أعلام

ابن تغري بردي .. أحد أقطاب المدرسة التاريخية في مصر

في فترة شبابه؛ لازم كبار مؤرخي عصره خاصة العلامة المقريزي والعيني

تمهيد:-

يُعدّ أبو المحاسن جمال الدين يوسف ابن تغري بردي بن عبد الله الظاهري واحداً من كبار المؤرخين المسلمين في القرن 9هـ (15م)، وعلما من أعلام المدرسة التاريخية في مصر، وممن تزخر المكتبات بمؤلفاتهم الضخمة.

مولده ونشأته:-

ولِدَ أبو المحاسن ابن تغري بردي بدار الأمير منجك اليوسفي بجوار مدرسة السلطان حسن بمدينة القاهرة حوالي سنة 811ه تقريبًا وقيل: سنة 812ه/1409م. فكان أصغر إخوته في الذكور والإناث، وكان والده الأمير تغري بردي – الذي يعني اسمه عطية الله- أحد كبار مماليك السلطان الظاهر برقوق الذي أحبه وتبرَّك به، فأصبح لتغري بردي شأن في الدولة المملوكية، فتدرَّج في الوظائف حتى بلغ أعلاها وهي أتابكية العسكر (قائد الجيش) ثم نائبًا لولاية دمشق (أكبر ولايات دولة المماليك وأهمها).

من المقتنيات المملوكية والمحتفظ بها في متحف الميتروبوليتان – نيويورك.

لم يُدرك أبو المحاسن بن تغري بردي والده ولم ينشأ في كنفه، فقد توفِّي وتركه ابن ثلاث سنوات، إلا أنه – وبفضل مكانة أبيه وموقعه – حظي بحياة أقل ما يقال عنها إنها رفيعة وراقية، فقد نشأ في وسط يعج بالعلماء والوجهاء، حيث كفله زوج أخته قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي، وبعد وفاة هذا الأخير تزوجت أخته بقاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني الشافعي، الذي واصل تربيته؛ فحفظه القرآن الكريم ودرّسه الفقه. إلى أن شبّ ابن تغري بردي واشتد عوده وانطلق ينهل من شتى العلوم ويتتبع خطى كبار العلماء.

شيوخه:-

بجانب تربية ابن تغري بردي على يد اثنين من كبار علماء عصره؛ فقد درس على عدد من كبار المشايخ والمؤرخين، الذين أجازوا له، ومنهم على سبيل المثال: تقي الدين المقريزي، وبدر الدين محمود العيني، وابن حجر العسقلاني، وابن شهاب الدين أحمد بن عربشاه بالقاهرة، وابن ظهيرة وابن العليف بمكة، والمرعشي وابن الشماع بحلب، وغيرهم كثير.

الإمام شهاب الدين ابن حجر العسقلاني
الإمام شهاب الدين ابن حجر العسقلاني

وقد عاصر ابن تغري بردي كل من شمس الدين السخاوي، وابن الصيرفي، وجلال الدين السيوطي، ويبدو أن العلاقة بينهم كانت علاقة تنافسية بحكم اشتغالهم في التاريخ، ونهلهم من نفس المشايخ (المقريزي والعيني وابن حجر).

ابن تغري بردي والتاريخ:-

وعلى الرغم من اجتهاده في تحصيل العديد من العلوم كالفقه والبلاغة والحديث، إلا أنه أحب التاريخ دون سائر هذه العلوم التي تعلمها وأجيز له فيها، فلازم كبار مؤرخي عصره خاصة العلامة تقي الدين المقريزي، وبدر الدين محمود العيني، فتأثر بهما أيَّما تأثير وتتبع منهجهما في الكتابة التاريخية فأبدع وأخرج مؤلفات قيمة، لا تقل أهمية عما كتبوه، وساعده في ذلك «جودة ذهنه وحسن تصوره وصحيح فهمه حتى برع ومهر وكتب وحصّل وصنّف وألّف وانتهت إليه رياسة هذا الشأن في عصره».

هذا بجانب أن ابن تغري بردي ملَكَ من المؤهلات العقلية والمادية ما لم يتسنَّ لغيره، فقد كان يجيد اللغة التركية، وبالتالي كان له أن يطَّلع بأحوال الترك ولغاتهم، وأما مادياً؛ فقد ورِث عن أبيه ثروة تكفيه ليحيى حياة كريمة يسيرة، لم يذُق فيها ضَنَك العيش، أضف إلى ذلك أنه ورِث عنه أيضا مكتبةً ضخمةً أغنته عن مشقة البحث عن الكتب وجمعها.

غير أن ما ورثه ابن تغري بردي عن أبيه ليس فقط ثروته وإنما مكانته في البلاط المملوكي، فقد تسنى له وهو ابن أحد كبار الموظفين أن يتغلغل في أوساط الطبقة الحاكمة، ويرتبط بعلاقات مع كبار أمراء وموظفي الدولة، ولهذا جاءت كتاباته التاريخية مميزة وذات قيمة أكبر، حيث كان على دراية كبيرة بأسرار وخبايا البلاط المملوكي، والحوادث الدائرة فيه وهو ما لم يتوفر لغيره.

كل هذه المزايا -التي أحسن ابن تغري بردي استغلالها- جعلت منه مؤرخًا فذًا جديرًا بأن يتزعَّم مؤرخي عصره، ويكون خير خلف لأستاذيه المقريزي والعيني.

ابن تغري بردي –مؤلفاته:-

بلغت مؤلفاته اثني عشر كتابا، وجلّها مؤلفات ضخمة لكن بعضها ضاع ولم يبق منها الآن سوى سبع كتب فقط، ولعل أشهر مؤلفاته التي خلَّدت اسمه بين مؤرخي الإسلام هو كتابه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، وهو كتاب ضخم، نشرته دار الكتب المصرية في 16 مجلدًا، تناول فيه تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي 20هـ/640م إلى سنة 872ه/1367م، وقد عكف ابن تغري بردي على تأليفه لتقديمه لصديقه المقرب الأمير محمد بن جقمق، لكن وفاة الأمير سبقت انتهاءه منه.

ويليه من حيث الأهمية كتاب «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور»، وهو ذيل لكتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك» الذي ألفه تقي الدين المقريزي، وقد سلك فيه ابن تغري بردي منهجه في ترتيب الكتاب على السنين والشهور والأيام، وينتهي إلى سنة 1451م.

وله أيضا كتاب «مورد اللطافة فيمن ولى الخلافة»، وهو كتاب مبسط اقتصر فيه ابن تغري بردي على ترجمة مختصرة للخلفاء والسلاطين، استفتح مؤلفه بذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم الخلفاء الراشدين والأمويين إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله، ثم ذكر العبيديين ومن خلفهم على مصر إلى أيامه.

كما له كتابا ضخما في التراجم غاية في الأهمية وهو كتاب «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي»، وقد أراد به أن يكون تكملة لكتاب «الوافي بالوفيات» لابن أبيك الصفدي، وقد جمع فيه حوالي ثلاثة آلاف ترجمة لمشاهير العلماء والأمراء والسلاطين في عصر دولتي الماليك الأولى والثانية، وقد نشرته دار الكتب المصرية في 12 مجلد بخلاف المجلد الثالث عشر الخاص بالفهارس، وقد اختصر ابن تغري بردي هذا الكتاب في جزئين بعنوان «الدليل الشافي على المنهل الصافي».

هذا بالإضافة إلى عدد من المؤلفات الأصغر حجما وبعضها في غير فن التاريخ ككتاب «الانتصار للسان التتار»، وهو رسالة في معاني اللغة التركية، و«نزهة الألباب في اختلاف الأسماء والألقاب»، و«حلية الصفات في الأسماء والصناعات».

من المقتنيات المملوكية العائدة للقرن الثالث عشر الميلادي والمتواجدة في متحف الميتروبوليتان في نيويورك

ابن تغري بردي – وفاته:-

توفي سنة 847ه/1470م، بعد أن قضى معظم حياته في الكتابة، والتأليف فلم ينقطع عنهما حتى قبيل وفاته.

المراجع:-

  • شمس الدين السخاوي، اللضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج10، دار الجيل.
  • مقدمة تحقيق محمد محمد أمين لكتاب المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، دار الكتب المصرية.
  • مقدمة  أحمد زكي العدوي لتحقيق كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب المصرية.
  • محمد مصطفى زيادة، المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر ميلادي.
  • مقدمة تحقيق محمد كمال الدين عز الدين لكتاب حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور.
  • https://images.metmuseum.org/CRDImages/is/original/DP170388.jpg

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى