انفوجرافيكسعلماء وفلاسفة

ابن جلجل .. الصيدلي والطبيب الشارح المتمكن

أبدى إهتماما كبيرا بالتأليف والترجمة والتعليق على كتَب القُدماء

من هو ابن جلجل ؟

هو عالم الطب والصيدلة، سليمان بن حسان، يقال له: ابن جلجل ، اهتم بدراسة الأعشاب والنبات، وكان بارعاً في تحضير الأدوية المُفردة والأدوية المركبة، فهو من العلماء الرواد في حقليّ الطب والصيدلة، وقد درسَ أصول الكتب في هذين الحقلين المترّجَم منها والمؤلَّف.

ولِد في مدينة طليطلة الأندُلسيّة (943 م)، وتلقى تعليمه في قرطبة التي توفي بها (994 م)، ودخل في خدمة الخليفة هشام بن الحكم (المؤيد بالله) ونال عنده كطبيب مكانة عظيمة.

جزء من منبر لمسجد في مدينة طليطلة يعود للقرن 11 م ويظهر فيه لفظ الجلالة – متحف الميتروبوليتان

 وقد ذكر بعض اللغويين أن اسم ابن جلجل اسم لاتيني أسباني لأحد أجداده بالرغم من أن اللفظ موجود في العربية وله معني محدد وهو الجرس.

ثقافته وتعليمه:-

سمع الحديث وهو ابن عشر سنين، تعلم الطب، وخدم به هشاماً المؤيد باللَّه، وكان طبيباً فاضلاً خبيراً بالمعالجات، جيد التصرف في صناعة الطب، وله بصيرة واعتناء بقوى الأدوية المفردة وقد فسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس، وأفصح عن مكنونها، وأوضح مستغلق مضمونها.

كان ابن جُلْجُل متعدد الثقافات، فلم يكتفِ بدارسة الحديث والطب فقط، بل واصل تحصيل المزيد من العلوم فأخذ العربية عن محمد بن يحيى الرَّبَاحِيِّ، وقرأ عليه كتابة سيبويه سنة 358هـ، وصَحِبَ أبا بكر بن القُوْطيَّة اللغوي والمؤرِّخ المعروف، وبذلك حصَّل علوم اللغة والطب والتاريخ.

ذاع صيت ابن جُلْجُل أيام المستنصر؛ حيث وصل إلى مرحلة النضج العلمي في استكمال أدوات علم الطب، حتى صار معروفاً لدى رجال القصر والبلاط الأموي بالأندلس، وبلغ من النبوغ درجة كبيرة، صار معها بصيراً بالمعالجات، إماماً في معرفة الأدوية المفردة، حتى أصبح الطبيب الخاص لهشام المؤيد.

إسهامات ابن جلجل في مجال الطب والصيدلة:

لقد أبدى إهتماما كبيرا بالتأليف والترجمة والتعليق على كتَب القُدماء، لذلك سنتطرق في قادم الفقرات الى بعض من أشهر كتب هذا الطبيب والصيدلي العظيم محاولين الكشف عن مدى شساعة معرفته وعظمة مداركه في هذا المجال، ولنتعرّف أكثر على الإضافات التي اسهم بها هذا النجم في فضاء العِلم العربي والإسلامي.

عناية ابن جلجل بـ”كتاب الحشائش” لديسقوریدس:-

اهتم ابن جلجل اهتماما خاصا بكتاب “الحشائش” لليوناني ديسقوریدس (توفي عام 90م)، الذي يعرف في المصادر العربية بعنوان “كتاب الحشائش والأدوية” أو “كتاب الخمس مقالات” أو “هيولى الطب“، فعمل على شرحه وتفسيره والتعليق عليه، فخصص لذلك مؤلفات عدة، نذكر منها مايلي:

اشتقاق الأدوية من الأعشاب - ابن جلجل
اشتقاق الأدوية من الأعشاب

وفي هذا الصدد؛ يقول الدكتور راغب السرجاني عن ابن جلجل : “أضاف عدة موضوعات على كتاب المادة الطبية لديسقوريدس، كان قد أغفلها العالم اليوناني الكبير، وبذلك أصبح الكتاب الجديد موسوعة علمية قيَّمة جداً، وقسَّم هذا المرجع الفريد إلى خمسة فصول، كل منها يتحدَّث عن نوع من أنواع النباتات، واستخدامات هذه الأنواع في الأدوية المختلفة”.

مؤلفات “كتاب الحشائش”:-

المؤلف الأول منها يعتبر دليلا لترجمة اصطفن وحنين بن إسحاق (شيخ الأطباء بالعراق) لهذا الكتاب، وهو المعروف بـ “تفسير أسماء الأدوية المفردة في كتاب ديمقريطس”، علماً أن كتاب ديسقوریدس يضم حوالي ستمائة عُشبة، وعددا من الأدوية المعدنية والزيوت ذات الفائدة الطبية.

وقد أضاف تلاميذ ديسقوريدس إلى كتاب الحشائش مقالتين خاصتين بالسُموم، ونسبوها إلى ديسقوريدس.

وقد شرح ابن جلجل الكتاب شرحاً جيداً في مؤلفه “تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس” فأصبح يعتبر مرجعاً أساسياً لكل من استعصى عليه فهم الكتاب الاصلي.

أما المؤلف الثاني؛ فهو بعنوان “ذكر الأدوية التي لم يذكرها ديسقوریدس في كتابه”.

 وقد عد في هذا الكتاب مجموعة من الأدوية المستخدمة في الطب والتي لم يتطرق لها دیسقوریدس في كتابه الحشائش، وبه دراسة مستفصاة عن تلك الأدوية وتاريخها وجذورها وأسمائها.

ثم المؤلف الثالث وهو “تفسير المقالات الخمس من کتاب ديسقوریدس” وقد وضع ابن جلجل في هذا الكتاب أسماء الحشائش والأدوية مقابلة بأسمائها البربرية واللاتينية المُستخدمة في المغرب والأندلس ليتعرف عليها الحكماء والدارسون من مختلف الخلفيات.

وقد اعتبر مؤرخو العلوم هذه الكتب الثلاثة ذات دور محوري، ويرجع ذلك إلى أمرين :

  1.  أنها  كانت من المصادر الأساسية الأولى في الصيدلة للعلماء التالين لابن جلجل.
  2.  المعلومات الدقيقة التي ذكرها ابن جلجل عن كتاب الحشائش وكيفية دخوله إلى الأندلس والتعرف عليه، وهي معلومات يسهب ابن جلجل في ذكرها.
العلماء المسلمون ساهموا بارتقاء علم الأدوية والعقاقير

حرص ابن جلجل على التمكن من كتاب ديسقوريدس:-

ويذكر لنا الطبيب والمؤرِّخ ابن أبي أصيبعة (1203-1270 م) في طبقات الأطباء؛ قصة اهتمام ابن جلجل بمؤلف ديسقوريدس، حيث نقل عن إبن جلجل، أنه قال: ” وكان ليَ في معرفة تصحيح هيولى الطب الذي هو أصل الأدوية المركبة، حرصٌ شديدٌ وبحثٌ عظيم، حتى وهبني الله من ذلك بفضله بقدر ما اطلع عليه من نینى، في إحياء ما خِفْت أن يُدرس، وتذهب منفعته لأبدان الناس، فاللهُ قد خلق الشفاء وبثه فيما ابتثه من الأرض واستقر عليها من الحيوان المشاء، والسابح في الماء والمنساب، وما يكون تحت الأرض في جوفها من المعدن، كل ذلك فيه شفاء ورحة ورفق”.

ابن أبي أصيبعة أثنى على ابن جلجل
ابن أبي أصيبعة أثنى على ابن جلجل

وقد كتب ابن جلجل مقالة استدراكٍ على الأدوية التي لم يذكرها ديسقوريدس فيما يستعمل في صناعة الطب ويُنتَفع به، وفيها يقول الأول: ” إن ديسقورديس أغفل ذلك، إمَّا لأنه لم يره، ولم يشاهده عياناً، وإمَّا لأن ذلك كان غير مستعملاً في دهره وأبناء جنسه”، ويستهل ابن جلجل مقالته في تناول بعض الأدوية الهندية ويتعرَّض لمزاجها وفعلها الدَّوائي، ورأي جالينوس فيها، وكمية الجرعة المطلوبة منها، وينهي مقالته في ذكره ما قصَّر عن ذكره ديسقوريدس في كتابه.

وصفاته الطبية :-

ابن جلجل تعمَّقَ في مجال توظيف النباتات والكائنات والمعادن وأصناف الحجارة وغيرها للأغراض الصحية وبغية استعمالها من قبل المرضى والمصابين في العلاجات والترياقات، ومن بين وصوفاته :

  • أذريون: هو نباتٌ يعلو ذراعاً ولهُ ورقٌ إلى الطُّول أقرب قدر إصبع إلى البياض، عليه زغب وزهر كالبابونج؛ منه ما نوَّاره أصفر، ومنه ما نوَّاره أحمر، يدور مع الشَّمس، وينضَمّ ورده بالليل، وإذا أمسكته المرأة الحامل بيديها مطبقة إحداهما على الأخرى نال الجنين ضررٌ عظيم، وإن أدامت إمساكهُ واشتمامهُ سقَطَت.
  • المسحقونيا (ماء الزُّجاج): هي الشَّحيرة، وهو خلطٌ يقوم مع الملح والآجر يعرفهُ أهلَ صنعة تخليص الذَّهَب وغيره، زعموا أن المسحقونيا حارٌ جلَّاء، وكذلك يقلع البياض من العين، ويُجفِّف الرُّطوبة، وقد ينفع من الحكَّة والجَرَب إذا طُليَ بهِ الجسم في الحمَّام.
  • جُلَّبان: وهو من القطاني المأكولة، وهو نباتٌ له قُضبان مرتفعة شاطَّة تنبسط على الأرض، ولهُ ورقٌ حوالي القُضبان إلى الطُّول محنيَّة على القضيب، وله تولد إلى الحُمرة تحفُّهُ مراود فيها حبٌّ مُدوَّر إلى البياض، وليس فيها بصحيح التَّدوير، حُلو يؤكلُ نيَّاً في الرَّبيع، ثُمَّ يجفّ فيُطبَخ، وهو حبّ كثير الرِّياح.
  • جوز جندم أو كندم (يُعرف بجوز الحمام، وهي تربة العسل عند أهل شرق الأندلس):  ويربو بها العسل حتى تصير الأوقية منه إذا رُبِّبَ رطلاً، وتُغْثي إذا شُرِبَت وحدها.
  • قُلْب: إنَّما سُمِّيَ بهذا الاسم وهو من أسماء الفِضَّة، لأنَّ لهُ بزراً أبيض صلباً يُشبه الفضَّة، ونبتُهُ كثيرٌ ببلاد الأندلس معروف؛ ولم أرَهُ بموضِعٍ مما سلكته من بلاد الشَّام، ورأيتهُ ببلاد بظاهر مدينة آمد قُبالة برج الزَّاوية المعروف ببرج الصَّالح عند الطَّاحُون التي هناك في فصل الخريف، ولا يتوهم أنَّهُ حب القلب، بل هُوَ غيره.
  • شاه سفَرْم: وهو المُسمَّى بالحبق الكرماني، ورقهُ دقيقٌ جداً كورق السَّذَّاب، عَطِر الرَّائحة، لهُ وشائع فرفيرية كوشايع الباذروج، ويبقى نُوَّاره في الصَّيف والشِّتاء.
  • بردي: هو الخوص، وهو نباتٌ ينبُتُ في الماء، وله ورقٌ كخوص النخل، وله ساقٌ طويلة خضراء إلى البياض، وعليه قيقلة كبيرة.
  • عَنْبَر: هو شيءٌ يخرج من قعر البحر، فيأكلهُ بعض دواب البحر لدُسومته فيقذفهُ كالخشَب والعِظام والحَجَارة الكِبار، دسِم حوار يطفو على الماء، فيدفعهُ الرِّيحُ إلى السَّاحل ويبقي طافياً، فيأخذهُ رجال السُّفُن، ومنهُ ما لونهُ إلى السَّواد، جافٌ قليلُ النَّداوة، عطِر الرَّائحة يقوِّي القلب والدِّماغ، نافعٌ من الفالِج واللقوة والبلغم الغليظ، وهو سيِّد الطِّيب واختباره بالنَّار.

كتاب ابن جلجل الشهير؛ طبقات الأطباء والحكماء:-

كان لابن جلجل أيضا -إلى جانب الترجمة والشرح والتاليف-، اهتماماً خاصَّاً بالتراجم، فألَّف كتاباً نال بعده شهرة عظيمة، إذ يعتبر من مصادر الكتب في تاريخ العلم العربي وهو مؤلف “طبقات الأطباء والحكماء”.

ويعد ابن جلجل أول أبناء الأندلس ممن كتبوا عن طبقات الأطباء، واعتمد في كتابه هذا على تراجم عربية لأصول لاتينية تاريخية، حيث استفاد من الترجمات لكتب الطب والفلسفة التي تمت في عصر الترجمة وازدهار العلم.

وكتاب طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل كما قال عنه القفطي : “هو تصنيف صغير في تاريخ الحكماء، لكنه في الحقيقة يفيد الباحثين في إلقاء بعض الضوء على الجوانب الهامة في أخبار الأطباء”.

المصادر:-

  • علي عبد الفتاح، أعلام المبدعين من علماء العرب والمسلمين، دار ابن حزم.
  • عامر النجار، في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، دار المعارف.
  • العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.
  • ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، دار مكتبة الحياة.
  • العامري، الإنجازات العلمية للأطباء في الأندلس وأثرها على التطور الحضاري في أوروبا.
  • راغب السرجاني، قصَّة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية.

https://pixabay.com/photos/essential-oils-flower-aromatherapy-3456303/

https://pixabay.com/photos/essential-oils-alternative-aroma-2536405/

https://pixabay.com/illustrations/upper-body-lung-copd-disease-944557/

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى