أعلامانفوجرافيكس

ابن خالويه .. النحوي البارع

له مع أبي الطيب المتنبي مجالس ومناظرات ومباحث عند سيف الدولة

اسمه ونشأته:

الحسين بن أحمد بن خَالَوَيْه، أو ابن خالويه هو أبو عبد الله النحوي اللغوي، من كبار أهل النحو واللغة والعربية، أصله من همذان، وهو من علماء العربية في القرن الهجري الرابع.

ابن خالويهتحصيله ومكانته العلمية:

دخل بغداد طالباً للعلم سنة 314هـ، وأدرك مجموعة من العلماء بها، فقرأ القرآن على الإمام ابن مجاهد، والنحو والأدب على أبي بكر ابن دريد وأبي بكر ابن الأنباري و نِفْطَوَيْه ، وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد، وسمع من محمد بن مخلد العطار وغيره، وقرأ على أبي سعيد السيرافي، وأخذ عنه المعافى بن زكريا النهرواني وآخرون.

نفطويه هو إبراهيم بن محمد بن عرفة، وُلد بالعراق سنة 244هـ، لُقب نفطويه لأنه كان دميم الخِلقة؛ تشبيهاً بالنفط، وزيد مقطع وَيه نسبة إلى سِيبويه؛ لاتباعه منهجه
نفطويه هو إبراهيم بن محمد بن عرفة، وُلد بالعراق سنة 244هـ، لُقب نفطويه لأنه كان دميم الخِلقة؛ تشبيهاً بالنفط، وزيد مقطع وَيه نسبة إلى سِيبويه؛ لاتباعه منهجه

وانتقل إلى الشام، ثم إلى حلب فاستوطنها، ونفق بها سوقه، وتقدم في العلوم حتى كان أحد أفراد عصره في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت الرحلة إليه من الآفاق، واختصَّ بسيف الدولة بن حمدان فحظي لديه، وأكرمه، وأنفق عليه، وأفضل عليه أفضالاً، وعهد إليه سيف الدولة بتأديب أولاده، وقرأ عليه آل حمدان، وكانوا يجلونه ويكرمونه، فانتشر علمه وفضله وذاع صيته.

أساتذة ابن خالويه:-

  • تلقى قراءة القرآن الكريم من ابن مجاهد، أبي بكر أحمد بن موسى، آخر من انتهت إليه رئاسة علوم القرآن ببغداد.
  • تلقى من ابن مجاهد أيضاً، قراءات عاصم ونافع وحمزة وغيرهم من مشاهير القُرَّاء.
  • أخذ اللغة عن ابن دريد الذي انتهى إليه العلم باللغة فُصحها ونوادرها، كما أخذ عنه النحو والأدب.
  • أخذ عن أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري أيضاً ما أخذه عن ابن دريد، وابن الأنباري من أئمة اللغة والأدب، حتى قيل إنه كان يحفظ ثلاثمئة ألف شاهد في القرآن الكريم.
  • أخذ النحو من نفطويه ، إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، أحد أقطاب علم النحو، والعلم الشامخ في اللغة والحديث والتاريخ.
  • أخذ عن أبي عمر الزاهد: وهو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم اللغوي، والذي كان من أكابر أهل اللغة، وأحفظهم لها، وقد أخذ عن أبي العباس ثعلب، وكان يُعرف بغلام ثعلب.
  • سعى ابن خالويه إلى أبي سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي، والذي كان من ألمع نجوم عصره، فجلس في حلقته، وتأثر به تأثراً كبيراً ظهر في منهجه اللغوي والنحوي، وقد اعتبر الأستاذ أحمد أمين أن السيرافي كان “زعيم المحافظين في عصره”، إذ كان يرى أن اللغة مرجعها الرواية والنقل لا القياس والعقل.

مجالساته ومناظراته مع المتنبي:

لابن خالويه مع أبي الطيب المتنبي مجالس ومناظرات ومباحث عند سيف الدولة؛ من ذلك أن المتنبي حضر مجلس أبي علي الحسن بن نصر البازيار وزير سيف الدولة، وهناك ابن خَالَوَيْه، فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس، فقال ابن خَالَوَيْه: أشجع أشعر إذ قال في هارون الرشيد:

وعلى عـدوّك يا ابن عــمّ محمـد .. رصـدان ضوء الصبح والإظلام

فـــــإذا تنبّــه رعتــــه وإذا غفـــــــا .. سلَّـــت عليه سيوفك الأحلام

فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن من هذا، قوله في آل برمك:

لـم يظلـم الدهـــــر إذ تـــوالــت .. فيهـــم مصيباته دراكا

كـــانوا يجيــرون مـن يعــــــادي .. منـــه فعاداهم لذاكــا

ثم قال المتنبي: أبو نواس أشهر في الدنيا من الدنيا:

قــــل للذي قــــــاس به غيـــــره .. أقســـت يسراك إلى اليمنى

فـــــابـك علــى عقلك مــن نقصــه .. بكــــــاء قيس من هوى لبنى

أشعار أبو الطيب المتنبي تحظى بشعبية كبيرة إلى يومنا هذا
أشعار أبو الطيب المتنبي تحظى بشعبية هائلة إلى يومنا هذا

أسباب مناظرته للمتنبي:-

يقول أحمد عبد الغفور عطَّار مُحقِّق كتاب ” ليسَ في كلام العرب” خلال مقدمته للأخير: إن المناظرات والمنافرات التي جرت بين المتنبي وابن خالويه، تنم عن تجني الثاني على الأول، إذ حَسَد المتنبي وحرص على الغضِّ منه والإزراء به، والنمِّ عليه، بغية تنزيل مكانته وحظوته التي نالها لدى سيف الدولة.

ويضيف عطَّار إن ذلك الأمر يعتبر خُلُقاً مذموماً من ابن خالويه، يُلام عليه، ذلك أن أبا الطيب أكثر علماً بالعربية نفسها من ابن خالويه الذي برَّز فيها، فالمتنبي ذوَّاقة وصاحب سليقة عربية أصيلة، شديدة التكبُّر، كثير الإدلالة حتى على سيف الدولة الحمداني نفسه.

إما ابن خالويه؛ فلم يكن مثل المتنبي في عروبته وعلمه وشعره وقوته وخلائقه، فامتلأت نفسه حنقاً وضيقتً وغيظاً وحقداً على شاعر العروبة المُجلى، وما جرى بينهما من خصومة؛ يدل على هوى ابن خالويه.

المتنبي .. الشاعر الفذ.

فقد اشتد غيظ ابن خالويه على شاعر العربية الأول، فهو قد رأى كبرياء المتنبي، ونيله جوائز سيف الدولة الحمداني، وإدلاله على سيده، واعتزازه بشخصه وتفوق شعره، لذا؛ فقد كان الأول يبالغ في التهجم على أبي الطيب والإزراء به والتحرُّش به.

وفي مقابل ذلك؛ أنِفَ المتنبي وترفَّع عن الخوض والتورط مع ابن خالويه، إباءً وزهداً وليس خوفاً منه، لذا فلم تكن هذه خصومة شريفة قائمة على مبدأ أو عقيدة أو رأي، إنما كان باعثها الحقد والحسد من شخصية لم ترتق لمستواها أي قامة شعرية أخرى تتفوق بمراحل على ابن خالويه.

وهناك تفسير آخر لحالة ابن خالويه النفسية، وهي أنه عاش حياة ضنكاً، فقد كان يلهث وراء المال ليسُدَّ العَوَز، ويُبعد الفاقة، ويدلُّ على ذلك قوله لسيف الدولة حينما سأل جماعة في مجلسه؛ هل تعرفون اسماً ممدوداً، وجمعه مقصور؟ فقالوا: لا. فقال ابن خالويه: “أنا أعرف اسمين لا أقولهما إلَّا بألف درهم لئلا يؤخذا بلا شُكر”.

شعر ابن خالويه:

ابن خالويه صاحب شعر حسن، فمنه قوله:

إذا لم يكـن صدر المجــالس سيد .. فــلا خير فيمن صدَّرته المجالس

وكـم قـــائل: ما لــي رأيتـك راجـلاً .. فقلت له: من أجل أنك فارس

ابن خالويهنوادره ولطائفه:

قال ابن خالويه : “دخلت يوماً على سيف الدولة بن حمدان، فلما مثلت بين يديه قال لي: اقعد، ولم يقل اجلس، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب، واطلاعه على أسرار كلام العرب”، وإنما قال ابن خالويه هذا؛ لأن المختار عند أهل الأدب أن يقال للقائم: اقعد، وللنائم أو الساجد: اجلس.

وروي أنَّ رجلاً جاء إلى ابن خَالَوَيْه وقال له: أريد أن أتعلَّم من العربية ما أقيم به لساني، فقال: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو فما تعلمت ما أقيم به لساني.

وذكر ابن خالويه في «أماليه» أن سيف الدولة سأل جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة: هل تعرفون اسماً ممدوداً وجمعه مقصور؟ فقالوا لا، فقال لي: ما تقول أنت؟ قلت: أنا أعرف اسمين، قال: ما هما؟ قلت: لا أقول لك إلا بألف درهم؛ لئلا تؤخذ بلا شكر، وهما: صحراء وصحارى، وعذراء وعذارى.

أقوال العلماء فيه:

قال أبو عمرو الداني في «طبقات القراء»: “كان ابن خالويه عالماً بالعربية، حافظاً للغة، بصيراً بالقراءة، ثقةً مشهوراً”.

ومدحه أحدهم فقال:

إن غـــابَ عنَّــــا شخـــص سيبويــه .. وثعلـب أو فـاد نِفْطَوَيْه

فنحـن نغنــى بابن خَـــالَــــوَيْـه .. زمَــــــام هذا الأمر في يديه

ومرجـــــع الحكــــــــم بنا إليــــه .. أُثْنِــــــي بمـا أعلمه عليه

سيبويه.. علامة فارقة في تاريخ اللغة العربية

كتبه ومصنفاته:

  1. ليس في كلام العرب: مبنى الكتاب من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا وليس كذا.
  2. إعراب ثلاثين سورة من القرآن العزيز.
  3. الحجة في القراءات السبع.
  4. الآل: ذكر في أوله أن الآل ينقسم إلى خمسة وعشرين قسماً، وما أقصر فيه، وذكر فيه الأئمة الاثني عشر وتواريخ مواليدهم ووفياتهم وأمهاتهم، والذي دعاه إلى ذكرهم أنه قال في جملة أقسام الآل: “وآل محمد بنو هاشم”.
  5. الاشتقاق.
  6. الجمل: كتاب في النحو.
  7. المقصور والممدود.
  8. المذكر والمؤنث.
  9. الألفات.
  10. شرح المقصورة لابن دريد.
  11. الأسد.

وفاته:

توفي ابن خالويه بحلب سنة 370هـ.

الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها
الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها

المصادر:-

  • ليس في كلام العرب، ابن خالويه، تحقيق أحمد عبد الغفور عطَّار، مكة المكرمة.
  • الحجة في القراءات السبع لابن خالويه، تحقيق الدكتور عبد العال سالم مكرم، الكويت.
  • الأعلام (2/231).
  • معجم الأدباء (3/1030).
  • وفيات الأعيان (2/178).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى