أعلام

ابن خلكان .. القاضي والمؤرخ الجامع

جمع حسن الصورة، وفصاحة المنطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النفس

اسمه ونسبه:-

هو قاضي قضاء دمشق، وعالمها، ومؤرخها، شمس الدين، أبو العباس، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي الإربلي الشافعي، صاحب كتاب التراجم المشهور “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”.

مولده:

ولد في مدينة إربل في العراق بالقرب من شاطئ دجلة الشرقي من الموصل، وذلك في 22 من شهر سبتمبر أيلول من سنة 1211 ميلادياً، الموافق 608 هجرياً.

أسرته:.

نشأ ابن خلكان في أسرة معرفة بالفضل، والعلم، والفقه، وقد اشتهرت الأسرة باسم رأسها خلكان.

مدينة اربيل
جانب من منازل أربيل في العام 1932 م – مكتبة الكونغرس

وكان جده أبو بكر بن خلكان (ت525هـ) تلميذاً لأبي إسحاق الشيرازي، وكان والده محمد بن أبي بكر (ت 610هـ)، يقوم بالتدريس في مدرسة الملك المعظم بإربل، المعروفة بالمظفرية.

طلبه للعلم:

بدأ رحلته في طلب العلم منذ صغره حيث سمع صحيح البخاري من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي بإربل، بسماعه من أبي الوقت السجزي، وله إجازة من الطوسين وعبد المعز الهروين وزينب الشعرية.

رحلاته ومناصبه:

وكعادة طلبة العلم في هذا الزمان رحل ابن خلطان إلى العديد من البلاد للسماع من الشيوخ والعلماء، فذهب إلى مصر، وأقام فيها زمناً حيث تولى نيابة قضائها عن القاضي بدر الديت السنجاري.

ثم ارتحل إلى دمشق سنة تسع وخمسين فعينه الظاهر بيبرس على قضاء الشام، وبعد عشرة سنوات تم عزله، فرجع ابن خلكان إلى مصر ومكث بها سبع سنوات، ثم عاد مرة أخرى إلى القضاء بالشام، ولكنه عزل منه بعد فترة من الزمان.

وقد كان المنصب بينه وبين ابن الصائغ دولاً، يـعـزل هذا تارة، ويولى هذا، ويعزل هذا، ويولى هذا. وقد درس ابن خلكان في عدة مدارس لم تجتمع لغيره، ولم يبق معه في آخر وقت سوى الأمينية وبيد ابنه كمال الدين موسى النجيبية.

الشاعر ابن حيوس (394هـ -473هـ) الملقب "مصطفى الدولة"، ورث الثراء عن آبائه والعلم عن جده لأمه وأخواله، ويعد أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين
دمشق في العام 1870م حيث يظهر المسجد الأموي في الصورة – مكتبة الكونغرس

مكانة ابن خلكان:

إن المتابع لسيرة ابن خلكان يرى أنه من بيت معروف بالفضل والعلم والفقه، فهو من الأئمة الفضلاء والعلماء والأدباء، حيث أنه برع في الأدب والشعر، كما أنه عارف بالمذهب، حسن الفتاوي، جيد القريحة، وكذلك فإنه كان بصيراً باللغة العربية، لما لا وهو علامة في الأدب والشعر.

كما أنه كان قاضياً عادلاً، ومؤرخاً جامعاً ويشهد على ذلك كتابه وفيات الأعيان.

ومن محاسنه؛ أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحداً عنده بغيبة، حكي أنه جاءه إنسان فحدثه في أذنه أن عدلين في مكان يشربان الخمر، فقام من مجلسه، ودعا برجل، وقال: أذهب إلى مكان كذا، وأمر من فيه بإصلاح أمرهما، وإزالة ما عندهما، ثم عاد فجلس مكانه إلى أن علم أن نقيبه قد حضر، فدعا بذلك الرجل وقال: أنا أبعث معك النقيب، فإن كنت صادقاً ضربتهما الحد، وإن كنت كاذباً أشهرتك، وقطعت لسانك، وجهز النقيب معه، فلم يجدوا غير صاحب البيت، وليس عنده شيء من ذلك، فأحضر الدرة، وهدده، فشفع النقيب فيه، فقبل شفاعته، ثم أحضر له مصحفاً، وحلفه أن لا يعود يقذف عرض مسلم.

ابن خلكان وآراء العلماء فيه:-

  • قال عنه الإمام الذهبي: كان إمامًا فاضلاً متقناً، عارفاً بالمذهب، حسن الفتاوى، جيد القريحة، بصيرًا بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سروات الناس، كريماً، جواداً، مُمَدّحاً، وقد جمع كتابا نفيساً في “وفيات الأعيان”.
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
  • وقال عنه ابن العماد الحنبلي في “شذرات الذهب”: “ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحداً عنده بغيبة”.
  • وقال عنه الشيخ تاج الدين الفزاري في تاريخه: “كان قد جمع حسن الصورة، وفصاحة المنطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النفس”.
  • كما تناوله الفقيه الشافعي السبكي بالذِّكر في طبقاته، حيث أطال الحديث عنه ومدحه.
  • ابن خلدون، مؤسس علم الإجتماع، يصف بدوره ابن خلكان بأنه “كان ثرياً سرياً ذكياً إخبارياً عارفاً بأيام الناس”.

ابن خلكان و “وفيات الأعيان”:

له من المصنفات كتاب “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزَّمان“، وهو أشهر كتب التراجم ومن أحسنها ضبطًا وإحكامًا، وضمَّنه مما يثبت بالنقل أو السماع أو اثبته العيان، وهو كتاب موسوعي ضخم يقع في جزئين ويضيف لنا الكثير من المعلومات حول رجال وأعلام، أدباء، وشعراء، ساسة وفقهاء، ممن أسهموا في سائر فروع الحياة الفكرية، بل أنه يزودنا بمعرفة شخصيات غابت عنهم الأضواء فبدت ملامحهم مجهولة لنا قبل وصفها من قبل صاحب الكتاب الكبير.

شرع ابن خلكان في كتابة “وفيات الأعيان” بالقاهرة في العام 654 هجري، وعمره حينها 46 عاماً، بيد أنه اضطر إلى الانقطاع عن المضي قدماً فيه أثناء ولايته لقضاء دمشق، ثم عاد ليتممه في جمادى الآخرة من العام 672 هجري، وللكتاب نسخة جيدة ما زالت محفوظة لغاية تاريخه في المتحف البريطاني.

لقد شاءت الأقدار أن نفقد معظم المؤلفات التي تناولت سيرة رجال كان لهم الباع الأجل في الفكر والتصنيف من قبل عصر ابن خلكان، ومن هنا؛ فقد اكتسب “وفيات الأعيان” شهرة لأنه يعتبر من أهم المصادر في التراجم والتاريخ الأدبي، كما ينسب لابن خلكان كتاب التاريخ الأكبر في طبقات العلماء وأخبارهم، مع أن البعض يرجح أن يكون هذا الكتاب لأخيه محمد بهاء الدين قاضي بعلبك.

وفاة ابن خلكان:

مات ابن خلكان فقيراً معدماً، فما خلَّف ديناراً ولا درهماً، وعليه جملة الدين فبيعت كتبه لوفائه، وقد دُفِنَ في السادس والعشرين من رجب سنة 681 هجرية (1282 م)، بإيوان المدرسة النجيبية بسفح قاسيون، وكان يبلغ من العمر حينئذ ثلاث وسبعون سنة.

دمشق مسقط رأس العز بن عبد السلام
دمشق في العام 1898 م – مكتبة الكونغرس

تعرف على جامع خالد بن الوليد في حمص .. مرقد سيف الله المسلول

مراجع ترجمته:-

الفرات 1، 100 وقضاة دمشق: 76 وطبقات السبكي 5: 14 والنجوم الزاهرة 7: 353 وشذرات الذهب 5: 371. وهذه منقولة عن الوافي (الجزء السابع) .

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى