أعلامعلماء وفلاسفة

ابن رشد …الفيلسوف والطبيب والقاضي

اتهمه خصومه بالزندقة، فأوغروا عليه صدر المنصور، فنفاه إلى مَرَّاكُش، وأحرق بعض كتبه

اسمه ونشأته:-

محمد بن أحمد بن رُشْد ،أبو الوليد المالكي، الأندلسي، القرطبي، العالم، الفيلسوف، الطبيب المشهور، وُلِدَ سنة 520هـ، وكان ينتمي إلى أسرة علم وقضاء؛ فقد تولى ثلاثة أجيال منها وظيفة القضاء في مدينة قرطبة، وهم الجد والأب والحفيد، وكان الحفيد ابن رشد أكثرهم شهرةً وأبقاهم ذِكْراً.

مكانة ابن رشد العلمية:-

حصَّل ابن رشد العلوم العربية والإسلامية، وأخذ الأدب عن جماعة، واشتغل بالفقه والعربية، ثم درس الطب، وكانت تربطه صلة قوية بابن زُهر المعروف بتفرغه للطب، ثم رأى من نفسه ارتياحاً إلى الحكمة، فطلبها، واشتغل بها على غرار كبار مفكري الإسلام من أمثال ابن سينا والفارابي، ولزم ابن العربي وغيره.

وكان كثيرَ الدرس والمطالعة، لا يشغلُه عن البحث والنظر شاغل، وتشهد بذلك كثرةُ مؤلفاته، وقد ظهر وعلا شأنه في دولة الموحِّدين، وبخاصة في عهد كل من أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وأبي يوسف يعقوب الذي جاء من بعده، وكانت دولة الموحِّدين على الرغم من تزمُّتها تفتح صدرها للعلماء والفلاسفة، على عكس دولة المرابطين التي ضاقت بهؤلاء وقدمت عليهم طائفة الفقهاء.

ابن رشد

معاصرته لابن طفيل:-

وقد عاصر ابنُ رُشْد ابنَ طُفَيل، وكان لصلته به أثر في توجيه حياته العلمية والنظرية، فابن طُفَيل هو الذي قدمه إلى الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي أُعْجِب به، وعهد إليه بمهمة شرح كتب أرسطو، فنهض ابن رشد بهذه المهمة على أكمل وجه، وخصَّص الكثير من وقته وجهده لإعداد الشروح وزاد عليها زيادات كثيرة، وبسبب هذه الشروح عُرف في أوروبا باسم “الشارح الأكبر”.

 ثلاثة كتب عن الروح
ثلاثة كتب عن الروح لابن رشد

آراء ابن رشد الفلسفية:-

ابن رشد يرى أن الشريعة تدعو إلى معرفة الله، كما تدعو للنظر البرهاني المؤدي إلى معرفة الحق

  1. التوفيق بين الحكمة والشريعة: أفرد ابن رشد كتاباً خاصاً سماه «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» محاولاً التوفيق بين الشريعة والفلسفة، فالشريعة الدينية من شأنها أن تعلم الفضائل العملية، والفلسفة من شأنها أن تعلم الفضائل النظرية.
  2. النظر الفلسفي مأمور به في الشرع: أوضح أن الشرع حثَّ على النظر في الموجودات واعتبارها في العقل، ففي قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] إشارة صريحة إلى وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي والفقهي معاً، وإذا صح أن الاعتبار ليس أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، وهو القياس العقلي، وجب علينا أن نجعل نظرنا في الموجودات مبنياً على هذه الطريقة.
  3. الشرع ظاهر وباطن (التأويل): يرى ابن رشد أن الشريعة تدعو إلى معرفة الله، كما تدعو إلى النظر البرهاني المؤدي إلى معرفة الحق، والحقائق التي يؤدي إليها النظر البرهاني قد تكون مسكوتاً عنها في الشرع أو منطوقاً بها، فإن كانت مما سكت عنه الشرع لم يكن بينها وبين الشرع تناقض، وإن كانت مما نطق به الشرع كانت إما موافقة لظاهر النص أو مخالفة له. فإن كان الشرع موافقاً لما أدى إليه النظر البرهاني فلا إشكال، وإن كان مخالفاً له وجب رفع التناقض الذي بينهما بطريقة التأويل. ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب.

ولقد وضع ابن رشد قانوناً للتأويل العقلي مُقَسِّماً فيه الناس إلى ثلاثة أقسام:

  • الخَطَابيُّون: وهم الجمهور الغالب وعامة الناس، يهتمون بالخطابة، وهم غير مؤهلين للتأويل.
  • الجدليون: وهم علماء الكلام، يؤولون تأويلاً جدلياً.
  • البرهانيون: وهم الفلاسفة، ويحق لهم التأويل العقلي والتأويل اليقيني.

4. قِدَم العالم: يرى ابن رشد أنه إذا أضفنا العالم إلى الله كان معلولاً أو مُحدَثاً، أما إذا أضفناه إلى أعيان الموجودات أو إذا اعتبرنا أنه وجد عن الله منذ الأزل من غير تراخ في الزمن كان قديماً. فالعالم عنده قديم وليس محدثاً كما يقول الغزالي.

أثر فلسفته على الحضارة الغربية:-

يُطْلِقُ عليه الغرب اسم (Averroes)، وقد استمر أثره في الحضارة الغربية إلى عصر كانط في بداية القرن التاسع عشر، ويتجلى ذلك من خلال:

  1. عَرَّف أوروبا بالمعلم الأول أرسطو وهو لا يعرف اليونانية، ولم يكن شيئاً من كلام أرسطو قد تُرجم إلى اللاتينية أو أي لغة أوروبية أخرى قبل عصر ابن رشد غير كتب المنطق؛ لذا لقَّبوه بالشارح والـمُعقِّب.
  2. اشتَهر في أوروبا تيار فلسفي يُعرَف باسم (الرشدية اللاتينية).
  3. أُطلِقَ اسمه على إحدى القاعات في جامعة السوربون في باريس.
  4. كان لكتبه التأثير القوي للإسلام على الفكر الغربي، وإذا كانت أوروبا تَعدُّ ظهور ترجمة كتب أرسطو بداية الخروج من عصر الظلمات؛ فإن الفضل عليها في ذلك يرجع إلى ابن رشد.
 ملخص لأعمال ابن زهر وابن رشد الطبية
ملخص لأعمال ابن زهر وابن رشد الطبية

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن الأبَّار: “إنه لم يصرف ليلةً من عمره بلا درس أو تصنيف إلا ليلةَ عرسه وليلةَ وفاة أبيه”.
  • وقال ابن الأبَّار أيضاً: “كان يُفْزَع إلى فتواه في الطب كما يُفْزَع إلى فتواه في الفقه”.

فإذا كان أن نوجِزَ مقومات شخصية ابن رشد في كلمات، فقد يجب القول: إنهُ جَمَعَ بين العِلم والفضيلة، كان يُجسِّد بحق الفكرة التي قال بها سُقراط، وهي أن المعرفة أساسُ الفضيلة، الفضيلة علمٌ والرَّذيلةُ جهْل، فالعالِمُ لا يكون إلَّا فاضِلاً في تصوُّر سُقراط، وإذا كان هذا التصوُّرُ لا يجدُ له تطبيقاتٌ كافيةٌ في التاريخ، فإن ابن رشد كان بِحَق أحد أولئك القلائل الذين اقترَنَ لديهِم العِلْمُ بالفضيلة، ليكوِّن حِكْمَةٍ ويكون صاحبهٌ حكيما.

— محمد عابد الجابري.

كتبه الفلسفية:-

أُحرِقَت بعض كتبه عند نكبته، وضاعت أصول الكثير من كتبه وبقيت ترجماتها التي قام حولها نزاع طويل؛ حيث ذهب البعض إلى أنها لا تُعبِّر عن فلسفته، ولا تتسق مع أفكاره الموجودة في كتبه الأخرى، ومن أشهر مؤلفاته الفلسفية:

الصفحة الأولى من كتاب تهافت التهافت الذي رد فيه على الغزالي
الصفحة الأولى من كتاب تهافت التهافت الذي رد فيه ابن رشد على الغزالي المكتبة الرقمية العالمية
  1. تفسير ما بعد الطبيعة، وهو أهم تفاسيره وشروحه، تضمن نقداً للمتكلمين وابن سينا.
  2. تلخيص كتاب الحس والمحسوس لأرسطو.
  3. تلخيص كتاب النفس لأرسطو، وهو أهم كتبه في نظرية المعرفة.
  4. تلخيص ما بعد الطبيعة، يعبر عن مذهبه نتيجة تأثره بأرسطو، محاولاً العثور على ما يؤيد مذهبه من الشريعة الإسلامية.
  5. تهافت التهافت، رد به على الإمام الغزالي صاحب كتاب «تهافت الفلاسفة».
  6. جوامع سياسة أفلاطون، وهو تلخيص لكتاب «الجمهورية».
  7. جوامع الطبيعيات والإلهيات، وقد لخص فيه قسماً من كتاب «الحيوان» لأرسطو.
  8. ضميمة لمسألة العلم القديم.
  9. فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال.
  10. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة.

عَرِف ابن رشد بواسِطة الحِساب الفلكي وقت عبور عُطارد على قُرْص الشَّمس، فَرَصَدَهُ وشاهدهُ بُقعةً سوداء على قُرْصِهَا في الوقت المُعيَّن؛ وهذا الأمر لا يتصدَّى لهُ في وقتنا الحاضِر سوى الرَّاسِخينَ في الرياضيات الفلكية.

الفلكي اللبناني منصور حنَّا جرادق (1881-1964 م)

وفاة ابن رشد :-

اتهمه خصومه بالزندقة والإلحاد، فأوغروا عليه صدر المنصور، فنفاه إلى مَرَّاكُش، وأحرق بعض كتبه، ثم رضي عنه وأذن له بالعودة إلى وطنه، فعاجلته الوفاة بمَرَّاكُش سنة 595هـ، ونُقِلَت جثته إلى قرطبة، ودُفِنَ بها، وقال على فراش موته: “تموت روحي بموت الفلسفة”.

المصادر:

  • ابن رشد للعقَّاد (49).
  • ابن رشد وفلسفته (55).
  • الأعلام (5/318).
  • التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول (290/رقم 330).
  • تاريخ الفلسفة العربية (455).
  • العقل والنقل عند ابن رشد (55).
  • الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة (1).
  • مجلة آداب الرافدين (العدد 13، ص 9 – 36).
  • مجلة البيان (22/80) و (198/92).
  • النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد (88).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى