أعلام

ابن حزم الأندلسي .. الإمام الجسور البليغ

مرَّ بعدة محن في حياته كان لها أثر في نفسه فزعزعت استقراره

اسمه ونسبه وكنيته:

هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد، نسبة ليزيد بن أبي سفيان الأموي، وكنيته أبو محمد.

مولده:

ولد الإمام علي ابن حزم فجر من يوم الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان سنة (384هـ)، وذلك في مدينة قرطبة قلب الأندلس، في الجانب الشرقي من ربض منية المغيرة.

قرطبة الجميلة التي شهدت تفوق المسلمين الحضاري لعدة قرون

أسرته:

والده: هو أبو عمر أحمد بن سعيد ابن حزم بن غالب الأندلسي، كان من أهل العلم والأدب والبلاغة، معروفاً برجاحة عقله، وحسن تدبيره، قيل إنه توفي في حدود سنة (400هـ)، وقيل أيضاً (402هـ).

أخوه: ذكر أبو محمد ابن حزم أن له أخاً يدعى: بكر بن أحمد بن سعيد بن حزم، وذكر أنه مات في طاعون قرطبة سنة (401 هـ)، وهو حينها ابن 22 عامًا.

أبناء أعمامه: ذكرت بعض كتب التراجم اثنين من أبناء أعمام ابن حزم وهما: عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو المغيرة ابن حزم، الوزير الكاتب، كان صاحب علم وأدب، ولم أقف على تاريخ وفاته.

ومحمد بن يحيى بن حزم، أبو الوليد المغربي، أحد أعيان أهل الأدب، وكان من أبدع الناس شعراً في زمانه، توفي بعد سنة (500 هـ).

ابن حزم الأندلسي خاض في كثير من العلوم
ابن حزم خاض في كثير من العلوم

أبناؤه:

ذُكِر في كتب السير أن لابن حزم ثلاثة من الأبناء:

الأول: الفضل بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو رافع القرطبي، كان نبيهاً فاضلاً أديباً ذكياً يقظاً، وكتب بخطه علما كثيراً، وتوفي في الأندلس عام (479هـ) بمعركة الزلاقة.

الثاني: المصُعَب بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو سليمان القرطبي، ذكر أنه كان على سنن سلفه من طلب العلم وحمله

الثالث: يعقُوب بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، أبو أسامة، كان من أهل النباهة والاستقامة، وهو سليل بيت علم وجلالة، توفي سنة(503هـ).

محن الإمام ابن حزم:

مر الإمام ابن حزم رحمه الله بعدة محن في حياته كان لها أثر في نفسه فزعزعت استقراره وأدت إلى خروجه من منشأه الذي نشأ فيه ومنها:

أولاً: إجلاؤه عن قرطبة:

كان ذلك في عهد محمد بن هشام الملقب بالمهدي سنة (399هـ)، حيث أجلي هو وعائلته من الجانب الشرقي من قرطبة إلى دورها القديمة في الجانب الغربي منها. ولم تطل فترة استقراره حتى أجلي من منازلها سنة (404هـ)، في عهد هشام بن الحكم المؤيد، فغادر إلى المرية وسكن بها، وكله حزن وأسى على فراق تلك البقعة التي نشأ فيها، حتى أنه كان يصف قرطبة وأهلها وقصورها وصفاً عجيباً، ويذكر أيامه وأحباءه فيها.

ثانياً: إحراق كتبه:

ظل ابن حزم يرتحل في أرجاء الدولة التي انقسمت إلى دويلات بسبب كثرة الفتن، وفي عهد المعتضد ابن عباد؛ أُحرِقت كتب ابن حزم من قبل المعتضد، وكان سبب إحراقه للكتب هو: تأليب الفقهاء عليه، وتحريضهم الأمراء، وشكواهم من أنه يهاجم مالكًا والأئمة الأربعة، ولعل السبب في تهجمه على الإمام مالك بن أنس تحديدًا هو أن المالكية كانت هي المذهب السائد في الأندلس في ذلك الوقت.

المدرسة الفقهية المالكية سائدة منذ قرون في المغرب والأندلس (سابقاً)

يقول الإمام ابن حزم رحمه ﷲ:” إن مذهبين انتشرا بقوة السلطان، مذهب أبي حنيفة بالمشرق، ومذهب مالك في المغرب “.

أقوال العلماء في ابن حزم :-

عاب العلماء على ابن حزم تهجمه على مخالفيه في الرأي من الأئمة الأربعة وغيرهم، وقبيح شتمه لهم، وحدة لسانه بالوقيعة في العلماء، ونعته الأكابر بما يستحيي منه، ولهذا هجرت كتبه، في زمنه وأحرقت.

  • يقول ابن خلدون في هذا الصدد:” وتعرض (ابن حزم) للكثير من أئمة المسلمين، فنقم الناس ذلك عليه، وأوسعوا مذهبه استهجاناً وإنكارًا، وتلقوا كتبه بالإغفال والترك، حتى إنها يحظر بيعها بالأسواق وربما تمزق في بعض الأحيان”.
ابن خلدون
ابن خلدون .. رائد علم الاجتماع
  • بعد اطلاع الإمام الغزالي على كتاب ابن حزم في أسماء الله الحُسْنَى؛ قال عنه: “إنَّهُ يدلُّ على عِظَمِ حِفْظِه، وسيلانِ ذِهْنِه”.
  • قال عنه الذَّهبي: ” وقد اُمتُحِنَ هذا الرَّجُل وشُدِّدَ عليه، وشُرِّدَ عن وطنه، وجَرَتْ عليهِ أمورٌ لطولِ لسانِهِ، واستخفافهِ بالكِبار، ووقوعِهِ في أئمة الاجتهاد بأقبحِ عِبارة، وأفظِّ محاوَرة، وأمنَعِ رد”.
  • قال عنه ابن حيَّان: ” إنَّهُ يصكُّ معارضهِ صكَّ الجَنْدَل..أكثر معايبةِ عند المُنْصِف له جهلهُ بسياسَةِ العِلْم”.

ثالثاً: تعرضه للحبس في السجن:-

تعرض الإمام ابن حزم، للحبس في السجن مرتين: الأولى: لما كان في المرية (ألميريا حالياً)، وكان يحكمها خيران العامري، إذ أوشى إليه بعضهم أن ابن حزم يسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فسُجِن بضعة أشهر، ثم أُخرِج إلى حصن القصر نفيا، وبقي فيه بضعة أشهر.

الثانية: لما كان وزيرا للمستظهر عبد الرحمن بن هشام، وقد انتهت وزارته بالسجن سنة (416هـ).

نشأته وطلبه للعلم:

كان أول طلب أبي محمد ابن حزم للعلم وهو في صغره، علمًا أنه قد تربىّ في بيت عز وترف وجاه، فلم يشغله كل ذلك عن طلب العلم، وبمثل ذلك يفاخر ابن حزم، فإن العز والجاه والرئاسة صوارف عن طلب العلم، ومع توفر ذلكم العز والرئاسة لديه؛ إلا أنها لم تصرفه عن مقصده الأعظم، وهو علو القدر في الدنيا والآخرة.

فكان أول ما بدأ به ابن حزم الأندلسي من طلب العلم في صغره هو القرآن الكريم، ورواية الشعر، وتعلُّم الخط، كل ذلك على أيدي نساء في قصر أبيه من الجواري، والقريبات، كما حدث بذلك عن نفسه.

تعلم ابن حزم الأندلسي تلك العلوم وبرع فيها، وشُغِف بالأدب والشعر حتى أولِع بهما، فصار له نصيبٌ وافر من علم اللغة، وإقراض الشعر، وصناعة الخطابة، ثم تلا ذلك سماع ابن حزم للحديث قبل الأربعمائة، فروى عن بعض مشايخه موطأ مالك، والمدونة، وبعض المسانيد، وفي ذلك دليل على أنه كان مالكي المذهب أولًا، ثم تحول شافعيًا، وأقام عليه زمنًا، ثم تحول إلى مذهب أهل الظاهر، فأقبل على قراءة العلوم، وتقييد الآثار والسنن، ونافح عن مذهبه حتى لقي ﷲ ربه.

شيوخ الإمام ابن حزم:

درَس أبو محمد على جمٍّ غفير من علماء عصره، أخذ عنهم علم الحديث، ومعرفة الرجال، والفقه والأدب والمنطق، وقد حفِلت كتب التراجم والفهارس بذكر جمع من هؤلاء العلماء أشهرهم:

  1. الحسين بن علي الفارسي، وكنيته أبو علي، وكان بمثابة المؤدب لابن حزم، والقدوة الصالحة له في الدين والخلق والعلم، فأثر في شخص ابن حزم تأثيراً بالغاً، وكان سبباً في صَلاح حاله، واستقامته وعفته.
  2. أحمد بن محمد بن أحمد، كنيته أبو عمر، ويلقب بابن الجسور الأموي، كان أول شيوخ ابن حزم الذين سمع عنهم العلم، وكان خيراً فاضلاً، عالي الإسناد، وهو أحد أكبر مشايخ ابن حزم، توفي سنة (401هـ).
  3. يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود، كنيته أبو بكر القرطبي، ويلقب بابن وجه الجنة، كان ديناً، ثقة، التزم صنعة الخز، وقد عمَّر دهراً، توفي سنة (402 هـ).
ابن حزم الأندلسي

مصنفات الإمام ابن حزم:

اشتغل الإمام ابن حزم الأندلسي بالعلم وتفرغ له بعد نبذه للسياسة وزهده فيها، فأكب رحمه الله على التأليف، وتفنن في تصنيف مختلف العلوم، فلم تقف مصنفاته على علمٍ واحد، وإنما تعددت تصانيفه في علوم شتى حتى بلغت أربعمائة مجلداً في نحو ثمانين ألف ورقة.

وفاة الإمام ابن حزم:

توفي الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه ﷲ مُشرَّداً من قبل سلاطين زمانه في بلدة لبة، وكانت وفاته آخر النهار من يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر شعبان، عام (456هـ)، وكان عمره اثنان وسبعون سنة إلا شهراً.

وقد كان ابن حزم كثير الاعتداد بنفسه، لدرجة أنهُ نعَى نفسهُ قبل وفاته قائلاً:

كـــــأنَّكَ بالزُّوَّار لي قد تبــــادروا .. وقيــل لَهُم : أودى علي بن أحمد

فيا رب محزون هنـــاكَ وضـاحِـــكٍ .. وكَـــمْ أدمع تذرى وخذ مقدد

عفا الله عني يوم أرحــلُ ظــاعِنَـاً .. عَـن الأهلِ محمولاً إلى ضيقِ ملحَدي

وأتركُ مــــا قد كُنْتُ مرتبِطَـــــاً بـِـهِ .. وألقى الذي أُنسيت دهراً بمرصدِ

فَــوَا رَاحتي إن كـــــانَ زادي مُقـدَّمــــاً .. ويـا نَصَبي إن كنتُ لم أتزوَّدِ

وقال المنصور من الموحدين لدى وقوفهِ على قبره : “كُلُّ العُلَمَاء عيال على ابن حَزْم”.

كانَ عالمُ الأندلسِ الديني غَيْرَ مُدافِعٍ ابن حزْم؛ فقَد كانَ واسِعَ الاطلاع، قويُّ النَّفْسِ في الجَدَل، مُتَعَدِّد نواحِي النُّبوغ، ليِّناً، يُهاجِمُ من خالفهُ، حتَّى يُدْخِلْهُ في قُمْقُم.. يَظُنُّ من يقرأ لهُ عِلْمَاً أنَّهُ لا يُحْسِنُ غيرَ هذا العِلْم لمهارتهِ فيه، فإذا هوَ كذلِك يُحسِنُ كُلَّ علمٍ تقريباً، فهوَ نابغةٌ في الحَديث، وفي عِلْمِ الكَلَام، وفي التاريخ، وفي أُصُولِ الفِقْهِ، وفي الأدب.. وقد ألَّفَ في ذلكَ تأليفاتٍ كُلَّها قيِّمة، حتَّى في المنطِقْ والفلسفة، ولعلهُ تعلَّم الجَدَلَ أولَ أمرهُ، إذ نشأَ شافِعِيِّاً يُناضِلُ أهْلَ المَذَاهِبِ الأُخْرَى، وقد اُشتُهِرَ الشَّافعية بذلك، ثمَّ انتقلَ إلى مذهب الظَّاهِرِيَّة بتأثير أُستاذهِ الظاهري أبي الخيار..

— أحمد أمين، “ظُهر الإسلام”.

اقرأ ايضاً المغرب .. حيث مظاهر الصوفية تنتشر في كل الأرجاء

المصادر:-

  • الأنساب ، لعبد الكريم بن محمد السمعان.
  • سير أعلام النبلاء ، لشمس الدين محمد الذهبي.
  • الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل الصفدي.
  • البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ، لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي.
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ، لأحمد بن محمد التلمساني.
  • ظهر الإسلام، أحمد أمين.

https://muslimheritage.com/

https://i.redd.it/oapky9dkpll01.jpg

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى