أعلام

ابن رسته الأصفهاني .. الجغرافي والفلكي والرَّحَّالة

كان عمله الأشهر هو كتاب الأعلاق النفيسة المؤلف من سبعة أجزاء ضاعت في معظمها

من هو ابن رسته الأصفهاني ؟

يعتبر ابن رسته الأصفهاني (الأصبهاني) أحد أكثر الجغرافيين والرَّحَّالة العرب والمسلمين إبداعاً في وصف المواضع التي قصدها، والتي رآها أيضاً من زاوية الخبير  في مضمار الفلك.

توفي ابن رسته عام 300 هجري (912 م) وهو صاحب كتاب ” الأعلاق النفيسة ” المؤلَّف من سبعة أجزاء والذي تضمَّن ملاحظاته الفلكية والجغرافية والاجتماعية والتاريخية المباشرة للأقاليم والحواضر التي قصدها، كما احتوى كتابه على معلومات استقاها من علماء مماثلين ممن سبقوه من قبيل أبي معشر البلخي الذي استفاد منه في مجال التنجيم والفلك.

ابن رسته ينتمي إلى مدينة أصفهان .

ابن رسته وكروية الأرض :-

ويعتبر ابن رسته الأصفهاني من طبقة الرَّحالة والجغرافيين المسلمين البارزين من قبيل ابن حوقل والإصطخري والإدريسي وياقوت الحموي وابن بطوطة، كما يعتبر من بين أول من تحدَّث عن كروية الأرض سابقاً مواكباً بذلك ابن خرداذبة (توفي سنة 912 م أيضاً) وسابقاً بذلك الموسوعي أبي الريحان البيروني (المتوفَّى سنة 1048 م).

الأعلاق النفيسة  :-

خلَّف ابن رسته وراءه مؤلفات ضاع أغلبها، وكان عمله الأشهر هو كتاب الأعلاق النفيسة المؤلف من سبعة أجزاء ضاعت في معظمها، لكن ما بقي منه كان كافٍ لإعطائنا تفاصيل مهمة عن طروحاته الفلكية والجغرافية المختلفة التي سنوردها في الفقرات التالية.

تقديرات ابن رسته الفلكية :-

قدَّم ابن رسته في “الأعلاق النفيسة “مجموعة من الوصوفات والتقديرات الفلكية فيما يلي أبرزها:

  • ولو أنَّ أحَدَاً ألقى شيئاً في قعرِ ماءٍ صافٍ لرآهُ أكبر من مقداره الذي له بالحقيقة، وكُلَّمَا صفا الماءُ وكثُرَ عمقهُ؛ كانَ أعظم لما يُرى في قعره، فهذا سببُ عِظَم الكواكب عند الآفاق.
  • إن الله تعالى وضع الفلك مستديراً كاستدارة الكُرة أجوف دوَّاراً، والأرض مستديرة أيضاً كالكُرَة مصمتة في جوف الفلك، قائمة في الهواء، يحيط بها الفلك من جميع نواحيها بمقدارٍ واحِد من أسفلها وأعلاها وجوانبها كلّها، فهي في وسطها كالمُخِّ في البيضة، وهو يدورُ على قطبيّن، قطبٌ في الشَّمال، وقطبٌ في الجنوب بين القُطبين مائة وثمانون درجة، لأنَّ الفلك ثلاثمائة وستُّون درجة مستديرة تعود آخرها على أولها..
  • يُقال والله أعلم أنَّ الأرض كُرة، وأن المحيط بها أربعة وعشرون ألف ميل، أعني الدائرة العُظمى التي على كَرَتها، وقُطرها سبعة آلاف وستُمائة وستَّة وثلاثون ميلاً بالتَّقريب.
  • ويُقال: إن مُدُن الأرض إحدى وعشرون ألفاً وستمائة مدينة بعَدَد دقائق الفلك، وكُل ثلاثة أميال فرسخ، وكُل فرسح اثنا عشر ألف ذراع بذراع الملك، كُل ذراعٍ منها ثلاثة أشبار، والخُطوة ذراع بذراع الملك، والميل أربعة أربعة آلاف ذراع، والبريد اثنا عشر ميلاً، وهوَ أربعة فراسِخ، والمشرق ستة أميال، وهو فرسخان، والغلوة خمس مائة ذراع، والفرسخ أربع وعشرون غلوة..
  • فأمَّا عُطارد؛ فإنَّ أدنى بُعدهُ من مركز الأرض أربعة وستُّون مثلاً وسُدس مثل لنصف قطر الأرض، يكون ذلك من الأميال مائتي ألف ميل وأربعة وأربعين ألف ميل وتسع مائة وثمانية وثمانين ميلا وثُلث ميل، وأمَّا بُعدهُ الأبعد من مركز الأرض؛ فمائة وستة وستُّون مثلاً لنصف قُطر الأرض بالتقريب يكون ذلك من الأميال ستمائة ألف ميل وثلاثة وثلاثين ألف ميل وسبع مائة وثمانية وثمانين ميلاً.
ابن رسته الأصفهاني تحدث عن كروية الأرض .

وصوفات ابن رسته للبحار والأنهار:-

قدَّم ابن رسته مجموعة من الوصوفات ذات الصلة بالمحيطات والبحار والأنهار والتي استند فيها إلى مشاهداته، لكنه اعتمد كذلك على أقوال سابقيه من المؤرخين والجغرافيين والفلكيين والرَّحَّالة، ومن ذلك  قوله:

  • وفي المعمورة أنهارٌ عِظامُ مشهورة، بعضها مما عرفناه وبلغنا خبرهُ، منها نهرٌ يُسمَّى كَنْك يجري في أعلى بلاد الهند، يخرج من جبال فوق قشمير الدَّاخِلة ويجري إلى ناحية الجنوب، حتَّى يصُبَّ في البحر الهندي.
  • ومخرج نيل مصر من جبال الببن، وينصبُّ في بحيرتين خلف خطِّ الاستواء، ويطيفُ بأرض النُّوبة، ويتشعَّب دون الفُسطاط، فتصيرُ شعبه إلى الإسكندرية، وبعضٌ يصيرُ إلى دِمياط في بحر الشأم البحر الرُّومي ويشقُّ باقيه القسطنطينية حتَّى يصُبّ أيضاً في البحر الرُّومي، وبعض يصير إلى جزيرة تنيس المدينة التي يُتَّخَذ بها الثِّيابُ الفاخِرة، وحولها البحر ناحيةً، والنخل وماء النيل ناحية، وهي ناحية الجنوب، فإذا هبَّت الريح الجنوب عذُبَ ماؤهم الذي يلي النيل لتراكم الأمواج من ذلك الوجه من ماء النيل فيطرقونهُ إلى مصانع له، فإذا هَبَّت الشَّمال أمالت عليهم الأمواج ومَلُحَ ماؤهم ذاك.
  • ومخرج دُجيل نهر الأهواز من أرض أصبهان وجبالها، فينصب في بحر البصرة وفارس.
  • ومخرج بردى نهر دمشق من جبال دمشق ويجتازها فيسقيها ويسقى غوطة دمشق ثُمَّ ينصبُّ في بحيرة دمشق.
  •  ومخرج قُويَق نهر حَلَب من قرية تُدعى سنياب على سبعة أميال من دابق، يمرُّ إلى حَلَب ثمانية عشر ميلاً ثمَّ إلى مدينة قنسرين اثني عشر ميلاً ثُمَّ إلى مرج الأحمر اثني عشَر ميلاً ثم يفيضُ في الأجمة.
  • ونهر الفُرات يخرجُ من بلاد الرُّوم فوق موضعٍ يقال له: إبريق، فيقبل مع الشَّمال حتى يمرَّ بالجزيرة والرَّقَّة، ثُمَّ ينحدرُ إلى الكوفة، وفي غربيِّه بلاد الشأم وفي شرقيه بلاد الجزيرة، ثم ينصبُّ في البطائح بعد أن يتفرَّغ، فيصير أنهاراً عِظاماً ومصبُّه في البطائح بموضع كسكر.
  • وأمَّا البحرُ الشَّامي؛ فإنَّهُ إذا صَارَت الشَّمسُ في أوَّلِ العقرب إلى أن تصيرَ إلى أوَّلِ الحوت في هذه الأربعة أشهر لا يستطيعُ الناسُ ركُوبهُ، وذلك لأنَّ الشَّمسَ تتباعدُ عنه وتحدُثُ فيه الرِّياحُ العاصفة، وذلك في ناحية الشَّمالِ منهُ.

وصفه للمدن والحواضر والأقاليم:-

ذكر ابن رسته الأصبهاني في كتابه “الأعلاق النفيسة” طبيعة وجغرافية وتاريخ المدن والحواضر التي استطاع أن يحصرها في مؤلَّفهِ المذكور، ومن ذلك قوله:

  • مدينة السَّلام وهي المُسمَّاة بغداذ، وبغداذ اسم موضع كانت في تلك البُقعة من قبل زعموا أنَّهُ كانَ موضعاً للأوثان والأصنام في الدَّهر القديم، وهي أرض بابل، وبابل أقدم هذه المواضِع كلَّها.. وكانت الملوك الأوائل تنزِل بها من قَبْل، ويُقال: إنَّ منها تفرَّق ولد نوح عليه السَّلام..ونهر دجلة يجري وسط هذه المدينة، وهو يُقبل من ناحية جبل الجزيرة وأرمينية، وعِمارة بغداد المُسمَّاة مدينة السَّلام  في الجانب الغربي من دجلة بناها المنصور، وهي مدينة حصينة لها سوران، وبين السُّوريّن فصيل، وخارج السُّور خندق قد بُني حافَّتاهُ بالجصّ والآجر، ولهذه المدينة أربعة أبواب، على كلِّ بابٍ منها قُبَّة خضراء…
  • صنعاء هي مدينة اليمن، ليسَ باليمن ولا بتهامة ولا بالحجاز أعظم منها ولا أكثر أهلاً وخيراً ولا أشرفَ أصلاً ولا أطيب طعاماً منها، وهي مدينة برِّيَّة مُعتلة الهواء، يعدل طيب هوائها في جميع السَّنة هواءً ربيعياً في السَّنة إذا اعتدلت وطابت، ويُفرَشُ الفراش الواحد في مكان فلا يُحوَّل من ذلك المكان لحرٍ ولا بردٍ سنين كثيرة، وتدرك عندهم الحنطة دفعتين والشَّعير والأرُزُّ ثلاث دُفعات وأربعاً، ومن ثمارهم وعنبهم ما يدرك في السَّنة دفعتين أيضاً.. وهي مدينة كثيرة الأهل طيِّبة المنازل بعضها فوق بعض، إلَّا أنَّها مزوَّقة أكثرها بالجص والآجُر والحِجارة المهندمة، منها ما أساسها من الجصّ والآجر وسائرها حجارة مهندمة حِسان، وبعض أرضي بنائها الجصُّ والآجُر وبعضها بالجصّ، وأكثر سطوحها مفروشة بالحصا لكثرة أمطارها، ولأمطارها أوقات معلومة عندهم علامات .. وعندهم فواكه سريَّة مثل أنواع التُّفَّاح والبرقوق وهو المشمش، والفرسك أنواع وهو الخوخ، ومن أنواع الأجاص ما ليسَ بخراسان، والكُمَّثرى أنواعٌ كثيرة، وعندهم على ما زعموا قريب من سبعين لوناً عنب، وعندهم النخيل في قراها دون قصبتها، والموز عندهم كثير في كُلِّ موضع يُدرك الموز عندهم، في كُلِّ أربعين يوماً يُقطعُ ثمرتهُ، ولا ينقطع القطافُ عندهم أبداً..
وصف متوسع لمدينة صنعاء في كتابه الأعلاق النفيسة .
  • مدينة الإسكندرية:  وهي مدينة نزهة كثيرة الخير على شاطئ بحر الروم، وهو أقصى حُدود الإسلام، ومنارتها هي الموصوفة وقد بُنيت على أربع سراطين، سرطان سرطان معمول من زُجاج طول المنارة في الهواء ثلاثمائة درج، في كُلِّ درَجَة كُوَّة يطَّلع منها إلى البحر، ويقال: إنَّ ارتفاع المنارة في السَّماء ثلاثمائة ذراع بذراع الملك يكون ذلك بذراع اليد أربع مائة وخمسين ذراعاً فتدخل باب الشرقي من الإسكندرية فهُناكَ قُبَّةٌ خضراءٌ عليها ستَّة عشر عموداً من رُخام، وهي في وسط المدينة، بناها الإسكندر.. يُمْنَةً من هذه القُبَّة البحر ويُسرةً منها أشجار الجُمِّيز والكُروم وقُبالتها سوق يُمنةً منها فتسيرُ مقدارَ فرسخٍ في سوق مبنية من رُخام، وأرضها رًخام وحيطانها، وقلَّ ما يتَّسِخُ فيها الثِّياب..
  • أصبهان: أمَّا هواؤها فهواءٌ قد أجمَعَ على طيبِهِ كلُّ من وَرَدَهَا من الحُكَمَاء والفلاسفة والأطباء.. وتُربَتها أصحُّ التُرب تبقى بها الثِّمار سنة مثل العنب على رقَّةِ قِشْرِه والصينيّ على كثره مائه، والتُّفَّاح والسَّفرجل والرُّمَّان حتَّى يجمع فيها بين العتيق والجديد منها وتبقى بعد ذلك أيضاً مُدَّة، ويُقال إنه إذا بلغ ما يُجلَب من تُفَّاحها وسفرجلها إلى بغداد النهروان؛ اُشتُمَّ روائحها في القصبة واستُقبِلَ وابتيع، ثمَّ بها معادن الفضَّة، إلَّا أنَّها في هذا الوقت مهجورة..

اقرأ ايضاً ابن سينا .. أول من توصل إلى تشخيص حالة الدوالي

المصدر:-

كتاب ابن رسته ، الأعلاق النفيسة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى