أعلام

ابن خلدون.. أستاذ جميع علماء الاجتماع

أفكاره ونظرياته وشخصيته جلبت الجدل والاهتمام حتى لدى الغرب

مقدمة:-

ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، كان ولا يزال شخصية جدلية، إذ لم يتناول نظرياته العرب فحسب؛ بل خاض أيضاً الغربيون بتعمق في آرائه التي ساعدت المستشرقين منهم على تحليل أنثروبولوجيا وتاريخ وجغرافيا منطقتنا، نظرا لما حملته مقدمة ابن خلدون من طروحات عميقة لقيت تقديراً من قبل أطراف، بينما قوبلت بسخط آخرين غيرهم.

وفي هذه السطور؛ نلخص ما أورده يسري عبد الغني عبد الله، من مقتطفات تتعلق بفكر وشخصية ابن خلدون، إذ تعرض مُعجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري، لعددٍ من الشخصيات الفكرية البارزة في التاريخ الإسلامي، غير أن مؤسس علم الاجتماع حظي بمساحة واسعة من الاهتمام في هذا المؤلَّف.

ابن خلدون أستاذ للجميع:-

ويذكر المعجم بأن ابن خلدون بلا منازع صاحب مبادرة تأسيس علم الاجتماع، واصفاً إياه بكونه أستاذ لكل من جاء بعده من العلماء الأفذاذ في هذا الفرع من فروع المعرفة، من قبيل أوجسنت كونت الفرنسي، وفيكو الإيطالي، وكتلنة البلجيكي، وقد اعترف بذلك الدارسون المستشرقون أنفسهم حين تعرضوا لنظرية -هذه الشخصية المولودة في تونس خلال القرن الرابع عشر الميلادي – دراسة وتحليلا.

بهذه الخلاصة ختم كتاب، الفصل الخاص بابن خلدون الذي ظلت مقدمته الشهيرة مرجعاً لأهم دور التعليم ومؤسسات الدراسات العليا في العالم لغاية كتابة هذه السطور.

الفيلسوف أوجست كونت أبدى اهتماماً كبيراً بشخص ومؤلفات ابن خلدون

صاحب المقدمة الشهيرة:-

هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، المولود في تونس عام 732 هجرية أي (1332 ميلادية)، والمتوفى في القاهرة سنة 808 هجرية، أي (1406 ميلادية).

وتاريخ ابن خلدون يسمى “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم  والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، و يُعرف الجزء الأول منه باسم المقدمة، وسيتلمس القارئ بصفحاته الافتتاحية تعريفاً أخاذا للتاريخ بأنه “في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، أما في باطنه؛ فهو عميق وفيه نظر، وتعليل دقيق للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق”.

مقولات ابن خلدون

نظرة الغرب لابن خلدون:-

وكان ابن خلدون في طليعة الشخصيات العربية الإسلامية من حيث السطوع والتوهج، وهي الشخصية التي حازت على مكانة رفيعة لدى المفكرين الغربيين والشرقيين على حد سواء، بل لعل اهتمام الأوروبيين به وبآرائه وأفكاره، هو من يرجح اهتمام المشارقة به، فهم الذين توفروا على تحقيق آثاره ونشرها في اللغة العربية، وعلى ترجمتها إلى لغاتهم الأوروبية وخصوصاَ الفرنسية، بحسب ما ذكره المعجم المشار إليه كمصدر لهذه السطور.

وقلما يظهر مستشرق غربي إلا وقد حرِص أشد الحرص على أن يكون له دراسة أو مؤلَّف حول ابن خلدون، حتى وكأن دراسته وفهم نظرياته والكتابة حوله أصبحت بمثابة تحدٍّ لا بد لكل مستشرق من خوض غماره، وذلك إن أراد أن يثبت قدرته وجدارته على السير في الطريق الاستشراق، وترسيخ خطاه على أبواب الدراسات العربية التي تهم الغرب الذي لديه تاريخ طويل من الصدام مع الشرق.

ومن نافلة القول إن نمط شخصية ابن خلدون وآرائه ونظرياته جديرة بأن تجعل منه ذلك المفكر الذي تستهوي أفكاره كل باحث عن الجديد في إطار المعرفة، ذلك لأن ابن خلدون عاش على رقعة واسعة من العالم الإسلامي بدءا من الأندلس والمغرب مرورا بمصر وليس انتهاءً بدمشق، وذلك في فترة بلغت نحو نصف قرن، قبل أن يلقى وجه ربه في القاهرة التي عمل فيها قاضياً لسنوات.

أشهر مقولات ابن خلدون

مواهب ومناصب ابن خلدون:.

وقد مارس ابن خلدون في حياته أنماطاً مختلفة من المواقع والمراكز، فقد تقلد المناصب السياسية والدبلوماسية فضلا عن القضاء، إلى جانب كونه مؤلفاً كبيرا وشاعراً مُقلاً، وبفعل مناصبه ومواهبه؛ تمكن من مخالطة الناس بسائر طبقاتهم، فمن السلطان إلى الوزير إلى العالم إلى الرجل التافه إلى نظيره الشجاع، إلى البدوي والمتحضر، ما أكسبه قدرا هائلا من التجارب الإنسانية ربما لم يحظَّ بها مفكر عربي آخر، الأمر الذي مكنه من إنشاء فكر جديد متمثل في علم العمران الذي جعل منه رائداً لعلم الاجتماع.

بفضل مناصبه ومواهبه؛ تمكن ابن خلدون من مخالطة الناس بسائر طبقاتهم

ويتطرق ابن خلدون في مقدمته بشكل دائم إلى العلل والكيفيات والأسباب والنتائج، وفيها إشارات كثيرة وغنية يمكن البناء عليها، بما يدل على فهمه التام للتاريخ بالمعنى الحديث، كما أنه يشير إلى ما يجب أن يتذرع به المشتغل بالتاريخ حيث يقول”إن المؤرخ الصالح محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر، وتثبت، يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصواب”.

حصيلة خبرة السنين:-

لقد كتب ابن خلدون تاريخه بعدما ارتحل لغير بلد إسلامي، وعاش في بلاط سلاطين المغرب والأندلس، وتقلب في خدمة دواوينهم، وذلك في نهايات القرن الرابع عشر الميلادي، كما سافر لأحد هؤلاء السلاطين، وهو محمد الخامس سلطان غرناطة، عند بيترو ملك قشتالة المسيحية، وبذلك شهد بنفسه أحوال الكثير من الدول عن كثب وقرب، كما لمس بيده وفكره عوامل التدهور والانحطاط الناشبة أظفارها بين المسلمين، مما جعل لكتابه عموما، ومقدمته خصوصاً قيمة تاريخية فريدة.

ابن خلدون تنقل بين الأندلس والمغرب
ابن خلدون تنقل بين الأندلس والمغرب بعد ولادته في تونس ثم اتجه للمشرق العربي، عاد بعدها للقاهرة التي توفي فيها

لقد انتقل إلى القاهرة عام 1382 ميلادية، وكان قد انتهى من تأليف كتابه قبل ذلك ببضع سنين، وعاش في الإسكندرية بعض الوقت، وأدى فريضة الحج غير مرة أثناء تمركزه في مصر التي درّس فيها بالجامع الأزهر، والمدرسة القمحية القريبة من جامع عمرو بن العاص، بل تولى أيضا منصب قاضي القضاة المالكية بمصر، كما رافق الحملة المملوكية التي قادها السلطان فرج بن برقوق سنة 1401 ميلادية لدفع تيمورلنك عن دمشق، كما كان له حضوراً بارزاً في وفد المفاوضة بين الدولتين المملوكية والمغولية.

تجارب غنية:-

ومنبع الأهمية في كل تلك التفاصيل، في أنها تجسد أصناف التجارب التي تمرس منها وأودع منها في كتابه، كما أنها تدل على اتصاله الطويل بكثير من العلماء والمؤرخين في مصر والشام وغيرهما من بلاد الإسلام، بل تفيد المراجع على أن اتصالاته بعلماء مصر بالذات؛ أفضت إلى تكوين مدرسة حوله من المعجبين به والمتتلمذين على طريقته، كما أدت إلى قيام فئة من الغامطين لمقامه والمنددين بقدرته ومقدرته.

من كتب ابن خلدون:-

* كتابه في التاريخ، ومقدمة.

* شرح البردة.

* كتاب في الحساب.

 * تعليقات في المنطق.

* تلخيصات من كتب ابن رشد.

غير أنه لم يصل إلى أيدينا من هذه المؤلفات سوى كتاب التاريخ ومقدمته، وهما كتاب واحد عمد الدارسون إلى جعلهما إثنين، نظراً لما تتميز به المقدمة من فكر جديد، ونظريات مستحدثة، فرضت نفسها على الدراسات الإنسانية على المستوى الفكري العالمي. من الجدير ذكره بأن المعجم من طباعة ونشر دار الكتب العملية بيروت.

المصادر:

معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري، اعداد يسري عبد الغني عبد الله

www.freepik.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى