أعلام

ابن بطوطة .. ماركو بولو الإسلام

قطع خلال رحلاته قرابة 75 ألف ميل ليمر عبر 44 دولة نعرفها اليوم

تمهيد:-

قبل مئات السنين من اليوم، وقبل أن يتمكن الانسان من اختراع القطارات البخارية والطرق الممهدة أو أن يقوم بالتنقل عبر الطائرات وخطوط القطارات السريعة، في تلك العصور القديمة؛ لم يكن من المعتاد أن يسافر الشخص الطبيعي لأبعد من 20 ميل عن مدينته أو مسقط رأسه.

ولكن يوجد هناك استثناءات في كل بلد ومصر، ففي ذلك الوقت؛ تمتع الأغنياء بقدرة تمكنهم من تغذية جوعهم المعرفي ليقوموا باستكشاف ما يخفى عنهم وراء الأُفُق، والتعرف على كل البلاد الغريبة التي لم يصل إليها أحد من قبل، إلا ماركو بولو الإيطالي المغامر رحالة العالم الغربي، وإلى جواره بالطبع ابن بطوطة رحالة العالم الإسلامي.

عرف عادات وتقاليد الشعوب التي زارها

لقد سافر ابن بطوطة خلال رحلاته متجولاً في كافة أرجاء قارة أفريقيا، وقد توجه نحو آسيا ومنها انتقل إلى أوروبا الشرقية ليصل في النهاية إلى أقصى الصين والهند، وبعدها عاد إلى موطنه ومسقط رأسه المغرب ليستقر فيها ويقضى ما تبقَّى من حياته بكل هدوء.

نشأة ابن بطوطة وحياتهُ:-

 في سنة 1304 للميلاد وفي مدينة طنجة المغربية، ولد ابن بطوطة، منحدراً من عائلة أمازيغية عريقة عُرفت بأبنائها العاملين في مجال القضاء لأجيال طويلة متعاقبة.

طنجة كما تبدو اليوم

 هذه القيمة الرفيعة لعائلته؛ أتاحت لابن بطوطة أن يحظى بتعليم قوي ومعرفة واسعة في مجال الشريعة الإسلامية، الأمر الذي دعم مسيرته في الترحال، ليصبح علَّامة فقيهاً يفرض احترامه على الناس أينما توجَّه، فقد كان يمتلك العلم والرَّجاحة الكفيلين بهداية الشعوب ودعوتها إلى الإسلام أينما وطأت قدماه.

بداية رحلات ابن بطوطة:-

البداية كانت في الحج إلى مكة المكرمة، فيقول ابن بطوطة:

لقد بدأت رحلتي لوحدي، فلم يكن معي أي مؤنس أو زميل سفر أجد في صحبته بهجة في السفر، ولكن كنت أشعر برغبة قوية ودافعة تحثني بقوة على زيارة الديار المقدسة. ولهذا السبب اتخذت قراري وودعت كل أحبائي وتركت بيتي تماماً كما يغادر الطائر عشَّهُ.

كان والداي ما يزالان على قيد الحياة عندما غادرت، وهذا ما أثَّرَ علي، فآلمني بشدة أن أفارقهما، وكان هذا الابتعاد هو الأشد على قلبي وأكثره حزناً.

من كتاب أسفار ابن بطوطة

في سنة 1325 م؛ كان لأبن بطوطة 21 عاماً من العمر وبدأ أولى خطواته ترحاله متجهاً صوب مكة المكرمة لتأدية شعائر مناسك الحج، حيث بدأت رحلته من طنجة بمسار يقطع منطقة الشمال الإفريقي ليصل إلى مدينتي القاهرة والإسكندرية.

خلال مساره نحو البلاد المقدسة؛ وجد لذة كبيرة في استكشاف البلاد ورؤية العالم والتعرف على الثقافات الأخرى مما ولَّد في قلبه رغبة قوية لمتابعة هذه الأسفار واستكشاف العالم، وخاصة عالمه الإسلامي الواسع ومترامي الأطراف.

رحلات ابن بطوطة في القرن الإفريقي والشرق الأوسط:-

بعد مرور عام من سفره لأداء مناسك الحج؛ كان بن بطوطة في العام (1326 -1327) قد توجه إلى العراق وقصد في تجواله أيضاً بلاد فارس.

وبعد ذلك وتحديداً في سنة 1328 م؛ بدأ في زيارة شرق القارة الإفريقية وقام بزيارة مدينة مقديشو على الساحل الصومالي، ليتابع طريقه نحو الجنوب الافريقي مستكشفاً سواحل البلاد التي نعرفها اليوم باسم كينيا وتنزانيا.

وصل ابن بطوطة إلى مقديشو

ابن بطوطة ورحلته إلى الهند:-

بعد جولة استكشافية لابن بطوطة في القارة الإفريقية؛ رغِب رحَّالنا في الذهاب إلى الهند ليعمل في إرث
أبائه بالقضاء لدى بلاط السلطان الإسلامي في دلهي.

ولذلك سافر عبر مصر متجهاً نحو الشام ويعبرها ليصل في سنة (1331 م) إلى الأناضول (والتي نعرفها اليوم بتركيا)؛ ومن هناك قطع البحر الأسود ليصل في النهاية إلى أرض السلاطين والخانات إلى أرض الحكم
الذهبي للمغول.

ابن بطوطة عبر الشام في طريقه نحو الأناضول
عبر الشام في طريقه نحو الأناضول

وخلال وجوده في بلاد تركستان والأراضي الذهبية؛ تم الترحيب بابن بطوطة ليعمل في دواوين خان أوزبك كباحث ومعلم للشريعة الإسلامية.

وبسبب ارتباطه العمل الجديد هذا؛ بقي ابن بطوطة في البلاط الخاني لمدة عام أو عامين إلى أن أرسله
السلطان أوزبك خان ليسافر إلى القسطنطينية مع بعثة زوجة السلطان، مما مكَّن ابن بطوطة من استكشاف القسطنطينية ورؤية آيا صوفيا هناك، حتى أن البعض يقول بأنه قد قابل حاكم المدينة هناك.

وقد كتب ابن بطوطة عن زيارته للقسطنطينية معبراً عن دهشته بعدد الكنائس الموجود في المدينة، فلقد
كانت هذه المدينة واحدة من المدن الكبيرة والقليلة غير المسلمة التي زارها خلال تجواله في العالم
الإسلامي في فترة عصره الذهبي.

كما وقد تفاجأ بتصرفات النساء المنغوليات في البلاد الذهبية وكيف كن يتمتعن بحرِّية كبيرة، ويقمن
بتصرفات غير معتادة ومتعارف عليها لدى النساء في المناطق الإسلامية التي زارها أو سمع عنها.

ابن بطوطة قاضٍ في مدينة دلهي:-

بعد تنقُّله بين أرض الخانات (تركستان وبلاد المغول) وبين القسطنطينية وصل ابن بطوطة إلى الهند سنة
1333 وله ثمانية أعوام بعيد عن بلاده وأهله في جولة تخوض غمار أسيا الوسطى، ليصل ابن بطوطة سنة
1334 م إلى الهند عبر أفغانستان ويُستقبل في بلاط محمد بن تغلق شاه سلطان دلهي.

عمل ابن بطوطة في دلهي قرابة السبع سنوات، ليتزوج فيها وينجب الأبناء، وتبعاً لما كُتب؛ فقد استمتع في
بادئ الأمر في إقامته بدلهي ولكنه سرعان ما شعر بالتعب من متطلبات السلطان الكبيرة وخاصة عقوباته الصارمة.

 فعلى سبيل الذكر؛ كان السلطان معروفاً بقسوته وجبروته حيث كان يرمي أعدائه ضمن حلبة الفيلة المليئة بالنصول الحادة، ويشاهد معركتهم.

الهرب من دلهي والتوجه نحو المالديف:-

لم يتمكن ابن بطوطة من الاستمرار في العمل في دلهي بهذه الظروف القاسية، ليغادر بلاد السلطان عندما لاحت أمامه أول فرصة ممكنة والتي كانت تحديداً في سنة 1341، حيث خرج من الهند كمبعوث لبلاط الإمبراطور الصيني.

مع أن ابن بطوطة قد بدأ في النضوج وعاش تحت ضغط الأعمال؛ إلَّا أن روح الشباب ما زالت فيه وهو في عمر السابعة والثلاثين، حيث تجددت في عروقه حب المغامرة ، فما أن خرج من دلهي؛ حتى طفق بكل شغف يتعرف على الساحل الهندي ليجد سفينة توصله إلى ميناء كوان زو الصيني الواقع في جنوب شرق آسيا.

ولكن هنا جرت الرياح كما لا تشتهي سفنه، فقد تعرض ابن بطوطة إلى عملية سطو ونهب من قبل قراصنة، حيث سُرِق منه كل شيء ولم يُترك له سوى بنطال فقط يستر به نفسه.

السلطان محمد بن تغلق في دلهي، حيث خدم لديه ابن بطوطة كقاضٍ لمدة ست سنوات خلال فترة حكمه.
السلطان محمد بن تغلق في دلهي، حيث خدم لديه ابن بطوطة كقاضٍ لمدة ست سنوات خلال فترة حكمه.

وعندما وصل رحَّالتنا إلى الميناء؛ تهالكت السفينة التي أوصلته لتحترق بشكل مفاجئ وتغرق في البحر،
وبعد مجموعة متتالية من الحوادث السيئة التي عاشها؛ فتح عينيه ليجد نفسه على شواطئ جزر المالديف،
حيث أقام لعام مستكشفاً ومستمتعاً بالبيئة الإستوائية الرائعة للجزر، وتابع مهنته المتوارثة في العمل
كقاضٍ لدى حاكمها.

ابن بطوطة معجب بالصين:-

بقي ابن بطوطة في المالديف لقرابة العام، وعلى الرغم من بداعة الجزر وجمالها الاستثنائي؛ إلا أن ابن
بطوطة لم يكن مرتاحاً بسبب الصدمة الثقافية التي اكتشفها في هذه الجزيرة من حيث عادات البلاد ولباس
أهلها، يضاف له خلاف اندلع بين الرحَّالة العربي وبين حاكم الجزر وهذا كان سبباً كافياً ليعقد ابن بطوطة
عزمه ويفكر في السفر متوجهاً نحو الصين.

من المالديف؛ استقر لفترة قصيرة في سيريلانكا ثم التف منها حول الجنوب الهند وآسيا ليصل في سنة 1345 م
إلى ميناء تشيوانتشو الصيني وذلك بعد أربع سنوات من مرور أربع سنوات أخرى من خروجه من مدينة دلهي.

فُتن الرحَّالة الطنجي بالحضارة الصينية وكل ما فيها من أبنية وعمارات، ومما ورد في كتاباته أنه قد زار على الأقل
مدينة بكين حيث وصف القناة الكبيرة التي تمر فيها، وتحدَّث كثيراً عنها واصفاً إياها بأكثر المدن والبلاد التي
زارها أماناً.

رسم توضيحي يخص الكاتب ليون بينيت والذي نشر سنة 1878 يظهر الرحالة ابن بطوطة في الجهة اليمنى.

ومع افتتانه الكبير؛ إلا أنه لم يكن مرتاحاً من اختلاف العادات الثقافية وخاصة تلك العادات غير الإسلامية
التي تتعلق بعبادتهم للأوثان.

بقي في الصين يتنقَّل بين التجمعات الإسلامية فيها لعدة سنوات ويتحدث عن روعة المدن
وخاصة مدينة هانغتشو التي كانت بنظره أكبر مدينة زارها في كل حياته.

العودة إلى الديار:-

بعد سنوات قضاها في الصين؛ لم يعد ابن بطوطة إلى الخدمة كقاضٍ في بلاط سلطان دلهي، ولم يخدم
بعدها في بلاط الإمبراطور الهندي، بل تابع طريقه في استكشاف الصين قبل أن يحن إلى المغرب ويقرر
العودة إلى طنجة مسقط رأسه.

ابن بطوطة وصف المدن المغربية أثناء عودته إلى طنجة
وصف المدن المغربية أثناء عودته إلى طنجة

وبعد غياب أكثر من 24 سنة عن طنجة؛ عاد الابن الرحالة ليفطر قلبه بعد سماعه خبر وفاة والديه، مما
ولَّد لديه رغبة بالابتعاد فذهب في رحلة إلى الأندلس ومنها سافر إلى تمبكتو (مالي) حتى عام 1354 حيث قرر الرجوع والاستقرار بشكل دائم في المغرب.

في سنة رجوعه؛ طلب منه الحاكم على المغرب أن يسجل كل رحلاته بتفاصيلها، وبالفعل قام بذلك
بمساعدة كاتب ليدوِّن كافة تفاصيل رحلاته وسفراته في كتاب “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار“.

إرث ابن بطوطة:-

خلال أربعين سنة من حياته وعندما قرر الترحال فيها لا يبدو أن حياة ابن بطوطة كانت بمجملها هادئة بل
كانت مليئة بالمفاجآت والأسفار إلى أن استقر أخر 12 سنة منها بهدوء في مسقط رأسه ليعمل كعالم
شرعي إلى أن توفي في سنة 1368 م.

ربما في النهاية وجد نفسه قد كبُر على تحمُّل أعباء السفر أو هو قد حَنَّ لجذوره، لا أحد يدري، ولكن ما
نعرفه جيداً أنه قد قطع خلال رحلاته قرابة 75 ألف ميل ليمر عبر 44 دولة نعرفها اليوم.

ويعتبر الإرث الذي تركه من أكثر المصادر التاريخية التي تخبرنا عن الثقافات المتنوعة للشعوب في تلك
الفترة وخاصة ثقافات العالم الإسلامي، إذ كان كتابه يعتبر أحد المصادر الرئيسية للمعلومات التاريخية
لتلك الحقبة.

لذلك عندما تفكر في رحَّالة قديم تجول في أنحاء المعمورة؛ فكِّر مع ماركو بولو برحالنا المغربي الفذ
قاضي السلاطين ابن بطوطة.

عشرات السنوات في التنقل بين البلدان

المصادر:-

https://www.ancient-origins.net/history-famous-people/ibn-battuta-0011325

https://www.history.com/news/why-arab-scholar-ibn-battuta-is-the-greatest-explorer-of-all-time

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى