضي محيي الدين قصيدة بائية، أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها بيت هو متداول بين الناس، وهو:

وَفَتْحُكَ القَلْعَة الشَّهبَاء فِي صَفَرٍ ..

مُبَشِّراً بِفُتُوْحِ القُدْسِ فِي رَجَبِ

فكان كما قال، فإن القدس فتحت 27 رجب، سنة 583هـ، وقيل لمحيي الدين: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن بَرَّجَان في قوله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)} [الروم: 1 – 4].

وفاته:

توفي ابن زكي الدين في دمشق 7 شعبان، سنة 598هـ، ودُفِنَ بدمشق بسفح جبل قاسيون، وقد عاش 48 سنة.

أحد أحياء دمشق القديمة في العام 1900 م

تعرف أيضاً على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:

  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/354).
  • طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/38/رقم 340).
  • طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (6/157/رقم 673).
  • العبر في خبر من غبر (3/ 44).
  • الوافي بالوفيات (4/122).
  • وفيات الأعيان (4/229/رقم 594).
  • سير أعلام النبلاء – الذهبي.

https://cdn.loc.gov/service/pnp/pga/09100/09196v.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى