أعلام

ابن رشيق القيرواني .. الشاعر الفاضل البليغ

اشتهر بجودة الخاطر وحسن القريحة، وكانت له الكثير من الأشعار التي تتميز بصورها البديعة وحسن تناغمها

اسمه ونشأته:

الحسن بن رشيق، أبو علي القيرواني ، أحد الشعراء الأفاضل البلغاء، وُلِدَ بِالمسِيْلَة بالمغرب وتأدب بها قليلاً، وقيل: وُلِدَ بالمهدية سنة 390هـ (1000 م).

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:

أبوه مملوك رومي من موالي الأزد، وكانت صنعة أبيه في بلدة المحمدية الصياغة، فعلمه أبوه صنعته، وقرأ الأدب بالمحمدية.

ألقى الشعر، وتاقت نفسه إلى التزيد منه وملاقاة أهل الأدب، فرحل إلى القيروان سنة 406هـ، واشتُهِرَ بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته، وتأدب ابن رشيق على أبي عبد الله ابن جعفر القزاز القيرواني النحوي اللغوي وغيره من أهل القيروان.

وقد كانت القيروان في أيَّام ابن رشيق القيرواني ؛ قِبلة طالبي العلم، إذ التقى فيها الشَّوامِخ من العُلماء والأُدباء والفُصحاء، وقد كانَ شيوخه من مختلف الفنون، فمنهم من اُشتهِر باللغة، ومنهم مَن غلَبَ عليه النَّقد، والبعض الآخر غلب عليه الشِّعر، إلى جانب طائفةٍ من البارعين في فَنِّ الكِتابة.

بقي في القيروان إلى أن هاجمها العرب وقتلوا أهلها وأخربوها، فانتقل إلى جزيرة صَقِلية، وأقام بمازر إلى أن مات.

مشهد بعيد لمدينة القيروان حيث ولد ابن رشيق القيرواني
مشهد بعيد لمدينة القيروان في مطلع القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

شعر القيرواني:

اختلط ابن رشيق القيرواني بالأدباء والشعراء القيروانيين، وأخذت ملكته الشعرية تتفتَّح، واشتهر بجودة الخاطر وحسن القريحة، وكانت له الكثير من الأشعار التي تتميز بصورها البديعة وحسن تناغمها وأثرها الكبير في النفوس.

كانت بينه وبين ابن شرف القيروان وقائع، وهما أديبا بلاد المغرب وشاعراها، وكان ابن شرف أعور؛ قيل: مر يوماً وبيده كتاب، فقال له ابن رشيق: ما في كتابك؟ قال: الدريدية، يعرض بقول ابن دريد فيها:

والعُبدُ لا يردعــهُ إلا العَصَـــــــــــــا ..

يُشيـــرُ إلــى أنـَّـــــــــهُ مَولـــــى

فقال له ابن رشيق:

أمَّــــــا أبي فرشيقٌ لَسْــــتُ أُنكِـــرهُ ..

قُــــل لي أبوك وصوره من الخَشَبِ

ومن شعره أيضاً وقد غاب المعز بن باديس عن حضرته وكان العيد ماطراً، فأنشد:

تجهَّـــم العيــــــدُ وانهلَّـــــت بوادرهُ .. وَكنُتُ أعهد منه البِشر والضَحِكا

كأنَّه جاء يطوى الأرض من بعد .. شَــــوقا إليــــكَ فلمَّا لم يجِدْكَ بَكَـــى

وكان يعرف كيف ينفذ إلى هذه الصور البديعة، وبدعها إنما يرجع إلى ما تحمل من عنصر المفاجأة، ومن ذلك قوله فى تميم بن المعز:

أصحّ وأعلى ما سَمِعنـــاهُ فى النَّدى .. مِنَ الخبََــــرِ المــأثورِ منذ قديمِ

أحاديث ترويهـــا السُّيولُ عن الحَيـــا .. عن البَحــرِ عن كَــــفِّ الأمير تميمِ

وقال أيضاً، وقد أمره المعز بوصف أترجة مصبعة كانت بين يديه بديهاً:

أترجــة سبطة الأطراف ناعمـــــــــة .. تلقــى العيون بحُسنٍ غير منحوس

كــــأنَّها بســطت كفّــاً لخالقهــــــا .. تدعو بطــول بقاءٍ لابن باديـــــس

الرحالة والجغرافي الإدريسي يتحدث عن مآثر القيروان حيث ولد ابن رشيق القيرواني
الرحالة والجغرافي الإدريسي يتحدث عن مآثر القيروان

ومن شعره أيضاً:

لو أورَقَتْ من دمِ الأبطــــالِ سمر قنا .. لأورقت عنده سمر القنا الذبل

إذا توجَّـــــــــه في أولى كتائبـــــــــــــه .. لم تفرِّق العين بين السَّهــل والجبـــل

ولابن رشيق:

ومن حسنـــات الدهر عندي ليلـــــة .. من العلم لم تترك لأيامها ذنبا

خلونا بها ننفي الكرى عن جفوننـــــا .. بلؤلؤة مملــوءة ذهباً سكبا

وملنا لتقبيــــل الخــــدود ولثمهـــــا .. مميل جيــاع الطير تلتفط الحبا

ومن شعره أيضاً:

صنمٌ من الكافــــــور باتَ معانقـــي .. في حُلَّتيـــن تعفُّف وتكـــرُّمِ

فكَّرت ليلـــة وصلـــــــه في صــــــدِّهِ .. فجــرت بقايا أدمعي كالعندمِ

فطفقت أمســحُ ناظريّ في نحــــــرهِ .. إذ شيمةُ الكافــور إمســاك الدمِ

قالَ في ركوبِ البَحر:

أَلْبحْــــــرُ صَعْــــــــبُ المُـــــــــرامِ .. مُـــــــــــرٌّ لا جُعِلَـــتْ حاجَتـــي إليْـــــه

أَلَيْــــــسَ مـــــــــاءً وَنَحْـــــنُ طِيـــنٌ .. فمــــا عسى صَبْرُنا عَلَيْـــــــهِ

ومن جميل شعره في الفراق قوله:

فارَقْــتُ بالْكَرْهِ مَنْ أَهَوَى وَفَـارَقَني .. شَتَّـــانَ لَكِننا في الْوُدِّ سِيَّـانِ

كَأَنَّمــــــــا قُـدَّ طُــولاً يَوْمَ فُرْقَتِنــــــا .. شَرْقـــاً وَغَرْبــاً فَأَمْسَى وَهْوَ يَوْمــــانِ

وقال مُعاتباً بعدَ يأسٍ:

رَجَوْتُــكَ لِلأمْــرِ المُهِــمِّ وَفي يَــدي .. بَقَايا أُمَنِّي النَّفْــــسَ فِيهــا الْأمانِيــا

فََساوَفْتَ بي الأيَّامَ حَتَّى إذا انْقَضَــتْ .. أواخِـرُ ما عِنْدي قَطَعْتُ رَجائِيـا

وَكُنْتُ كأنِّي نازِفُ البِئْرِ طَالِبــــــــــاً .. لِأجْمامِها أوْ يَرْجِعَ الماءَ صَافِيــــــــا

وقالَ في وَصْفِ فَرَس:

إِذا أَقْبَلَـــــتْ أَقْعَتْ وإِنْ أَدْبَرَتْ كَبَتْ .. وَتَعْرِضُ طُـــولاً في العِنَــانِ فَتَسْتَوي

وَكَلَّفْتُ حَاجَــــاتي شِبيهَةَ طائِـــــــرٍ .. إذا انْتَشَــرَتْ ظَلَّتْ لَهَا الأَرْضُ تَنْطَوي

الفرس حظيت بمكانة كبيرة في الشعر العربي
الفرس حظيت بمكانة كبيرة في الشعر العربي

وقالَ في الدّيك:

قـــــــــامَ بلا عَقْـــــــــــلٍ وِلا دِيــــنِ .. يَخْلِـطُ تَصْفِيقــــــــــــا بتَأذِيـــنِ

فَنَبَّــــهَ الْأَحبـــــــابَ مِنْ نَومِهِـــــــــــمْ .. لِيَخْرُجُـــــــوا مِنْ غَيْــــــــرِ ما حِينِ

بَصَرْخَـــــــةٍ تَبْعَـــثُ مَوْتَــى الكَــــرَى .. قــدْ أَذْكـــــــــرَتْ نَفْخَ سَــــرافِينِ

كَأنـَّــــــهَا في حَلْقِـــــــــهِ غُصَّـــــةٌ .. أَغَصَّــــــــــــهُ اللــــــــــــهُ بِسِكِّيـــــــــنِ

أقوال العلماء فيه:

قال ياقوت الحموي: “كان شاعراً أديباً نحوياً لغوياً حاذقاً عروضياً، كثير التصنيف، حسن التأليف، وكان بينه وبين ابن شرف الأديب مناقضات ومحاقدات، وصنَّف في الردِّ عليه عدة تصانيف”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي يتحدث عن ابن رشيق القيرواني
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

قال ابن خلدون عن “العُمدة” وهو كتاب ابن رشيق: “وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصِّناعةِ وأعطاها حقَّها ولم يكتُب فيها أحد قبله ولا بعده مثله”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين عن الكتاب ذاته: إن ابن رشيق نقل عبره فنّ النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينيين إلى نقد للشِّعر عامَّةً.

كتب القيرواني ومصنفاته:

  1. العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه، والذي توَّج فيه حَركة النقد الأدبي التي ظهرت في المغرب.
  2. “أنموذج الزَّمان في شعراء القيروان”، وقد أدرَجَ فيه ما يربو على مائة شاعرٍ مُعاصرٍ له، ممن ساهموا في النهضة الثقافية والأدبية في المدينة، وفي الكتاب ذاته؛ يتضح تماماً أن ابن رشيق دَرَسَ حياة هؤلاء الشعراء، وتناول أخبارهم وحلَّل مناهجهم الشِّعرية.
  3. الرسائل الفائقة.
  4. النظم الجيد.
  5. قراضة الذهب: تعرَّض فيها للسِّرقات الشعرية والمعاني التي يأخذها شاعر من نظير له، وما يُعتبر منها في باب السَّرِقة، وما لا يُعَد.
  6. الشذوذ: فقد شارك ابن رشيق القيرواني في كثيرٍ من ينابيع المعرفة، فكان لهُ سهم مميز في اللغة، فألَّف كتاب “الشُّذوذ” الذي ذَكَرَ فيه كل كلمةٍ شاذَّة في بابِها عربية في معناها، دلَّ به على كثرة اضطلاعه.
  7. طراز الأدب.
  8. متفق التصحيف.
  9. الاتصال.
  10. غريب الأوصاف التشبيهات لما انفرد به المحدثون.
  11. أرواح الكتب.
  12. شعراء الكتاب.
  13. الرياحين.
  14. الأسماء المعربة.

وفاة القيرواني:

توفي ابن رشيق القيرواني في مازر إحدى قرى جزيرة صقلية، سنة 463هــ (1071 م)، وقيل: سنة 456هـ، وكان قد قال في الرِّثاء:

المَنـَـــــــــايــا حَتْمٌ فَطُوبَـــى لَنَفْــسٍ .. سَلَّمَتْ بِالرِّضـــى لِحُكْــــــمِ القَضَاءِ

لَوْ بِوُدِّي قَتَلْـتُ نَفْســــي لأَلْقـــــا.. هـُ وَلَـــكِنْ خَشِـــــيتُ فَوْتَ اللِّقــاءِ


المصادر:

  • ديوان ابن رشيق القيرواني ، جمعه ورتَّبه الدكتور عبد الرحمن ياغي.
  • الأعلام (2/191).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (9/227).
  • سير أعلام النبلاء (18/324/رقم 148).
  • معجم الأدباء (2/861).
  • معجم الشعراء العرب (149).
  • وفيات الأعيان (2/85).
  • https://cdn.loc.gov/service/pnp/ppmsca/03900/03918v.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى