أعلام

ابن حيوس .. شاعر أهل الشام في عصره

ورث الثراء عن آبائه، والعلم عن جده لأمه وأخواله

ابن حيوس:-

محمد بن سلطان بن محمد بن حَيُّوس بن محمد المرتضى، أبو الفتيان الغَنَوي، الملقب مصطفى الدولة، شاعر أهل الشام في عصره، كان يدعى بالأمير؛ لأنَّ أباه كان من أمراء العرب، وقد ورث الثراء عن آبائه، والعلم عن جده لأمه وأخواله، وُلِدَ ابن حيوس في دمشق يوم السبت، في شهر صفر، سنة 394هـ.

ولد الشاعر ابن حيوس في مدينة دمشق عام 394هـ
ولد الشاعر ابن حيوس في مدينة دمشق عام 394هـ

مكانته الشعرية:-

 يعتبر ابن حَيُّوس أحد الشعراء الشاميين المحسنين ومن فحولهم المجيدين، له ديوان شعر كبير، وهو شيخ أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الشاعر المشهور.

روى عن: خاله أبي نصر الجندي، وعبد الرحمن بن أبي نصر، وروى عنه: أبو محمد بن السمرقندي، والقاضي يحيى بن علي القرشي.

أكثر أبو الفتيان الغنوي من مدح أَنْوشتِكين الدِّزْبَرِي من وزراء الفاطميين، وله فيه 40 قصيدة، ولما اختل أمر الفاطميين وعمت الفتن بلاد الشام، ضاعت أمواله ورقت حاله، فرحل ابن حيوس إلى حلب، وذلك في شهر شوال، سنة 464هـ، ولقي جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعاً إلى بني مِرْدَاس أصحاب حلب، وله فيهم القصائد الأنيقة.

قلعة حلب عام 1898 م
قلعة حلب عام 1898 م

شعر ابن حيوس:-

لابن حَيُّوس ديوان شعر، يتصف شعره بالقوة، ويُكْثِرُ فيه من التصوير والتشبيه، أضفى عليه جمالاً بما كان يستخدمه من محسناتٍ بديعيةٍ، ولم يكن ينشر شعره إلا بعد مراجعته وتهذيبه؛ حتى يصل به إلى أرقى المعاني وأسمى الألفاظ.

ومن محاسن شعره القصيدة اللامية التي مدح بها أبا الفضائل سابق بن محمود بن شيل الدولة، ومن مديحها قوله:

طالَما قُلـــتُ لِلمُسائِلِ عَنكُــــم.. وَاِعتِمادي هِـــــــدايَةُ الضُّــــلَّالِ

إِن تُرِد عِلمَ حالِـهِم عَن يَقــــينٍ.. فَاِلقَهمُ في مَكــــــارِمٍ أَو قِتــــالِ

تَلقَ بيضَ الأَعراضِ سودَ مُثارِ النَّـ.. ـقْعِ خُضرَ الأَكنافِ حُمرَ النِّصالِ

وكان أبو الفتيان الغنوي قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مِرْداس، فبنى داراً بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره:

دارٌ بَنَــينـــــاهــا وَعِشــنـــا بِـهـــــا .. فـــي دَعَــــةٍ مِن آلِ مِرداسِ

قَـــومٌ مَحَــــوا بُؤسِي وَلَم يَترُكُـــوا.. عَلَـــيَّ في الأَيّــــامِ مِن باسِ

قُـــل لِبَني الدُّنيــــا أَلا هَــكَــــذا.. فَلــيَفعَـلِ النَّاسُ مَعَ النَّاسِ

ومن غرر قصائده السائرة قوله:

هُوَ ذاكَ رَبــعُ المـالِكِيَّــــةِ فَاِربَـعِ.. وَاِســـأَل مَصيفاً عافِياً عَن مَربَــعِ

وَاِستَسقِ لِلدِمَنِ الخَــــوالي بِالحِمى.. غُــرَّ السَحائِبِ وَاِعتَذِر عَن أَدمُعي

فَلَقَـد فَنيــــنَ أَمــــامَ دانٍ هــاجِــــرٍ.. فـي قُربِــهِ وَوَراءَ نـاءٍ مُزمِــعِ

رُدّي لَنـــا زَمَــنَ الكَـــــثيبِ فَـــإِنَّـهُ.. زَمَـــنٌ مَتى يَرجِع وَفــاؤُكِ يَرجِــع

لَــو كُنتِ عــالِمَــةً بِـأَدنى لَــوعَتـي.. لَــرَدَدتِ أَقصى نَيـلِكِ المُستَرجِــعِ

وقال متغزِّلَاً بمدينة حلب:

يا صاحبيَّ إذا أعيَــــاكُـــمَـا سَقَمِــــي .. فَلَقيـــاني نسيمَ الرِّيــحِ مِـنْ حَلَـبِ

مِـنَ البِـلَادِ التي كَــانَ الصِّــــبَا سَـكَـنَاً .. فيهَــا وكَانَ الهوى العُذْرِيِّ مِـنْ أرَبي

نوادره:-

له قصة مشهورة مع الأمير جلال الدولة وصمامها أبي المظفر نصر بن محمود بن شبل الدولة نصر صالح بن مِرْداس الكلابي صاحب حلب، فإنه كان قد مدح أباه محمود بن نصر فأجازه ألف دينار، فلما مات وقام مقامه ولده نصر قصده ابن حيوس المذكور بقصيدته الرائية يمدحه بها ويعزيه عن أبيه، فقال له:

كَفى الدينَ عِزّاً ما قَضاهُ لَكَ الدَهرُ.. فَمَن كانَ ذا نَذرٍ فَقَد وَجَبَ النَذرُ

لَقَد ظَلَّلَـت هَــذي البِــلادُ سَحابَـةٌ.. بَوارِقُهـــا بِشــرٌ وَإيماضُـــها تِبـرُ

إِذا ما غَمــامٌ خَـصَّ أَرضـــاً بِغَيثِـهِ.. هَمــى هاطِلاً في كُلِّ قُطرٍ لَها قَطرُ

ثَمانِيَــةٌ لَـم تَفـتَــرِق مُذ جَمَـعتَهـــا.. فَــلا اِفتَرَقَت ما ذَبَّ عَن ناظِرٍ شُفرُ

يَقينُكَ وَالتَقوى وَجودُكَ وَالغِنى.. وَلَفظُكَ وَالمَعنى وَعَزمُكَ وَالنَصرُ

صَبَرنا عَلى حُكمِ الزَمانِ الَّذي سَطا.. عَلى أَنَّهُ لَولاكَ لَم يُمكِنِ الصَبـرُ

غَـزانا بِبُـؤسى لا يُماثِلُهـــا الأَسـى.. تُقــارِنُ نُعمـى لا يَقومُ بِها شُكـرُ

وَجادَ اِبنُ نَصـرٍ لي بِأَلـــفٍ تَصَــرَّمَـت.. وَإِنّــي عَليـمٌ أَن سَيَخلِفُها نَصـرُ

لَقَد كُـنتَ مَأمــوراً تُرَجّى لِمِثلِهــــا.. فَكَيــفَ وَطَوعا أَمرِكَ النَفعُ وَالضَـرُّ

وَعِنـدَكَ لا أَبغـي بِقَولــي تَصَنُّعــاً.. بِأَيسَــرِ ما تولـيهِ يُستَعبَدُ الحُـــرُّ

ولما فرغ ابن حيوس من إنشادها قال الأمير نصر: والله لو قال عوض قوله: سيَخْلِفُهَا نَصْرُ: سيضعفها نصر، لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينارٍ في طبق فضة.

الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها
الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن مَاكُوْلا: “لم أدرك بالشام أشعر منه”.
  • قال الذهبي: “نظمه فائق رائق”.
  • قال الصفدي: ” كان أوحد زمانه في الفرايض، واستُخْلِفَ من قُبَيل الحُكَّام على الفرايض والتزويجات”.
  • قال شوقي ضيف: “أشعار ابن حَيُّوس تمتاز بالقوة والصلابة والجزالة والنصاعة، ويستخدم فيها أحياناً المحسنات البديعية دون إسرافٍ أو إفراطٍ”.

وفاته:-

توفي الشاعر الدمشقي ابن حيوس في حلب، في شهر شعبان، سنة 473هـ، وقد عاش ما يقارب 80 سنة.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

المصادر:

  • الأعلام (6/147).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (6/192).
  • سير أعلام النبلاء (18/413/رقم 209).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (5/284).
  • العبر في خبر من غبر (2/332).
  • المحمدون من الشعراء (363/رقم 325).
  • معجم الشعراء العرب (135).
  • الوافي بالوفيات (3/99).
  • وفيات الأعيان (4/438/رقم 673).
  • https://cdn.loc.gov/service/pnp/ppmsca/04300/04347v.jpg

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى