أعلام

ابن حمديس الصقلي …شاعر الغربة الدائمة

ابن حمديس الصقلي ؛ الشاعر الذي تلقّفته أيادي الغربة القاسية، من بلدٍ إلى بلد، فلم تقرّ عينه يومًا، ولم ينطفئ شوقه أبدًا، إلى صقلية موطنه الأصلي، فطالت غربته واستطالت، حتى قضتْ عليه المقادير أن تُوافيه المنيَّة في غير أرضه، ولم يرو يومًا ظمأ الحنين الذي أرّق ليله، وعكّر صفو عيشه.

من هو ابن حمديس الصقلي ؟

ابن حمديس الصقلي  هو أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن حمديس الصقلّي الأزدي، شاعرٌ أندلسي من أصولٍ عربية، ينتمي إلى قبيلة الأزد، وُلد سنة 447هـ في مدينة سرقوسة بجزيرة صقلية، وشارك في كثير من الغزوات والمعارك أثناء حكم المسلمين فيها.

عانى ابن حمديس الصقلي في حياته من تجرّع مرار الغربة المتكرر، وقاسى مشاعر اللهفة والحنين إلى موطنه صقلية التي اضطر للرحيل عنها، فقد كانت تسري في شرايينه مسرى الدم، وتنبض بها روحه نبض القلب، فكانت غربته في الأندلس والمغرب كالمنفى الذي تحاوطه فيه الذكريات والعبَرات في كل وقت، ويتجلى ذلك في أشعاره؛ التي كشفت عما كان يقاسيه من آلام وأحزان وحنين لا ينطفئ إلى صقلية، وحسرة على وقوعها في أيدي النورمان.

نشأة ابن حمديس الصقلي :-

 نشأ ابن حمديس في كَنَف عائلة مُتدينة محافظة، فاستقى تعاليم الدين والإيمان والتقوى من أبيه وجدّه، وكان وثيق الاتصال بالثقافة الدينية والأدبية، فقد كان مُحبًّا للعلم والعلماء، مكبًّا على علوم اللغة، والنحو، والأدب، والتاريخ، وغيرها، مما أثقل موهبته الشعرية التي نمت بين جوانحه منذ صباه.

تنقل ابن حمديس الصقلي كثيراً في المغرب الإسلامي.

هجرته إلى الأندلس  :-

وقعت صقلية في أيدي النورمان؛ فاضطر ابن حمديس الصقلي لمغادرتها إلى الأندلس سنة 471ھ، وقد مثّلت الأندلس مرحلة فاصلة في حياته، كونها موطن الاغتراب الأول الذي عاناه، والتي كانت نفسه فيها توَّاقة إلى نسائم الشرق، وإلى موطنه صقلية، ولكن ليس ثَمَّ إلا الأنباء الأليمة التي تأتيه عنها، التي تُنبّئ باستمرار غربته، رغم أنه لاقى الكثير من الحفاوة والترحاب بالأندلس، إلا أن ذلك لم يرو ظمأه إلى موطنه الأصلي، فظلّت روحه مُنكسرة، فكان يقضي ساعات نهاره مُتصنّعًا التعايش في الغربة، حتى إذا ما جَنَّ الليل؛ حاوطته الهواجس، وانتابه الحنين، وجرى قلمه مسطّرًا قصائده الممزوجة بالألم والحسرة والشوق إلى موطنه، والباكية على غربته.

يقول في الشوق إلى موطنه، والتحذير من الغربة، التي مذاقها عنده كالسّم القاتل:

وللَّهِ أرضٌ إن عدمتمْ هواءَها .. فأهواؤكم في الأرض منثورةُ النّظمِ

وعــزّكُمُ يُفْضــي إلى الذلّ والنّــوَى .. من البينِ تَرْمي الشملَ منكم بما ترمي

فــإنّ بلادَ النـاسِ ليستْ بلادَكُـــمْ .. ولا جارُهَا والخِلمُ كالجارِ والخلمِ

أعَنْ أرضكمْ يغنيكمُ أرضُ غيركــم .. وكــم خالةٍ جَدّاءَ لم تُغْنِ عن أمِّ

أخِـلّــــي الذي وُدّي بـوُدّ وَصَلْتَـــهُ … لديَّ كمــا نِيطَ الوليّ إلى الوسمي

تَقَيّدْ مـن القطـر العــزيز بموطــنٍ .. وَمُـتْ عند رَبْعٍ من ربوعكَ أو رسمِ

وإيّاكَ يَومــًا أن تُجّــربَ غُرْبةً .. فلـن يستجيزَ العقلُ تجربةَ السّمِّ

اتصاله بالمعتمد بن عباد :-

وقد تقسّمت الأندلس بعد سقوط الدولة الأموية فيها إلى 22 دويلة يحكمها ملوك الطوائف، منها : غرناطة، وإشبيلية، وسرقسطة، وطليطلة، والبليار، والمرية، وغيرها، وكانت إشبيلية هي محطة الغربة الأولى التي استقلّها ابن حمديس الصقلي ، وكان يحكمها المعتمد بن عباد، الذي عُرف عنه حفاوته بالشعراء والأدباء، وحبه للشعر والعلم، فكان قصره دائمًا مكتظًّا بالشعراء، والأدباء، والعلماء، فاحتفى بقدوم ابن حمديس إلى إشبيلية، وأغدق عليه الأموال والعطايا، وكان من الشعراء المقرّبين إليه، وقد سُرَّ ابن حمديس بتلك الحفاوة، وكان لا يتوانى عن مدح ابن عباد والثناء عليه في أشعاره، والإشادة بجهادة في سبيل الله، فكان ذلك يشعره ببعض الاستقرار الذي افتقده بعد فراق صقلية.

ابن حمديس الصقلي مدح المعتمد بن عباد.

من غربةٍ إلى غربة :-

 لم يلبث أن يشعر ابن حمديس الصقلي ببعض الاستقرار في إشبيلية؛ حتى استولى عليها المرابطون، وأسروا المعتمد بن عباد ونفوه إلى المغرب، فظل المعتمد يرسل أشعاره ورسائله إلى ذويه في إشبيلية من منفاه، وكان ابن حمديس واحدًا منهم، وبعد فترة ضاقت الأرض بابن حمديس من جديد، واضطر إلى مغادرة إشبيلية، وارتحل إلى بلاد المغرب العربي، فتراكمت غربة فوق أختها، وتفاقم الحزن والتَّشتت والانكسار.

وقد اتصل بالمعتمد في منفاه هناك، ليدعمه في أزمته ومعاناته، كما كان المعتمد يفعل معه، وانطلق يمدحه بأشعاره، إكرامًا له، وردًّا لجميله، ووفاءًا لما كان بينهما من صداقة، وفيه يقول مادحًا:

أبادَ حيـاتـي الموتُ إن كنتُ ساليـا .. وأنتَ مقيمٌ في قيودكَ عانيا

وإنْ لمْ أُبارِ المُـزْنَ قطــراً بأدمــعٍ .. عليكَ فلا سُقّيتُ منها الغواديا

تعريتُ من قلبي الذي كان ضاحكًا .. فما ألْبَسُ الأجفْانَ إلا بواكيا

وما فَرحــي يْـومَ المَسَــرّةِ طائعــًا .. ولا حَزَني يْومَ المساءَةِ عاصيا

وهل أنا إلّا سـائلٌ عنك سـامـعٌ .. أحــاديثَ تَبْكي بالنّجيع المعاليا

قيودُكَ صيغتْ من حديدٍ ولم تكنْ .. لأهلِ الخطايا منك إلا أياديا

تعينك من غير اقتراحك نعمةٌ .. فتقطعُ بالإبراقِ فينا اللياليا

كشفتَ لها ساقــًا وكنتَ لكشفهــا .. تَحــزّ الهوادي أو تجزّ النواصيا

هجرته إلى إفريقية :-

خسر ابن حمديس الصقلي الكثير من ثروته أثناء ترحاله وغربته من الأندلس إلى المغرب، فهاجر إلى إفريقية سنة 484ھ، وفيها بدأ يجني المال من شقِّ قلمه، بما ينظمه من أشعار، وبما يمدح به الأمراء والوزراء، فمدح صاحبها يحيى بن تميم الصنهاجي، ثم ابنه عليًا، ثم ابنه الحسن، ثمّ مدح بني حماد في مدينة بجاية.

تعرف هنا على بجاية .. عاصمة الدولة الحمادية

فنونه الشعرية:-

تبايَنت فنون ابن حمديس الصقلي الشعرية، ما بين المدح، والرثاء، والغزل، والحكمة، وبالطبع أشعار الحنين إلى موطنه صقلية، والوصف، وقد قال ابن بسام في حقه: “هو شاعر ماهر؛ يقرطس أغراض المعاني البديعة، ويعبر عنها بالألفاظ النفيسة الرفيعة، ويتصرف في التشبيه المصيب، ويغوص في بحر الكلم على درِّ المعنى الغريب”.

ومن أشعاره البديعة في وصف نهر قوله:

وَمُطَّــرِدِ الأَجــزاءِ يَصقُــلُ مَتْنَــهُ .. صَبـا أَعْلَنَتْ لِلعَينِ ما في ضَميرهِ

جَريحٌ بِأَطرافِ الحَصى كُلَّما جَرى .. عَلَيها شَكا أَوجاعَهُ بِخَريرِهِ

كَـــأَنَّ حُبَابــاً ريـعَ تَحتَ حَبَابِــهِ .. فَأَقبَــلَ يُلْقي نَفسَهُ في غَديرِهِ

شَرِبنا على حافــاتِهِ دَوْرَ سَكــرَةٍ .. وأقْتَلُ سُكْرًا منه لَحْظُ مديرِهِ

كأَنَّ الدُّجـى خَــطُّ المَجَــرَّةِ بَينَنـا .. وَقَد كُلّلَتْ حافاتُهُ بِبُدورِهِ

وَقَد لاحَ نَجمُ الصُّبحِ حَتَّى كَأَنَّهُ .. مَطـرِقُ جَيشٍ مُؤذِنٌ بِأَميرِهِ

وفاته:-

توفي ابن حمديس الصقلي سنة 527هـ ( 1133 م) في جزيرة ميورقة، وقد بلغ عمره ثمانين عامًا، وقد ذهب بصره في أواخر عمره، ودفن بجوار قبر الشاعر ابن اللبانة.

المصادر:-

ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص212،213.
● خير الدين الزركلي، الأعلام، ج3، ص274.

اقرأ أيضاً: قصر الحمراء أشهر قصور الأندلس

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى