أعلام

ابن خلكان .. مترجم الشخصيات البارع الذي توفي فقيراً

لكتاب "وفيات الأعيان" نسخة جيدة ما زالت محفوظة في المتحف البريطاني

ابن خلكان .. التعريف والنشأة:-

ابن خلكان ، هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، شمس الدين أبو العباس، البرمكي، الإربلي، الشافعي، المولود في شهر ربيع الأول من سنة 608 هجرية، وهو صاحب الكتاب المرجعي في تراجم الرجال “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان“.

وكانت ولادة ابن خلكان في المدرسة المظفَّرية بمدينة أربل (أربيل حالياً، الواقعة في إقليم كردستان العراق)، حيث كان والده شهاب الدِّين مُدرِّساً فيها.

عاشَ ابن خلكان يتيم الأب وذلك منذ أن بلغ الثانية من عمره، الأمر الذي دَفَعَ صاحبِ إربل مظفَّر الدين كوكبوري لكفالته وأشقائه، وذلك نظراً للعلاقة المميزة التي نشأت بينه وبين أبيهم المتوفَّى، وقد ساهمت هذه الكفالة في الحيلولة دون اختلال توازن الأُسرة، كما ساعدت على توفير سُبُل انطلاق أحمد صوب طَلَب العِلم.

ابن خلكان – نسبه:-

ثارَ في عهد ابن خلكان وبعد قرون من وفاته جدلٌ كبير حول نَسَبه، فالبعض نسبه إلى البرامكة الذين شغلوا مناصب رائدة في بلاط الخلفاء العباسيين قبل أن ينكبهم هارون الرَّشيد، فيما ذهب البعض الآخر للقول: إنه كردي الأصل.

ومن الذين أحالوا نسب ابن خلِّكان إلى البرامكة؛ المؤرِّخ شرف الدين المستوفى، والصَّاحِب كمال الدِّين، والإمام شمس الدين الذَّهبي، والمؤرِّخ الصَّفدي، والفقيه الشافعي السُّبكي، والمؤرِّخ المقريزي، والمورِّخ ابن قاضي شهبة، وأخيراً المؤرِّخ ابن العماد الحنبلي.

أمَّا هو نفسه، أي ابن خلكان، فقد قال عن نسبه: “أمَّا النَّسَبُ والكَذِبُ فيه، فإذا كان ولا بدَّ منهُ، فكُنتُ انتسبُ إلى العبَّاس أو إلى عليٍّ بن أبي طالب أو إلى أحد الصَّحابة، وأمَّا النَّسَبُ إلى قومٍ لم يبقَ فيهم بقيَّة، وأصلهم فُرْسٌ مجوسٌ؛ فمَا فيه فائدة”.

التعلم من كبار الأساتذة:-

تمكَّن ابن خلكان الفتى والشَّاب من نيلِ قسطٍ وافرٍ من العِلم على يد مجموعة من كبار العُلماء الذين كانوا بإربل في عهده، كما انتقل إلى الحواضر العربية الإسلامية (دمشق، حلب، الموصل، حرَّان، الإسكندرية، والقاهرة) وذلك للنهل من معين العلماء والأدباء والفقهاء، مستفيداً من كتاب توصية من قِبَل حاكم إربل، ومن العلاقة المتميزة التي شيَّدها والده الفقيد مع أعلام هذه الحواضر، ويلحظ غياب اسم بغداد عن قائمة المدن التي قصَدها، وهي المدينة التي عاصر اجتياح المغول لها سنة 656 هجرية.

من بين أشهر أساتذته:

  • أحمد بن كمال بن منعة الذي خَلَفَ أباه شهاب الدين في التعليم بالمدرسة المظفَّرية.
  • محمد بن هبة الله بن المكرم، أبو جعفر البغدادي الصُّوفي، المتوفَّى سنة 621 هجرية.
  • أحمد بن هبة الله بن سعد الله، أبو القاسم الطَّائي الحلبي النحوي، المشهور بابن الجبراني، الذي توفي سنة 628 هجرية.
  • عبد اللَّطيف بن يوسف بن محمد، موفَّق الدِّين أبو محمد البغدادي النحوي الفقيه، المتوفى سنة 629 هجرية.
  • علي بن أبي الكرم محمد، عزّ الدِّين ابن الأثير الشيباني ، العلَّامة المُحدِّث، الأديب النسَّابة، المتوفى سنة 630 هجرية.
  • محمد بن أبي بكر بن علي، أبو عبد الله الموصلي، المشهور بابن الخبَّاز، الفقيه الشَّافعي المتوفى سنة 631 هجرية.
  • يوسف بن رافع بن تميم، بهاء الدين أبو المحاسن، قاضي حَلَب الشهير بابن شداد، المتوفى سنة 632 هجرية.
  • جمال الدين أبو بكر الماهاني.
  • المفضل بن عمر بن المفضَّل، أثير الدين الأبهري، صاحب “التعليقة في الخلاف”.
ابن بطوطة يصف مشاهداته في الموصل
ابن خلكان قصد الموصل طلباً للعلم
  • المبارك بن أحمد المبارك، أبو البركات المحدِّث، المشهور بابن المستوفى، المتوفى سنة 637 هجرية.
  • موسى بن يونس بن محمد، أبو الفتح الإربلي الفقيه، المتوفى سنة 639 هجرية.
  • عثمان بن عبد الرَّحمن بن عثمان، أبو عمرو الفقيه، الشهير بابن الصَّلاح، المتوفَّى سنة 643 هجرية.
  • يعيش بن علي بن يعيش، موفق الدِّين أبو البقاء النحوي، المتوفى سنة 643 هجرية.
  • أحمد بن موسى بن يونس ابن منعة، أبو الفضل الإربلي، المتوفَّى سنة 644 هجرية.
  • يوسف بن محمد بن إبراهيم، أبو الحجَّاج الأنصاري البياسي، الأديب، المتوفَّى سنة 653 هجرية.
  • عبد العظيم بن عبد القوي، أبو محمد المنذري، الحافظ المؤرِّخ، المتوفَّى سنة 656 هجرية.

التدريس والقضاء:-

كعادة طلبة العلم في ذلك الزمان؛ رحل ابن خلكان إلى العديد من البلاد للسَّماع من الشيوخ والعلماء، فقصد مصر، وأقام فيها زمناً حيث تولى نيابة قضائها عن القاضي بدر الدين السنجاري.

ثم ارتحل إلى دمشق فعينه الظاهر بيبرس على قضاء الشام، وبعد عشرة سنوات تم عزله، فرجع ابن خلكان إلى مصر ومكث بها سبع سنوات، ثم عاد مرة أخرى إلى القضاء بالشام، ولكنه عُزِلَ من منصبه بعد فترة من الزمان.

وقد كان المنصب دُولاً بينه وبين ابن الصائغ، يُعزل هذا تارة، ويولَّى هذا، ويعزل هذا، ويولى هذا، وحينما أُعيد ابن خلكان لمنصبه في إحدى المرَّات؛ كان يوم توليته يوماً مشهودا، حيث جلس في منصة القضاء، وتكلَّم الشعراء عنه مادحين إياه مبرِّزين أفضاله، واصفين أيامه في الشام مثل أيام يوسف بن يعقوب عليهما السلام في مصر، وفي ذلك إيحاء واضح لإشادتهم به وعدم رضاهم عن ابن الصائغ، اذ اعتبروا سنوات الأخير السبعة بمثابة السَّبع الشداد، قبل أن يغاث الناس بعودة ابن خلكان.

ابن خلكان عاد لدمشق غير مرة

“وفيات الأعيان” يحل مشكلة فقدان مؤلفات التراجم:-

شَرَع ابن خلكان في كتابة مؤلَّفه الشهير “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان” وذلك بمدينة القاهرة في سنة 654 هجرية، وعمره حينها 46 عاماً، بيد أنه اضطر إلى الانقطاع عن المضي قدماً في إنجازه وذلك أثناء ولايته لقضاء دمشق، ثم عاد ليتمَّمه في جمادى الآخرة من سنة 672 هجرية، وللكتاب نسخة مهمة جيدة ما زالت محفوظة لغاية تاريخه في المتحف البريطاني.

لقد شاءت الأقدار أن نفقد معظم المؤلفات التي تناولت رجالاً مشاهيراً كان لهم فضلاً كبيراً في الفكر والتصنيف من قَبْل وخلال عصر ابن خلكان، ومن هنا اكتسب “وفيات الأعيان” شهرةً كبيرة لأنه يعتبر من أهم المصادر في التراجم والتاريخ الأدبي، كما ينسب لابن خلكان كتاب “التاريخ الأكبر في طبقات العلماء وأخبارهم”، مع أن البعض يرجِّح أن يكون هذا الكتاب لأخيه محمد بهاء الدين قاضي بعلبك.

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان” تضمن ما يثبت صحته بالنقل أو السَّماع أو اثبته العيان، وهو كتابٌ موسوعيٌ ضخمٌ يقع في قسمين ويضيف لنا الكثير من المعلومات حول رجال وأعلام، أدباء، وشعراء، ساسة وفقهاء، ممن أسهموا في سائر فروع الحياة الفكرية والعلمية والمعرفية، بل أنه يزودنا بمعرفة أشخاص غابت عنهم الأضواء فبدت ملامحهم مجهولة لنا قبل وصفها من قبل صاحب الكتاب الكبير.

قال عنه المقريزي : “كتاب وفيات الأعيان، وقد بَلَغَ من الشُّهرة مبلغاً لا مزيد عليه، ويوجَد ثلاثة نسخ، كبرى ووسطى وصُغرى، فالوسطى أكثر جوداً من الآخرين”.

ولم أقصُر هذا المختصر على طائفةٍ مخصوصةٍ مثل العُلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشُّعراء، بل كلّ من لهُ شهرةً بين النَّاسِ، ويقع السُّؤالُ عنه ذكرتهُ وأتيتُ من أحوالهِ بما وقَفْتُ عليه، مع الإيجاز كيلا يطول الكِتاب، وأثبتُّ وفاته ومولده إن قدرِتُ عليه، ورفعتُ نَسَبَهُ على ما ظفرتُ به، وقيَّدتُ منَ الألفاظِ ما لا يؤمَنُ تصحيفُه، وذكرتُ من محاسنِ كلِّ شخصٍ ما يليقُ به من مكرمةٍ أو نادرةٍ أو رسالةٍ ليتفكَّهَ به متأملهُ ولا يراهُ مقصوراً على أسلوبٍ واحِدٍ فيملَّه، والدَّواعي إنَّما تنبعثُ لتصفُّحِ الكتابِ إذا كان متفنِّناً.

— ابن خلكان يتحدث عن “وفيات الأعيان”.

ابن خلكان في ميزان العلماء:-

  • قال عنه الإمام شمس الدين الذَّهبي: ” كان إماماً، فاضلاً، بارِعاً، متفنِّناً، عارفاً بالمذهب (الشَّافعي)، حسن الفتاوى، جيِّد القريحة، بصيراً بالعربية، علَّامة في الأدب والشِّعر وأيَّام النَّاس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، وافِر الحُرمة، من سروات النَّاس”.
  • الفقيه تاج الدين السُّبكي وصف ابن خلكان في “طبقات الشَّافعية الكُبرى” قائلاً : ” قاضي القُضاة، له في الأدب اليد الطولى، وشعره أرقُّ من أعطاف ذي الشمائل لعبت به الشُّمول، وأعذب في الثُّغور لعسَّا من ارتشاف الضَّرْب، وإنَّه لفوق ما نقول”.
  • ابن خلدون، مؤسِّس علم الإجتماع، يصف ابن خلكان بأنه “كان ثرياً سرياً ذكياً إخبارياً عارفاً بأيام الناس”.
ابن خلكان حظي بإشادة من قبل مؤسس علم الاجتماع
  • المؤرِّخ تقي الدين المقريزي، قال في كتابه “المقفى الكبير”: “ابن خلكان، الفقيه، العالِم، قاضي القُضاة، كان عالماً، أديباً بارِعاً، مؤرِّخاً جامِعاً، له شعرٌ فائق، ونثْرٌ رائق، وكان يُحِبُّ الأدب وأهله”.
  • أما المؤرِّخ صلاح الدين محمد بن شاكر الكتبي الحلبي -الذي ألَّف كتاب “فوات الوفيات”، مستفيدا من “وفيات الأعيان”-؛ فيقول عن ابن خلكان: ” كان كريماً ممدَّحاً، فيه ستر وعفو وحُلم، وحكايته في ذلك مشهورة”.
  • قال عنه المورِّخ اليونيني: ” أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، قاضي قُضاة الشَّام، وصدر صدور الإسلام، كان فقيهاً، إماماً، عالماً، بارِعَاً، مُتقِناً، مجموع الفضائل، معدوم النَّظير في علومٍ شتَّى، حُجَّة فيما يَنقُل، مُحقِّقاً لما يورده، منفرداً في عِلم الأدب والتاريخ، وأمَّا رياسته، وعلو هِمَّته، وشرفُ نفسهِ، وخبرته بقوانين الأحكام والحِشمة؛ فلم يكُن له في ذلك نَظير، وكان جواداً مِفضالاً، ممدَّحا، مدحه شُعراء عصره بغُرَر القصائد، وكان يُجيزهم الجوائز السنيَّة، وكان عنده صبر واحتمال وستر على العورات، وعفوٌ عن الزَّلَّات..”.
  • قال المورِّخ عبد الرَّحمن الفزاري عن ابن خلكان: “كان قد جَمَعَ حُسْن الصُّورة، وفصاحة المنطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النَّفْس”.

ابن خلكان صاحب أشعار تقليدية:

وإلى جانب مؤلفات ابن خلكان؛ نرى مجموعة كبيرة من أشعار نظمها، منها على قافية الباء، والسين، والياء، والهاء، والميم، واللام، وجميعها أشعار تقليدية مستقاة من الأغراض التي شاعت في أيامه، وذلك لا يمنع من ضرورة جمعها لمبررين:

الأول: لانها تجسد شخصية ابن خلكان، وأسلوبه وثقافته ونزوعه واتجاهاته الفكرية بجلاء ووضوح.

ثانيا: لأنها تعكس طبيعة عصره بكامل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

فمن شعره:

وسِرْبُ ظِبـــاءٍ في غديرٍ تخــــالعوا.. بـدورٌ بأفقِ الماءِ تبدو وتغربُ

يقــولُ عذولــي والغـــرامُ مُصاحِبي.. أما لكَ عن هذِي الصبابةِ مذهبُ

وفي دمك المطلولِ خاضوا كما ترى.. فقلتُ له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا

وقال أيضاً:

كَمْ قُلـتُ لمـا أطْلَـعَــتْ وجناتُـــــهُ.. حَولَ الشَّقيقِ الغضِّ دَوحَـةَ آسِ

لِعِذَارِهِ السَّـــاري العجـولِ بخــدِّه.. مــا في وقوفـك سَاعةً من باسِ

وقال أيضاً:

يا مُرتـــحِلاً يطوي متون الفلــــوات.. إن جزت على الحمى فقِف بالأثلات

وابكِ الدمن الخوالي منهم فعسى.. تروي عرصاتها بصوب العبرات

ومن شعره قوله:

يا سعد عساك تطرق الحي عساك.. قصداً فإذا رأيت مَن حلَّ هناك

قَلَّ صبّــك مــا زال به الوجْـدِ إلى.. إن مات غراماً أحَسنَ اللهُ عزاك

وقال كذلك:

ألا يا سَــــائراً في عقــد عمــرٍ.. يُقــــاسي في السرى حزناً وسهلا

قطعتَ نقــــــا المشيب وجُزْت عنه.. ومـا بعد النقا إلا المصلى

ابن خلكان – نهاية مسيرة :-

وعلى الرغم من تقلده عدة مناصب مهمة، ترتَّب عليها نيله الأجر الوفير؛ إلا أن ابن خلكان توفي في رجب من سنة 681 هجرية فقيراً مُعدماً لا يملك لا دِرهما ولا ديناراً، بل إنَّه عانى من تراكم الديون على كاهله، فبيعت كتبه بعد موته للوفاء بالتزاماته المالية وحقوق الخَلْق عليه.

وقيل: إنه دُفِنَ في تربة الزاهد عبد الله البويني بسفح قاسيون بدمشق، وقيل كذلك: دُفِنَ بالمدرسة الجمالية النجيبية المنسوبة إلى جمال الدين أقوش الصالحي النجيبي، والتي وقفَها مدرسةً للشَّافعية في سفح قاسيون أيضاً.

وبعد قرونٍ من وفاته؛ ما تزال ذكرى ابن خلكان حيَّة في أوساط الباحثين والمؤرخين والمثقفين الذين يشيدون بقدرته ومهنيته وحياديته في كتابة ومعالجة شؤون الشخصيات التي تناولها في مؤلفاته، ولولا “وفيات الأعيان” ؛ لغابت الكثير من الحقائق والمعلومات المتعلقة بمنجزات وعثرات تلك الشخصيات التي دوَّن أعمالها.

ابن خلكان قصى في دمشق ودفن في سفح قاسيون

اقرأ أيضاً: قلعة جعبر .. شاهد عيان على أحداث الشرق العربي

المصادر:

  • رأي القاضي المؤرخ الأديب ابن خلكان في مصنفات الأعيان، جمع وتعليق أبي هاشم الهاشمي الأمير.
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس.
  • معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري من إعداد يسري عبد الغني عبد الله، دار الكتب العملية بيروت.
  • مكتبة الكونغرس الأميركية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى