أعلام

ابن زريق البغدادي .. الشاعر المجيد

أصله من بغداد، عاش فقيراً فارتحل إلى الأندلس للتكسُّب من شعره، لكن لم يحقق مناه في رحلته هذه.

اسمه ونسبه:-

علي بن زُرَيق، أبو محمد الكاتب الكوفي البغدادي، من شعراء القرن الهجري الخامس، أصله من بغداد، عاش فقيراً فارتحل إلى الأندلس للتكسُّب من شعره، لكن لم يحقق مناه في رحلته هذه.

شعره:-

شاعر مجيد، من أِشهر قصائده قصيدة «قمر في بغداد»، ألمت به أيام عسرة، فرأى الارتحال إلى الغرب، وارتحل تاركاً وراءه في بغداد زوجة كان مغرماً بها، وهي ابنة عمه، غير أن الأيام لم تسعفه، وظل راحلاً حتى وصل إلى الأندلس وامتدح أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه، فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره، فأعطاه شيئاً قليلاً، ولم يعطه ما كان يتمناه.

ابن حوقل واصفاً الأندلس

فقال ابن زريق: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء. ثم تذكر فراق ابنة عمه وما بينهما من بعد المسافة وتحمل المشقة مع ضيق ذات يده فاعتل غماً ومات.

سك العملة
لم تفلح مساعيه في الحصول على المال وذلك بعد رحلة اغتراب صعبة ومريرة

وشغل عنه الأندلسي أياماً، ثم سأل عنه فخرجوا يطلبونه، فانتهوا إلى الخان الذي كان فيه وسألوا الخانية عنه، فقالت: إنه كان في هذا البيت، ومذ أمس لم أره، فصعدوا فدفعوا الباب، فإذا بالرجل ميتاً، وعند رأسه رقعة فيها مكتوب قصيدته التي يبكي فيها أمله الضائع، ويقول مخاطباً زوجته وباكياً نفسه:

لا تَعــذَلِيه فَــإِنَّ العَـــذلَ يُـولِعُـــهُ
جـاوَزتِ فِـي لَومــهُ حَــداً أَضَـرَّبِـــهِ
فَاستَعمِلِـي الرِفـق فِـي تَأِنِيبِـهِ بَدَلاً
تـأبـى المــطامــعُ إلا أن تُـجَشّـــمه
وَمـا مُجاهَــدَةُ الإِنســانِ تَــوصِلُــهُ
قَـد وَزَّع اللَهُ بَيـنَ الخَلـقِ رزقَهُمُـو
اِســتَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِـي قَمَـراً
وَدَّعــــتُهُ وَبـــوُدّي لَــو يُــوَدِّعُنِـــي
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
لا أَكُذبث اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَـرقٌ
رُزِقـتُ مُلكاً فَلَـم أَحسِـن سِياسَـتَهُ
وَمَـن غَـدا لابِساً ثَـوبَ النَعِـيم بِـلا
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعـدَ فُرقَتِهِ
كَـم قائِلٍ لِي ذُقـتُ البَيـنَ قُلتُ لَـهُ
لا تعــذليـه فــإن العــذل يولعـــه
قَـد قَلتِ حَـقاً وَلَكِـن لَيـسَ يَسـمَعُـهُ
مِــن حَـيثَ قَــدرتِ أَنَّ اللَـومَ يَنـفَعُـهُ
مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
للــرزق كــــداً وكــم ممــن يـودعُـــهُ
رزقَــاً وَلادَعَــــةُ الإِنـســانِ تَقـطَعُـــهُ
لَــم يَخلُــق اللَهُ مِـن خَلــقٍ يُضَيِّعُــهُ
بِالكَــرخِ مِــن فَـلَكِ الأَزرارَ مَـطلَعُـــهُ
صَـفــــوَ الحَــــياةِ وَأَنّــي لا أَودعُـــــهُ
وَأَدمُـعِـــي مُـســـتَهِلّاتٍ وَأَدمُـعُــــــهُ
عَنّـــي بِـفُــرقَـــــتِهِ لَـكِـــن أَرَقِّــعُـــــهُ
وَكُـلُّ مَـن لا يُسُـوسُ المُلكَ يَخلَعُــهُ
شَـكــــرٍ عَـلَـــيهِ فَـــإِنَّ اللَهَ يَنــزَعُــــهُ
كَــأســـاً أَجَـــرَّعُ مِنـها مــا أَجَــرَّعُـــهُ
الـذَنـبُ وَاللَهِ ذَنبـي لَســتُ أَدفَـعُـــهُ
قـد قلت حـقّا ولكـن ليـس يسـمعـه
رحلة بحث شاقة عن الرزق لم يوفق بها

فلما وقف أبو عبد الرحمن على هذه الأبيات بكى حتى اخضلت لحيته، وقال: وددت أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي. وكان في رقعة الرجل: منزلي ببغداد في الموضع المعروف بكذا، والقوم يعرفون بكذا، فحمل إليهم خمسة آلاف دينار، وعرَّفَهم موت الرجل.

والقصيدة كلها شكوى وأنين ولوعة، ولقد قال عن هذه القصيدة شوقي ضيف: “لا يختلف اثنان في أن أروع قصيدة في الشكوى من الدهر وتصاريفه قيلت في العصر قصيدة أبى محمد علي بن زريق الكاتب الكوفي”.

ومما قاله عن بلده بغداد:

سافرْتُ أبْغِي لبغدادٍ وساكِنها
هَيْهَات بَغْدَادُ الدُّنْيَـا بأجمعِها
مِثْلاً، فحاولْتُ شيئاً دونه الياسُ
عِـنْدِي وسكانُ بَغْدَادَ هُمُ النَّاسُ
بغداد عام 1932 وهي المدينة التي توفي أبو إسحاق الزجاج فيها
بغداد عاصمة الخلافة العباسية – الصورة تعود للعام 1932 – مكتبة الكونغرس

ومن شعره الرائق قوله:

وما سُرَّ قلبي مُذ شَطت بك النوى
ومـا ذقـت طعـم الماء إِلاَّ وَجَدتهُ
ولــم أشهـــد اللــذات إلاَّ تكـلُّفـــاً
أنيـــسٌ ولا كـــأسٌ ولا مُتَـصَـــرَّفُ
كان ليس بالماء الذي كنتُ أعرفُ
وأيّ ســــرورٍ يـقتـضـــيهِ التـكلّــفُ
من أشعار ابن زريق المتميزة

وفاته:-

توفي في الأندلس سنة 420هـ.


المصادر:

  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (5/362).
  • معجم الشعراء العرب (152).
  • مصارع العشاق (1/23).
  • نفح الأزهار في منتخبات الأشعار (5).
  • يتيمة الدهر (2/442/رقم 133).
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق