علماء وفلاسفة

ابن رشد ..هل كان فيلسوفاً أم ملخصاً لأفكار أرسطو؟

أول من عَمَدَ إلى النص الأرسطوطالي، يعرضه، ثم يُفسِّره ويُعلِّق عليه فقرة فقرة، وعبارة عبارة

ابن رشد أو أبو الوليد، هو الطبيب، والفقيه، والذي كان قاضياً لدى سلطة الموحدين في الأندلس، بل والفيلسوف في أدبيات الأوروبيين الذين نهلوا من طروحاته، وجعلوه ضمن قائمة المفكرين الكبار، الذين أسَّسوا المدرسة الفلسفية الحديثة والناقلة للعديد من فلسفات القدماء.

البعض يعتبره ناقلاً وشارحاً لنظريات وفلسفة أرسطو، والبعض الآخر يراه أهم فيلسوف نشأ في المغرب الإسلامي، لا بل وفي تاريخ الحضارة الإسلامية برمتها، ولعل فقدان كثير من مؤلفاته بسبب حرقها؛ صعَّب من مهمة الاطلاع على كامل تراثه الفلسفي والفكري وحتى الطبي.

كثيراً من مقولات ابن رشد بشأن أرسطو؛ تُظهِر مقدار تقدير وإجلال الأول للثاني، وهذا ما دفَعَ البعض للتقليل من المساهمات الفلسفية والطبية والأخلاقية الهائلة لأبي الوليد الذي قال عن الفليسوف الإغريقي الكبير: “إنَّ العناية الإلهية أرسلتهُ إلينا لتعليمِنَا ما يُمْكِن علمه”، وقال عنه أيضاً :”إننا نحمدُ الله كثيراً؛ لأنَّهُ قدَّر الكَمَال لهذا الرَّجُل ووضعه في درجةٍ لم يبلُغها أحدٌ غيرهِ من البشر في جميع الأزمان..”.

أهم المعلومات عن ابن رشد الأندلسي وفلسفته:-

فيما يلي نتعرف أكثر عنه، والفلسفة التي تبناها في مؤلفاته، وذلك في النقاط التالية:

خلاصة العلوم الإسلامية في شخص واحد:-

أبو الوليد بن رشد الحفيد، وهو الحفيد لعالم آخر وهو ابن رشد الجد الطبيب، لقد درس الطب، والفلسفة، والقانون، والفقه، وكان موسوعياً بحق، وهو ما جعله مقرباً للسلطات الموحدية في الأندلس، وسرعان ما أصبح قاضياً، وفقيهاً قانونياً كبيراً في سلك القضاء خاصة في منطقة إشبيلية وأعمالها.

له العديد من الترجمات العربية لفلسفة أرسطو وأفلاطون، وشروحات عديدة لهذه الفلسفات، مثل فصل المقال ما بين الحكمة والشريعة من اتصال، والكشف عن المناهج العديلة، وكتاب الكليات الذي يجمع بين الطب والفلسفة، وغيرها من المؤلفات، فهل كان مجرد ناقل؟

شرح مقدمة ابن رشد على شرح “أناليتيكا بوستيريور” لأرسطو

ابن رشد وأرسطو .. من علاقة الناقل لعلاقة الشارح:-

اتصل ابن رشد بالخليفة أبي يعقوب يوسف عبد المؤمن، صاحب الثقافة الواسعة والمحب للعلم وأهله، والذي أخبر مستشاره وطبيبه ابن طفيل بأهمية القيام بتفسير كتب أرسطو، لذا فقد رشَّح ابن طفيل (الطاعن بالسِّن) ابن رشد لهذه المهمة، فقام الأخير بما يلي:

  • في عام 564 هـ/1169 م: لخَّصَ ابن رشد كتاب الحيوان لأرسطو، في الفترة التي عينه فيها الخليفة قاضياً في إشبيلية.
  • في عام 566 هـ/1171 عينه أبو يعقوب قاضياً في قرطبة، وظلَّ في منصبه لمدة 10 سنوات، وخلال هذه الفترة؛ شَرَحَ كتاب “ما بعد الطبيعة” وعدَّة كُتُب أُخرى
  • أوضح ابن رشد أنَّ أرسطو يبعد كُلّ البُعد عن القول بالفيض، متهماً كلاً من الفارابي وابن سينا بترويج هذا المذهب بين العرب، فغيرا به مذهب القوم في العلم الإلهي حتى بات ظنِّيَاً.
  • اختلفت طريقته في الشَّرْح عن طريقتي الفارابي وابن سينا وعن نمط شُرَّاح أرسطو الإغريق، حيث كانت طريقتهم أن يجعلوا غرض أرسطو في باب من أبواب فلسفه، كما فعل الأفردويسي (205م) في رسالته “في العقل” المستقاة من مقالة “النفس” لأرسطو، واقتفى أثره الكندي والفارابي في رسائلهما الموسومة بذات العنوان، وهذه الطريقة لا تعد شرحاً أو تفسيراً بالمعنى الدَّقيق.
  • يعتبر ابن رشد أول من عَمَدَ إلى النص الأرسطوطالي، يعرضه، ثم يُفسِّره ويُعلِّق عليه فقرة فقرة، وعبارة عبارة، كما يذكر أحياناً نصوصاً مستقاة من تآليف أرسطو الأخرى، وقد اقتفى أثر طريقته هذه في الشرح القديس توما الأكويني (1274 م).

ابن رشد ونظرته للفلسفة :-

لقد كان ابن رشد فيلسوفاً كبيراً متشرباً بالفلسفات السابقة له في العالم الإسلامي، فقد تأثر بطروحات كل من الفارابي، وابن سينا، وغيرهما، ممن أرسوا أسس الفلسفة في العالم الإسلامي، لكن أعلامها كانوا قد تأثروا بشكل متفاوت ببيئتهم وثقافتهم الأصلية، وما تم التوصل إليه من ترجماتٍ لكتابات الفلاسفة الإغريق وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو.

الفيلسوف ابن رشد
ابن رشد اكتسب شهرة كبيرة خصوصاً في أوروبا

تتمحور الأعمال الفلسفية التي قام بها ابن رشد بالتوجه للدفاع عن الفلسفة وأصولها التي تحدَّث عنها حُجَّة
الإسلام الإمام الغزالي (توفي سنة 1111 ميلادية) والذي قام بمهاجمتها في سياق رده على أعمال ابن سينا
والفارابي المتأثرة بآراء أرسطو عن الكون وفلسفة الحياة وشؤون ميتافيزيقية.

تشمل أعمال ابن رشد الفلسفية؛ كتاب “تهافت التهافت” وهو عبارة عن رد منهجي على الغزالي صاحب
“تهافت الفلاسفة”، حيث جاء رد ابن رشد على الغزالي بشكل مدروس مقدِّماً طرحاً مترابطاً فيما يلي أبرز
ملامحه:

دِّفاعه عن الفلسفة بكونها لا تتعارض مع الشَّريعةالإسلامية من خلال “فصل المقال”، حيث عمد إلى الكشف عن المنهج العادل، وهو طريقة لكشف النظام اللاهوتي الديني القائم على تفسيراللغة، ويأتي بعده نصُّ الدميمة “وهو الملحق” حيث قام بتوضيح وإظهار -عبر بعض الشروحات- أن الفلاسفة لا يُنكِرون معرفة وإحاطة علم الله بالتفاصيل.

في الواقع؛ لم يقُم ابن رشد بتقديم أفكاره الفلسفية ككيان ونظام خاص، إنَّما طرحها بشكل متعدد الأوجه بشكل كامل وكافٍ ليتم تلخيصها بسهولة، حيث يتطرَّق في دراسته الفلسفية إلى موضوعين رمزيين هما:

نظريته السببية الفلسفية، إلى جانب الأطروحة المتعلقة بالرابط ما بين الدين والفلسفة والتي تمثل إطار الخطاب النظري خاصَّته.

كان يرى أنَّ أرسطو هو الإنسان الأكمل والمفكِّر الأعظم الذي وصَلَ إلى الحَق الذي لا يشوبه باطل، حتى لو كشفت أشياء جديدة في الفلك والطَّبيعة لما غيَّرَ ذلك من هذا الحُكم شيئاً، ويجوز أن يخطئ النَّاس في فهم أرسطو، وكثيراً ما نَقَلَ ابن رشد ومن كُتُب الفارابي وابن سينا (أشياء لأرسطو) فخالفهما في فهمهما، وكان أصح منهما فهماً، وقد عاش ابن رشد ما عاشَ مُعتقداً أن مذهب أرسطو، إذا فُهِمَ على حقيقته، لم يتعارض مع أسمى معرفة يستطيع أن يبلغها إنسان، بل كانَ يرى أنَّ الإنسانية، في مجرى تطوُّرِها الأزلي، بلغت في شخص أرسطو دَرَجَة عالية يستحيل أن يسمو عليها أحَد، وإنَّ الذين جاءوا بعده تجشَّموا كثيراً من المَشَقَّة وأعمال الفكر لاستنباط آراء انكشفت بسهولة للمُعلِّم الأول، وستتلاشى بالتدريج كل الشُّكوك والاعتراضات على مذهب أرسطو، لأنَّ أرسطو إنسان فوق طور الإنسان، وكأن العناية الإلهية أرادت أن تبين فيه مدى قدرة الإنسان على الاقتراب من العقل الكُلِّي، وابن رشد يعتبر أرسطو أسمى صورة تمثَّل فيها العقل الإنساني، أنه ليميل إلى تسميته بالفيلسوف الإلهي.

—دي بور تاريخ الفلسفة في الإسلام.

تأثيره على الفلسفة الأوروبية:-

لقد تأثرت أوروبا بالعديد من الأفكار الرشدية، حتى أصبحت المدرسة الرشدية مزودة لأهم الأفكار التي تأثر بها رجال دين عديدون في العصور الوسطى، وكذلك بداية العصور الحديثة، وانتقلت أفكاره التنويرية لكتابات مواطنه اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون، وكذلك توما الأكويني، واستمرت الأفكار الرشدية هي المرجعية الأولى للفلسفة التنويرية، حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي في أوروبا، قبل أن تتبلوّر لتكون فلسفة خاصة لها أفكار تجمع بين شروحات ارسطو العديدة، وأفكاره التي تعتبر خلاصة للجمع بين التنوير، والمسائل الفقهية، والقانونية الأخلاقية.

في نهاية الأمر؛ يمكن القول: إن ابن رشد كان ناقلاً هاماً، وأعظم الشارحين لفلسفة أرسطو خلال العصور الوسطى، كما خرج علينا بأفكار فلسفية كان لها الدور الكبير في نهوض أوروبا التي استفاد فلاسفتها كثيراً من طروحات أبي الوليد المختلفة.

وقد كان لمؤلَّفات بوتيوس فضل تعريف أوروبا – جزئياً على الأقل- بأفكار أرسطو في المنطق، وفي القرن الثاني عشر ظهرت ترجمات لجزءٍ من كتابه أورجانون من اللُّغة اليونانية مباشرةً، ثم ترجمات من العربية، غيرَ أنَّ قدْراً أوفر بكثيرٍ من فهم فلسفة أرسطو نجَمَ فوقَ كُلِّ شيءٍ عن ترجمة مؤلفات ابن رُشد، خاصَّةً شروحاته للميتافيزيقيا عند أرسطو، وقد تمَّت هذه التَّرجَمات في القرن الثَّالث عشر، غير أنه من الجائز أن يكونَ الفلاسفة اللاتينيون قد ألمُّوا ببعضِ أفكار ابن رشد قبل وفاته عام 1198 م، غير أن أتباع الأخير من اللاتينيين لم يُحاولوا مثله بيان الاتصال بين الحكمة والشَّريعة، والتوفيق بين العقل والتنزيل، لذلكَ شَعَرَ معاصروهم بحقٍ أنَّ النتيجة المنطقية النِّهائية لموقفهم هي هدم الدين في عصر هيمنة الكنيسة.

— ويليام مونتغمري وات، فضل الإسلام على الحضارة الغربية.

المصادر:-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى