أعلام

ابن خرداذبة .. صاحب “المسالك والممالك”

أول من وصف الطريق البري إلى الصين، سابقاً بذلك الرحَّالة الإيطالي ماركو بولو

التعريف بالشخصية:-

هو أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله ابن خرداذبة الجغرافي والأديب الخرساني الذي ينتمي لأسرة خَدَمَت الولاة العباسيين.

وُلِد ابن خرداذبة في خراسان سنة 820 ميلادية ، وقد نبغ مبكراً وأظهر ميلاً وشغفاً كبيرين للاكتشاف والاطلاع، وهو الأمر الذي قاده للتنقُّل لأغراض التعرُّف على ما يكتنفه الكون من أسرار، ليكون أول من تحدَّث عن كروية الأرض .

وقد تميَّز كثير من العلماء في العصور الوسطى بطابع الموسوعية، فقد كان الخراساني مثل الفيلسوف الفارابي –المولود سنة 874 م- مهتمَّاً بالموسيقى، هذا إلى جانب عنايته  بالجغرافيا والفلك والأدب.

اكتسابه العلم:-

يعتبر عبيد الله ابن خرداذبة من أوائل العلماء العرب والمسلمين في مضماري الجغرافيا والتاريخ، وقد لجأ إلى تمحيص الحقائق العلمية التي تُرجمِت في بغداد عن اليونانية عن بطليموس (100-170م) وسواه ، كما تعمَّق في العلوم الموروثة عن علماء بابل ، كما فعل معاصره ابن وحشية  المطلع على اللغات القديمة والمتوفي بالعراق أيضاً سنة 930 م.

كما كان ابن خرداذبة عارفاً بالعلوم الرومانية والتي تعتبر أقل من حيث قيمتها وزخمها مقارنة بسابقتها اليونانية، علماً بأن العباسيين دعموا نشاط الترجمة العلمية عن الإغريق، وقام بهذا الدور عدد من الأسماء من قبيل يوحنا بن ماسويه (777-857م) ، وحنين بن إسحاق (808-873 م)، وإسحاق بن حنين (830-910م) وسواهم.

أسرة ابن خرداذبة :-

كما أشرنا سابقاً، فقد انتمى ابن خرداذبة لأسرة خرسانية خدمت السُّلطات العباسية ومقر عاصمتهم بغداد، لدرجة أنه أهدى كتابه الشهير “المسالك والممالك” لأحد الأمراء العباسيين الذين عنوا بمعرفة تضاريس امبراطوريتهم، إلى جانب الطرق والمسالك وذلك لأغراض تجارية وعسكرية.

وبفضل ذلك؛ فقد شغل والد عبيد الله منصب والي طبرستان، كما أُسنِدَ إليه شخصياً مهمة رئاسة ديوان البريد، وهو ما ساعده على تعزيز قدراته على استكشاف جغرافيا الأمصار التي تنتقل الرسائل والسلع والبضائع عبرها.

مساهماته وحديثه عن كروية الأرض :-

يعتبر ابن خرداذبة رائداً في التوصُّل إلى عدد من الحقائق التي استطاع من جاء بعده الاستفادة منها من قبيل الجغرافيين ابن حوقل و ابن جبير والإدريسي و ابن بطوطة ، هذا ناهيك عن العلماء الموسوعيين من قبيل أبي الريحان البيروني، كما استعان الغربيين بكتابه وذلك لدارسة الجغرافيا والأنثروبولوجيا التي ميزت العالم في عصره الوسيط.

  • فقد كان أول من  تحدَّث صراحةً عن كروية الأرض، سابقاً البيروني (ولد سنة 973 م) وابن طفيل (1100 م) والذي لمَّح لذلك في روايته الشهيرة، “حيّ بن يقظان”، حيث قال ابن خرداذبة في هذا الشأن: ” إنَّ الأرض مدوَّرة كدوران الكُرَة، موضوعة كالمحة في جوف البيضة”.
  • يعتبر أول من وصف الطريق البري إلى الصين، سابقاً بذلك الرحَّالة الإيطالي ماركو بولو ( 1254-1324 م ) و الطنجي ابن بطوطة (1304-1377 م).
  • يعتبر أول من أقدم على تأليف مصنَّف جغرافي كامل، ليضع حجر الأساس الذي بنى عليه لاحقاً رحَّالة عرب من قبيل المقدسي البشاري وابن حوقل.
  • يعد أول من تعرَّض إلى معنى الجاذبية الأرضية، متقدِّما بفارق زمني قصير عن أبي جعفر الخازن (900-960 م) وبفجوة زمنية هائلة عن السير إسحاق نيوتن (1642-1727 م)، حيث قال في هذا السياق: ” فالأرضُ جاذبةٌ لِما في أبدانِهِم من الثقل، لأنَّ الأرض بمنزلةِ الحَجَر (أي المغناطيس)، الذي يجتذب الحديد”.

أقوال العلماء فيه:-

تعرَّض بعض المؤرخين والعلماء إلى مساهمات ومنهجية ابن خرداذبة ، حيث:

  • قال أبو الحسن المسعودي (896-957 م) في “مروج الذهب” :”..ابن خرداذبة في كتابه المعروف “المسالك والممالك” وهو أهم هذه الكتب شهرة في خواصِّ الناس وعَوَامِهِم في وقتنا هذا”.
  • قال عنه المستشرق دي غويه: لقي “المسالك والممالك” عناية كبيرة من قبل المستشرقين، وقد استفادت الدراسة من هذا الكتاب عند الحديث عن الجانب الجغرافي لهذه البلاد، وكذلك في معرفة ألقاب الملوك..”.
  • قال عنه الدكتور علي الدفاع: ” لقد كانَ لأعمال ابن خرداذبة في علم الجغرافيا الأثر العظيم في تقدُّم هذا الموضوع، حيث أنَّ أسلوبهُ العلمي يُخاطِب المتخصِّصين، وذلك ناتجٌ عن بحثه وتنقيبه واستقصائه للحقائق العلمية الجغرافية والتاريخية التي ورثها من العُلَماء الأوائل .. حيث توصَّلَ إلى نتائج وأفكار رائعة في ميدان الجغرافية لم يسبقه إليها أحد، لذا حاز على رضاء وتبجيل ليس فقط معاصريه، ولكن جميع علماء الجغرافيا في المعمورة، لأنَّ كتابه المسالك والممالك بقي المرجع الوحيد لطلاب العلم ردْحَاً من الزَّمَن”.
ابن خرداذبة تحدث مبكراً عن كروية الأرض .

المسالك والممالك :-

أقدم ابن خرداذبة –الذي لم يُحدَّد موضع وفاته سنة 912م- على تأليف كتابه “المسالك والممالك” في العصر العباسي وذلك سنة 850 م، ثم قام بتحديثه وتنقيحه سنة 886 م، على ما ذكر المستشرق والباحث دي غويه.

وقد جمع محتوى كتابه من الوثائق الرسمية وذلك بفضل قربه من صانعي القرار وعمله في ديوان البريد، وقد عُدَّ كتابه مرجعاً أساسياً لمن تبعه من الباحثين في الطوبوغرافيا التاريخية.

ويعتبر الكتاب بمثابة موسوعة موثَّقة في المضمار الجغرافي، حيث قدَّم فيه معلومات شافية ووافية عن الإمبراطورية العباسية التي وصلت إلى حدود الصين شرقاً وبمحاذاة الأندلس غرباً.

كتب ابن خرداذبة :-

ترك ابن خرداذبة وراءه عدداً من المؤلفات غالبيتها لم يصل إلينا، وذلك بفعل عامل الزمن، أو نتيجة الدمار الهائل الذي أحدثه المغول في مكتبة بيت الحكمة وذلك عند اجتياحهم مدينة بغداد سنة 1258 م( 656 هـ)، ومن بين هذه المؤلفات:

  • كتاب الملاهي والأسمار.
  • كتاب أدب السَّماع، وفيه تدوينٌ لتجربته المديدة التي حازها بفضل مجالسته الخليفة المعتمد وكبار الشخصيات المحيطة به.
  • كتاب جمهرة أنساب الفُرس، والذي وضعه ضمن تبويب منظَّم.
  • كتاب في الموسيقى.
  • كتاب في أنواع الطبيخ.
  • كتاب في أصناف الشراب.
  • كتاب عن الأنواء، حيث كان المسلمون يعتنون  بالأنواء والأزمنة، كما فعل النحوي ابن الأعرابي والمنجِّم أبو معشر البلخي وعالم النبات أبو حنيفة الدينوري.

تعرف أكثر هنا على  يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

المصادر:-

  • دراسات تحليلية في مصادر التراث العربي، أنور الزناتي.
  • رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية، علي الدفاع.
  • الأنواء والأزمنة ومعرفة أعيان الكواكب في النجوم، عبد الله الثقفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى