أعلام

ابن تيمية .. شيخ الإسلام ونادرة الزمان

إن ابن تيمية عالمٌ فَذٌّ لا يُشقُّ له غُبار، سار عِلمه مَسيرَ شمس النهار، واستطاع بأسنَّةِ أقلامه، وقوةِ بيانه، أن يَدُكَّ حُصون المُبتدعةِ والزَّنادقة، ويَشُنَّ على معسكراتهم هجماته الخَارقة، فكان له معهم صَوَلات وجَولات، أقام عليهم فيها الحُجَّةَ بالدلائلِ والبيِّنات، فرَغِمَت أنفُ أعداء الدِّين، وهَوَتْ مطامعُهم إلى أسفل سافلين، فسارت باسمه الرُّكبان، وتجاوز عِلمه وأَثَره حدود الزمان.

من هو العلَّامة ابن تيمية ؟

هو تَقِيُّ الدِّينِ أَحمَدُ بنُ عَبدِ الحَلِيمِ بنِ عبدِ السَّلامِ النُّمَيرِيُّ الحَرَّانِيُّ، وُلِد بحران سنة (661هـ/1263م)، كُنيته أبو العباس، ولقبه الذي اشتهر وعُرِف به هو ابن تيميَّة، وقِيل أن سبب هذا اللقب أن جدَّه ذهب للحج وكانت امرأته حاملًا، فنزل بمدينة بين المدينة وتبوك يُقال لها تيماء، فرأى طفلةً جميلةً خرجت من خباء، فاستبشر بولادة امرأته، فلما رجع إلى حرّان وجد زوجته قد ولدت له بنتًا، فحملها وقال:  يا تيمية! يا تيمية! فلُقِّبَ بذلك، وقِيل أن أمَّ جدَّه محمدًا كانت تُسمَّى تيمية، وكانت واعظةً، فنُسِب إليها، وعُرِف بها، وكان أبوه عبد الحليم ابن تيمية فقيهًا حنبليًّا تلقّى على يديه الفقه الحنبلي وأصوله، وأمه هي ستُّ النِّعم بنت عبد الرحمن الحرَّانية وكانت معروفة بالصَّلاح وحُسن الخُلُق، وكانت جنازتها مشهودة.

و ابن تيمية هو أحد أشهر علماء المسلمين الأجلاء، الذين جعلوا حياتهم رهنًا للعِلم والدين، فهو فقيه، ومُحدِّث، ومُفسِّر، وعالِم مجتهد من أبرز علماء أهل السُّنة والجماعة، عُرف بالتوسط والاعتدال في مسائل الشريعة الإسلامية، وكان حريصًا أشد الحِرص على اتباع خُطى وتعاليم القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وعُرِف بالتواضع والسّماحة حتى مع خصومه ومُخالفيه، اشتغل بعلوم الدين، وجعل حياته وَقْفًا لذلك، حتى إن أمر الزواج لم يكن ليشغله، فلم يتزوج لكثرة اشتغاله بالعِلم والعَمل والاجتهاد، وليس زهدًا في الزواج في حد ذاته.

مولده ابن تيمية و نشأته:-

وُلِد ابن تيمية يوم الاثنين، في العاشر من ربيع الأول بحران بالجزيرة الفراتية سنة 661ھ، وقدم مع أهله إلى دمشق في صِغَره بعدما أغار التتار على حران سنة 667ھ، وكان منذ صِباه شغوفًا بالعِلم وطَلَبه، ولامَسَت علوم الدين شَغاف قلبه، فلازم الجدّ والاجتهاد، واستطاع ختم القرآن في سنٍّ صغيرة، وداوم على مجالس الذِّكر والأحاديث واللغة العربية وعلومها، ولازم السَّماع لسنوات، وقد سَمِع وفَقِه دواوين علماء الإسلام الكبار؛ كمسند أحمد، وصحيح البخاري ومسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، وقَلَّ كتابٌ من فنون العلم إلا نما إليه عِلمه، وفَقِه ما بين دفَّتيه.

وقد بدأ ابن تيمية التأليف والتدريس في مُقتَبل عمره؛ وكان ذلك في سنِّ السابعة عشرة، فقد شرع في التدريس في دار الحديث السُّكَّرية بعد وفاة والده الذي كان يُدرِّس بها، كما كان يُدرِّس تفسير القرآن الكريم في الجامع الأموي، واشتغل أيضًا بالمدرسة الحنبلية بدمشق.

نبوغه وسرعة حفظه :-

عُرِف ابن تيمية واشتهر منذ صِغَره بسرعة حِفظه، وكثرة محفوظه، وكان يحفظ الكتاب من مجرد مُطالعته لمرة واحدة عن ظهر قلب، وينقل منه في مُصنفاته فلا يُخطئ في لفظٍ أو معنى، ومن عجائب ذلك ما ذكره تلميذه البزار قائلًا: “صنَّفَ شيخي في محنته الأولى بمصر عدة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء، وأسماء المحدثين والمؤلِّفين ومؤلَّفاتهم، وعزا كلَّ شيءٍ من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذُكِر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهةً من حفظه؛ لأنه لم يكن عنده حينئذٍ كتابٌ يُطالِعُه، واختبرتُ هذه الكتب، فلم يوجد فيها – بحمد الله – خللٌ ولا تغيُّر، ومن جملتها كتاب “الصَّارم المسلول على شاتم الرسول”.

شيوخه :-

ذُكِر أن ابن تيمية سمع من أكثر من مائتي شيخ، ومن أبرزهم:

● ابن عبد الدائم المقدسي.
● ابن أبي اليسر.
● شمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي.
● القاضي شمس الدين بن عطاء الحنفي.
● الشيخ جمال الدين بن الصيرفي.
● مجد الدين بن عساكر
● الشيخ جمال الدين البغدادي.
● النجيب بن المقداد.
● ابن أبي الخير.
● المسلم بن علان.
● ابن أبي بكر الهروي.
● الكمال عبد الرحيم.
● ابن دقيق العيد.
● ابن شيبان.
● الشرف بن القواس.

تلامذة ابن تيمية :-

تتلمذ على يد ابن تيمية أعلامٌ كُثُر، نهلوا من عِلمه وتقفّوا أثره، ومن أبرزهم:

● محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
● محمد بن مفلح الحنبلي.
● ابن كثير.
● عمر بن علي البزار.
● أحمد بن حسن بن قدامة.
● محمد بن شاكر الكتبي.
● سليمان الصرصري.
● عمر بن مظفر بن الوردي.
● محمد بن سيد الناس.
● يوسف بن عبد الرحمن القضاعي.
● ابن قيم الجوزية؛ وهو من أشهر تلامذته الذين ساروا على خطاه، وتقفوا آثاره حتى بعد مماته، وقد سُجن معه أكثر من مرة فلم يخشيا في الله لومة لائم، وظل ملازمًا له منذ قدومه من مصر إلى دمشق سنة 712ھ، حتى وفاة شيخ الإسلام سنة728ھ، وقد ذَكَر ابن القيم شيخه في نونيَّته الكافية الشافية الشهيرة، مبينًا فضله عليه في الهداية للعقيدة الصحيحة فقال:

يا قوم واللّٰه العظيمِ نصيحةٌ .. مِن مُشفق وأخٍ لكم مِعوانِ

جرَّبتُ هذا كلّه ووقعتُ في .. تلك الشِّباك وكنتُ ذا طيرانِ

حتى أتاحَ ليَ الإلهُ بفضله .. مَن ليس تَجزيه يَدي ولساني

حبرٌ أتى من أرضِ حرانَ فيا .. أهلًا بمَن قد جاء من حرانِ

فالله يجزيه الذي هو أهله .. من جنةِ المأوى مع الرّضوانِ

أخذتْ يداه يدي وسارَ فلم يَرمْ .. حتى أراني مَطلعَ الإيمانِ

ورأيتُ أعلامَ المدينةِ حولها .. نزلَ الهُدى وعساكر القرآنِ

ورأيتُ آثارًا عظيمًا شأنها .. محجوبة عن زُمرةِ العميانِ

مؤلفاته:-

ترك العلّامة ابن تيمية تراثًا موسوعيًّا هائلًا، وكَثُرت مصنفاته في الأصول والفروع، وشتى العلوم النَّقلية والعقلية، وقد كان من أعظم العلماء قيامًا على المُبتدعة من الروافض، والحلولية، والاتحادية، وغيرهم، وأمطرهم بوابلٍ من فتاويه ومؤلفاته، وقد قاربت مؤلفاته خمسمائة مجلد، ومنها:

● الاستقامة.
● الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
● التحفة العراقية في الأعمال القلبية.
● التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع.
● الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.
● الحسبة في الإسلام.
● الحسنة والسيئة.
● الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق.
● الرد على المنطقيين.
● الرد على من قال بفناء الجنة والنار.
● الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال.
● الرسالة العرشية.
● الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله.
● الزهد والورع والعبادة.
● الصارم المسلول على شاتم الرسول.
● الصفدية.
● العبودية.
● العقيدة الواسطية.
● الفتوى الحموية الكبرى.
● الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
● القصيدة التائية في القدر.
● القواعد النورانية الفقهية.
● المسائل والأجوبة.
● المنتخب من كتب شيخ الإسلام.
● النبوات.
● النصيرية طغاة سورية أو العلويون كما سماهم الفرنسيون.
● الواسطة بين الحق والخلق.
● أمراض القلب وشفاؤها.
● بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية.
● بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية.
● تحقيق القول في مسألة: عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله.
● جامع الرسائل لابن تيمية.
● جواب في الحلف بغير الله والصلاة إلى القبور ويليه فصل في الاستغاثة.
● حقوق آل البيت.
● درء تعارض العقل والنقل.
● دقائق التفسير.

أقوال العلماء فيه :-

  • قال عنه ابن كثير: “كان إمامًا في التفسير وما يتعلَّق به، عارفًا بالفقه واختلاف العلماء، والأصلين – القرآن والسنة – والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقليَّة والعقلية، وما تكلَّم معه فاضلٌ في فنٍّ من الفنون العلمية إلا ظَنَّ أن ذلك الفنَّ فنُّه، ورآه عارفًا به مُتْقِنًا له، وأما الحديث فكان حافِظًا له مَتْنًا وإسنادًا”.
ابن كثير أثنى على علم ومناقب ابن تيمية.
  • قال محمد بن عبد البر السبكي: “والله ما يبغض ابن تيمية إلا جاهلٌ أو صاحبُ هوًى؛ فالجاهلُ لا يدري ما يقول، وصاحبُ الهوى يصُدُّه هواه عن الحقِّ بعد معرفته به”.
  • وقال أبو الحجاج المزي: “ما رأيتُ مثل ابن تيمية، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيتُ أحدًا أعلمَ بكتاب الله وسُنَّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أتبع لهما منه”.
  • وقال ابن حجر العسقلاني: “وشهرة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باق إلى الآن على الألسنة الزكية، ويستمد ذلك غدًا كما كان بالأمس، ولا يُنكر ذلك إلا من جَهِل مقداره أو تجنب الإنصاف”.
  • وقال عمر بن علي البزار: “ما رأيتُ ولا سمِعْتُ بمثل تواضُع الشيخ تقي الدين في عصره؛ كان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والغني الصالح والفقير، وكان يُدني الفقيرَ الصالح ويُكرمُه، ويُؤنِسُه ويُباسِطُه بحديثه زيادة على مثله من الأغنياء”.
  • وقال أيضًا: “لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا دار واسعة جميلة، ولا بساتين، ولا شدَّ على دينار ولا درهم، ولا رغب في دوابَّ ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رُئي ساعيًا في تحصيل المباحات”.
  • وقال الإمام الذهبي: “شيخنا الإمام تقي الدين بن تيمية شيخ الإسلام، فرْد الزمان، بحر العلوم، تقي الدين، قرأ القرآن والفقه، وناظَرَ واستدلَّ، وهو دون البلوغ، برع في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين سنة، وصنَّف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه”.
  • وقال قاضي المالكية ابن مخلوف: “ما رأينا مثل ابن تيمية؛ حرَّضْنا عليه فلم نقدِرْ عليه، وقدر علينا فصفَحَ عنَّا، وحاجَجَ عنَّا”
  • وقال الإمام ابن القيم عن ابن تيمية : “ما رأيتُ ابن تيمية يدعو على أحدٍ من أعدائه قطُّ، وكان يدعو لهم”.

دور ابن تيمية البارز في معركة شقحب:-

شقحب هي موضع قُرب دمشق، والتي وقعت فيها المعركة الشهيرة بين المسلمين والتتار في رمضان سنة 702ھ، بعدما عاث التتار في الأرض فسادًا، لدرجة أن كان يهابهم الحكام والقادة والجنود، وكانوا يُسلِّمون المدينة أو الإمارة لهم ربما دون قتال بمجرد أن يعلموا بقدومهم، وذلك لشدة انتقامهم وفتكهم، وكان التتار حينها تحت قيادة قازان – حفيد هولاكو – والذي كان يطمع في الاستيلاء على الأراضي المقدسة، ليُسلمها لحلفائه الصليبيين، وكان يطمع في أن يحكم قبضته ويبسط نفوذه على الإمارات الإسلامية، خاصةً مع تَشرذُم حكامها وضعفهم.

وخرجت الحملة التترية على بلاد الإسلام، بقيادة قطلوشاه نائب قازان، الذي تحالف مع الصليبيين، فعاثوا فسادًا في إمارات بلاد الشام، وفتكوا بالنساء والضعفاء والأطفال، فارتعب الناس وفرُّا بأنفسهم وأموالهم إلى مصر والكرك، وتَعَالَت الأصوات المُثبِّطة بتسليم الأراضي إلى التتار وأن لا طاقة للمسلمين بالتصدي لهم.

فتجلَّى من بين الظلام واليأس الذي خيّم على المسلمين دور العالِم العامِل بشرع الله – عز وجل – والمُطبق لما أمر به من الجهاد في سبيل الحق، فانبرى ابن تيمية ذلك العالِم الرباني يهتف في الناس، ويَحث القادة والجنود على الثبات والدفاع عن الأرض والعِرض، ويتصل بالأمراء والقادة يُشعل في نفوسهم فتيل الحماسة والحِمية، ويزيح عن الناس غبار اليأس والخوف والتَّراخي، فتحالف الناس والأمراء والجنود على الثبات، والوقوف في وجه العدو الغاشم.

خلال اجتياح المغول لعاصمة الخلافة العباسية بغداد.

وقد كان التتار يدَّعون الإسلام، ليتوانى المسلمون عن مجابهتهم كونهم من أهل الإسلام، لكن أفعالهم وتقتيلهم وفتكهم بالناس من المسلمين وغيرهم، كانت فاضحةً لزعمهم الباطل، وادِّعائهم الكاذب أنهم من المسلمين، وقد فَطِن ابن تيمية لتلك النقطة، فكان يقول عن التتار وحلفائهم ليُنبِّه الناس: “هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم مُتلبِّسون به من المعاصى والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسى مصحف فاقتلوني”.

وقد طلب سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون منه أن ينضم إلى صفوفه في المعركة، لكنه أبى إلا أن يقاتل تحت راية قومه في جيش الشام، فأخذ يحرض السلطان على الجهاد والقتال، وكان يقول:  والله الذي لا إله إلا هو إنكم لمنصورون عليهم هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وأفتى بالفطر للمقاتلين، وأفطر هو أيضًا ليقتدوا به، وليتقوَّوا على القتال مستدلَّا بقوله – صلى الله عليه وسلم -: “إنكم مُلاقُوا العدوِّ غدًا، والفطر أقْوى لكم”، وبالفعل انتصر المسلمون على التتار في في تلك المعركة.

جسارة ابن تيمية أمام ملك التتار: –

ذهب ابن تيمية مع بعض القضاة والأعيان الذين ذهبوا لمقابلة ملك التتار محمود قازان، فلم يرتجف أمام سلطانه، ولم تتزلزل قدمه في بلاطه، بل واجهه قائلًا:  أنت تدَّعي أنك مسلم، وعلى ما بلغنا أن معك مُؤذِّنٌ، وقاضٍ، وإمامٌ، فعَلام غزوتنا واستبحتَ بلادنا؟ وأبوك وجدُّك هولاكو كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام؛ بل عاهَدا فوفَيَا، وأنت عاهدت فخُنتَ وغدَرْتَ، وقلتَ فما صدقتَ ولا وفيتَ، ثم قُرِّب إليهم طعامًا فأكلوا منه إلا هو، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكُلُ من طعامكم، وكلُّه ممَّا نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟ وذُكِر أن قازان طلب منه الدعاء، فقال : اللهم إن كان عبدُك محمود إنما يُقاتِل لتكونَ كلمتُكَ هي العليا، وليكون الدينُ كُلُّه لك، فانصُرْه، وأيِّدْهُ، ومَلِّكْهُ البلادَ والعبادَ، وإن كان إنما قام رياءً وسُمْعةً، وطَلبًا للدنيا، ولتكونَ كلمتُه هي العليا، وليذلَّ الإسلامَ وأهلَه، فاخذُلْه، وزَلْزِلْهُ، ودمِّرْه، واقطَعْ دابِرَهُ؛ وقازان يُؤمِّنُ على دُعائه، ويرفع يديه، فجعل الحضور يجمعون ثيابهم خَوْفًا من أن تتلوَّثَ بدمه إذا أمر السلطان بقتله.

فلما خرج الجَمع من عند السلطان؛ قال أصحاب ابن تيمية له: : كدت أن تُهلِكنا، وتُهلِك نفسَكَ، بجرأتك على السلطان، والله لا نصحبك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم، فتسامَعَتْ الأمراءُ بقدوم ابن تيمية، فأقبلوا لمقابلته وليتبرَّكُوا بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، فلم يكد يصل إلى مدينة الياسمين إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وأما الذين رفضوا صُحبته، وافترقوا عنه، فقد خرج عليهم جماعةٌ من التتار، واعترضوا طريقهم، وأخذوا منهم أموالهم وثيابهم.

دوره في إطلاق سراح أهل الذِّمة :-

فاوض ابن تيمية قازان ملك التتار على إطلاق الأسرى، فوافق قازان على إطلاق أسرى المسلمين، ولم يسمح بإطلاق سراح النصارى الذين أسرهم التتار من القدس، لكن ابن تيمية أبى إلا أن يأخد جميع الأسرى من النصارى وحتى اليهود، كونهم أهل ذمَّة للمسلمين، وقال في ذلك: لا نقبل إلا بإطلاق سراح جميع اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَّتنا؛ فإنا نفكُّهم، ولا ندع أسيرًا، لا من أهل الملَّة، ولا من أهل الذِّمَّة، وأطلقنا من النصارى مَنْ شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا، والجزاءُ على الله، وكذلك السَّبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحدٍ إحسانَنا ورحمتَنا ورأفتَنا بهم؛ كما أوصانا خاتمُ المرسلين؛ حيث قال – صلى الله عليه وسلم – في آخر حياته: ((الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ)) وقال الله – تعالى – في كتابه: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾[الإنسان: 8].

ويُبيّن موقف شيخ الإسلام المذكور، مدى حِرصه على غير المسلمين من أهل الذّمة، ومدى سماحته، ومجادلته عنهم وعن حقوقهم، وهذا الموقف – وغيره الكثير – يدحض المزاعم الباطلة التي يُلصقها أهل الباطل إلى يومنا هذا فيه، الذين يزعمون أنه يفتي بقتال غير المسلمين بلا جريرة، ويُلصقون تهم التطرف به، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، ولكنها سُنَّة أهل الباطل والمبغضون للدين إلى قيام الساعة؛ أن يحاولوا جاهدين طمس أثار أعلام الإسلام ورموزه، ولكن هيهات؛ فالحق ظاهر، والباطل زاهق.

مِحنٌ وابتلاءات في طريقه:-

كان ابن تيمية ولا زال شوكةً في حلق أعداء الإسلام، فكان من الطبيعي أن يعترض طريقه الكثير من المِحن، والكثير من الافتراءات التي تُلصَق به، وهو أمر قد اعتاد علي مواجهته علماء الأمة الصادقون، الذين لا يخشون في الله – عز وجل – لَومةَ لائم، وقد تقلّب ابن تيمية في وابلٍ من المحن طوال طريقه، وطاله الأذى بأنواعه؛ فتارةً يُمنع من الإفتاء وتدريس العلوم، وتارةً يُنفى، أو يُسجن، بل وصل الأمر بالحاقدين من أهل الباطل إلى تكفيره، ويتخلَّل كل ذلك الكثير من الدَّسائس والمؤامرات ضده، فما كان منه إلا أن يُردد قوله الخالد: “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حَبسي خُلوة، وقَتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”، وفيما يلي وقَفَات على بعض المحن التي اعترضَت طريق هذا العلّامة المجاهد:

في مؤامرة حِيكَت ضده في القاهرة سنة 705ھ؛ تم استدعاؤه إلى مصر من قِبَل السلطان بيبرس الجاشنكير، فتوجّه إليه فبلغَ القاهرة في رمضان، فإذا به بمَجلسٍ أُعدَّ خِصِّصًا له بالقلعة، وقد اجتمع أكابر الدولة والقُضاة، ومُنِع من الكلام في المجلس، وكان من ضمن الحاضرين قاضي المالكية ابن مخلوف المالكي، وهو من أشدّ خصوم ابن تيمية، وكذلك نصر المنبجي الصوفي الحلوليّ الاتحادي الضِّال المُبغِض لابن تيمية ومنهجه، فاتهموه في مسائل تتعلق بفتواه في مسائل العرش والكلام والنزول، وما إن بدأ شيخ الإسلام بالكلام حتي استوقفوه وقاطعوه، ولما رفض أن يَقضي ابن مخلوف في محاكمته كَونه خصمًا له، غضبَ ابن مخلوف غضبًا شديدًا، وأصدر حكمًا بالحبس عليه، فحُبس في سجن كان معروفًا باسم سجن الجبِّ، ولم يخرج منه إلا سنة 707ھ بشفاعة ملك العرب الأمير حسام الدين مهنا.

وفي محنته التالية؛ تم نفيه من القاهرة إلى الإسكندرية سنة 709ھ، حيث سُجِن فيها لمدة سبعة أشهر، وذلك بسبب بعض الشكاوي التي قُدِّمت ضده للقاضي، بأنه يتناول بعض أعلام الصوفيَّة القائلين بوحدة الوجود بالنقد مثل: ابن عربي، وابن سبعين، والحلاج، والقونوي.

وسُجِن ابن تيمية عدّة مراتٍ بدمشق؛ ومن أشهرها عندما سُجِن سنة 720ھ، بسبب فتواه الشهيرة بأن الطلاق ثلاثًا بلفظةٍ واحدةٍ يُعتبر طلقةً واحدةً، وأن الحَلِف بالطلاق يقع يمينًا إذا لم ينوِ به الطلاق، فثار عليه علماء المذاهب، واجتمعوا عليه لمناقشته ومناظرته، فاحتجّ عليه بالأدلّة، فأمر نائب السلطنة بسجنه في سجن القلعة بدمشق، ولم يخرج إلا سنة721ھ بأمر من السلطان.

وقد سجن بعد ذلك في دمشق أيضًا سنة 726ھ، بسبب فتواه في مسألة شد الرحال وإعمال المِطيِّ إلى قبور الأنبياء والصالحين، فحُرِّفت فتواه في هذه المسألة، وانتهى به الأمر  في سجن القلعة، ولم يخرج منه إلا وقد فاضَت فيه روحه الشريفة الطاهرة، إلى مثواه الأخير سنة 728ھ.

لكن ابن تيمية هذا العالِم الفذّ استطاع تجاوز كل هذه المحن، وثَبت على معتقداته وآرائه في سبيل الدين، يقول البزّار: “ولقد سُجن أزمانًا وأعصارًا وسنين وشهورًا، وَلم يولهم دُبُرَه فرارًا، ولقد قصد أعداؤه الفتك به مرارًا، وأوسعوا حيلهم عليه إعلانًا وإسرارًا؛ فجعل الله حِفْظَه منهم له شعارًا ودِثارًا، ولقد ظنُّوا أن في حبسه مشينة؛ فجعله الله له فضيلة وزينة، وظهر له يوم موته ما لو رآه وادُّه أقر به عَيْنَيْه، فإن الله تعالى لعلمه بقرب أجلَّه، ألبسه الفراغ عن الخلق للقدوم على الحق أجمل حُلَلِه؛ كونه حُبس على غير جريرة ولا جريمة، بل على قوة في الحق وعزيمة”.

وفاة ابن تيمية :-

تُوفِّي الإمام ابن تيمية ليلة الاثنين، في العشرين من ذي القعدة سنة 728ھ، في مَحبسه بقلعة دمشق، عن عمرٍ يناهز 67 سنةً، وكانت جنازته التي خرجت من جامع دمشق حاشدةً وشاهدةً على حُسن خاتمة رائد أئمة أهل السُّنة، فلم تعهد دمشق حينها مثل جنازته المشهودة، وشُيّع جثمانه فوق بحرٍ من دموع المُشيِّعين، الذين بلغ عددهم أكثر من خمسمائة ألف شخص، فازدحموا على أبواب المدينة، وتقدَّم أخوه عبد الرحمن في الصلاة عليه، ودُفِن إلى جانب أخيه عبد الله بمقابر الصوفيّة، وقد ذكر المُؤرخون أنه لم يُسمع بجنازة بمثل هذا الحشد الهائل إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل.  

شيخ الإسلام ابن تيمية توفي في دمشق.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

المصادر:-

● ابن كثير، البداية والنهاية، ج 14 ص 25،26،45،91،92،141،142.
● ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، ج8، ص150.
● ابن قيم الجوزية، الوابل الصيب، ص48.
● ابن ناصر الدين، الرد الوافر، ص24.
● البزار، الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، ص17،18،22،77،84.
● الذهبي، تاريخ الإسلام، ج13، ص723.
● مجموع فتاوى ابن تيمية، ج28، ص617،618.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى